«دفع التدخل العسكري السعودي في اليمن عام 2015، لتعزيز التعاون بين جماعة أنصار الله الحوثية، وإيران، التي كانت بالكاد لها علاقة بالحوثيين»، هذا ما كشفته الصحافية اليمنية روان شايف.

وقالت روان في مستهل مقال لها نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية: «بعد ساعات من هجوم مجموعة من الطائرات المُسيرة المسلحة وصواريخ كروز قصيرة المدى على منشآت النفط السعودية (أرامكو) الشهر الماضي، تحرك الحوثيون اليمنيون بسرعة لإعلان مسؤوليتهم الكاملة. وعلى قناة المسيرة التليفزيونية المحلية، قدم الناطق باسم الحوثيين، يحيى سريع، لمحة مفصلة عن العملية، والتي أطلق عليها اسم «ميزان الردع 2».

وسارع الخبراء المطلعون على أسلحة الحوثيين بتحدي روايتهم بشأن الهجوم؛ إذ كشفت صور الأقمار الصناعية المقدمة من الحكومة الأمريكية، وشركة الأقمار الصناعية الخاصة المتخصصة في توفير الصور «ديجيتال جلوب»، عن هجوم منسق للغاية ومخطط له بدقة، تجاوز آليات الكشف والدفاع؛ إذ ضربت الهجمات ما لا يقل عن 17 نقطة تصادم فردية في منشآت بقيق. كما ضُربت خزانات فصل المازوت التي تشبه القبة، البالغ عددها 12 خزانًا، ما تسبب في إحداث ثقوب بها. فاق هذا أضرار الحرائق الصغيرة التي سببتها هجمات الحوثيين من قبل. 

وأشارت روان إلى أن «الجاني الأكثر ترجيحًا هو إيران، راعي الحوثيين الدولي الأبرز». واستشهدت بقول الباحث في مركز جيمس مارتن لدراسات حظر الانتشار النووي، فابيان هينز: «لا يوجد شيء يستثني اليمن من المعادلة، لكن عندما تضع كل الأجزاء سويًّا – المدى، والقدرات، والحجم- يصبح من غير المعقول أن يكون الحوثيون هم من نفذوها». 

لكن ادعاءات الحوثيين كشفت جزءًا ضئيلًا من الحقيقة كشفًا غير مباشر؛ إذ أفادت بأن علاقاتهم بإيران الآن أصبحت أقرب من أي وقت مضى، مع تداخل متزايد في القدرات والأولويات الاستراتيجية. وتضيف روان: «إذا كان الحوثيون يشكلون خطرًا على السعودية أكثر من ذي قبل، فإن الرياض هي نفسها المسؤولة».

Embed from Getty Images

في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، استولى الحوثيون على العاصمة اليمنية صنعاء، مما أدى إلى نفي الرئيس عبد ربه منصور هادي، وإثارة تدخل قاسٍ لتحالف إقليمي تقوده السعودية والإمارات، والذي أكد أن الحوثيين كانوا تحت سيطرة إيران. 

لكن كان هناك الكثير من الأسباب التي تدعو للشك في صحة هذا الأمر في ذاك الوقت؛ إذ إن الروايات الطائفية التي روجها التحالف الذي تقوده السعودية صوّرت الصراع في اليمن تصويرًا غير دقيق، بوصفه نزاعًا مدفوعًا بالانقسامات الدينية القديمة – بين الشيعة والسنة- وليس بسبب هيمنة السلطة الإقليمية. كما ينتمي الحوثيون إلى مدرسة إسلامية تعرف بالزيدية، وهي بعيدة كل البعد عن الإسلام الشيعي الإثني عشري الشائع في إيران.

وألمحت روان إلى أن «حملة القصف الجوي للتحالف في اليمن، أشارت إلى نبوءة بدأت تتحقق؛ إذ كانت المزاعم السعودية حول التعاون بين الحوثيين والإيرانيين مدعومة في الغالب فقط بالترويج للشائعات عبر الإنترنت، إلى أن بدأ النزاع الدولي في اليمن في عام 2015». 

وبحسب بيتر سالزبوري، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية، لم يتلق الحوثيون سوى الحد الأدنى من الدعم الإيراني قبل بدء الحرب الإقليمية. وقال سالزبوري: «لقد كان من المناسب سياسيًّا أن نلقي باللوم على أعتاب إيران بشأن دعمها للحوثيين بدلًا من القول إن صعود الحوثيين كان نتاج سلسلة من الحسابات السياسية الخاطئة، والأولويات الدولية في غير محلها».

