تتناول جيليان هادفيلد، الكاتبة وأستاذة القانون والاقتصاد بجامعة كاليفورنيا الجنوبية، فكرة المدن الذكية، إذ يحلم رواد الأعمال في وادي السيليكون ببناء دول جديدة، كمشاريع ريادية على نطاق كبير، بعيدًا عن حدود الحكومات القائمة حاليًا، وما يتعلق بها من قوانين وتنظيمات يرونها خانقة وكابحة للإبداع. تقول الكاتبة في مقالها على موقع «تك كرانش» المهتم بالتكنولوجيا؛ إنه في التصورات الأولية لرواد الأعمال، يبدو أن البحار هي المكان الأمثل لتشييد مدنهم الجديدة، والتي تأخذ شكلًا يقترب من الجُزُر.

في الشرق الأوسط، حيث الأنظمة السياسية والحكومات غير الصديقة للمستقبل كما تصفها