الحوثيون بوابة إيران لتوسيع نفوذها

وتابعت روان: «تغيرت الظروف منذ بدء الحرب. وعلى الرغم من الخلاف الديني، بدأت إيران ترى الحوثيين وسيلة لتوسيع نفوذها في شبه الجزيرة العربية، وسط حرب بالوكالة مع السعودية. وبالنسبة لإيران، كان التعاون مع الحوثيين فرصة جاءت في وقتها، وليس استراتيجية مخططة مسبقًا. وحتى الآن، يظل اشتراك إيران المباشر في اليمن مقصورًا على الأدوار الاستشارية غير القتالية، ويعتمد اعتمادًا تامًا على المكاسب الملموسة، فاستثمار إيران المباشر ضئيل، لكنه يكفي لتغذية مخاوف التحالف السعودي من التدخل الإيراني».

كثف الحوثيون هجماتهم على الحدود تكثيفًا شديدًا منذ ديسمبر (كانون الأول) 2017، وشنوا العديد من الهجمات بطائرات مُسيّرة وصواريخ على المنشآت العسكرية، ومحطات الطاقة، والمطارات، وحقول النفط والغاز في كل من السعودية والإمارات. واستثمرت السعودية – بدورها- مليارات الدولارات في أنظمة الدفاع الجوي من الولايات المتحدة، والتي فشلت مع ذلك في حماية المملكة من الهجمات القادمة من إيران وعملائها.  

وخلال مؤتمر صحفي عقب هجوم بقيق، زعم المتحدث باسم التحالف، العقيد تركي المالكي، أن السعودية قد استُهدفت بـ232 صاروخًا باليستيًّا و258 طائرة مُسيرة ذاك الشهر وحده، مضيفًا: «لا يوجد بلد في العالم يتعرض لهجوم الصواريخ الباليستية بهذه الكمية».

تطوير المنظومة العسكرية للحوثيين

وتقول روان: «السبب في هذه الزيادة الكبيرة في الهجمات إلى تزايد قدرات الحوثيين على تصنيع الطائرات المُسيرة والقذائف على أساس التصميم الإيراني باستخدام المكونات المتاحة تجاريًّا. في أواخر فبراير (شباط) 2017، كشف الحوثيون عن أسطولهم الأول من الطائرات المسيرة المكون من أربع طائرات، بما في ذلك الطائرة الانتحارية قاصف-1. وادعى الحوثيون أن الطائرات المسيرة كانت ذات تصميم محلي. ومع ذلك، كانت اثنتان منهما صينيتي الصنع، ويمكن شراؤهما من موقع «علي بابا»، والاثنتان الباقيتان تشبهان الطائرات الإيرانية الصنع – لا سيما عائلة أبابيل-2».

Embed from Getty Images

ومنذ ذلك الحين، أصبحت تقنيتهم أكثر تطورًا وفتكًا، إذ توسعت لتشمل الصواريخ الباليستية بعيدة المدى وصواريخ كروز. وسلحت إيران جماعات عراقية وجماعة الحوثي في اليمن بشكل استراتيجي بتكنولوجيا أسلحة متطابقة من أسلحة الحرس الثوري الإسلامي، ما سمح لها بتبني سياسة الإنكار عند استخدام هذه المعدات في هجمات مثل تلك التي شُنت على منشأة أرامكو السعودية.

العقوبات الدولية تعزز الموقف الإيراني

نجحت العقوبات الدولية الكارثية، التي تهدف إلى ردع إيران وإيقافها عن دعم الجماعات المتطرفة، وتطوير برنامجها النووي، في تقليص الدعم المالي الإيراني لحزب الله، وقوات التعبئة الشعبية في العراق، والحوثيين. لكنها عمقت دعمها الاستشاري للجماعات نفسها. وطالما لدى إيران والحوثيين الخصوم أنفسهم – السعودية والولايات المتحدة- فإن علاقتهما ستستمر في النمو.

في الواقع، سرعان ما تحولت استراتيجية العزل التي يتبعها المجتمع الدولي إلى تحالف قوى إيرانية حوثية. ويبدو أن الإمارات قد أدركت ذلك؛ ففي يوليو (تموز) الماضي، أعلنت انسحابًا سريعًا من الصراع اليمني الذي وصل إلى طريق مسدود، تاركة السعودية وحدها تمامًا في حربها الباهظة ضد الحوثيين.

إذا كان من الصعب كشف نفوذ إيران في اليمن؛ فمن المستحيل الآن التغاضي عنه؛ إذ تشير بقايا الأسلحة التي جُمعت من آثار هجوم بقيق إلى أسلحة ذات تصميم إيراني. لكن ما يجب أن يفاجئ المراقبين هو أن الحوثيين يعلنون عن مسؤوليتهم عن هجوم ذي بصمات إيرانية واضحة. 

واختتمت روان مقالها باقتباس مقولة باحث الأسلحة فابيان هينز: «من الصعب تخيل أن يلقي الحوثيون، أو حزب الله، أو قوات الحشد الشعبي الإيرانية هذا الثقل الهائل دون أوامر مباشرة من المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. في النهاية، لا تُحدث مسألة مصدر الصاروخ ذاك الفرق الكبير، بل ما علمناه عن إيران والحوثيين في هذه العملية».

«ناشيونال إنترست»: السعودية محاصرة.. هل تضطر للتفاوض مع إيران؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد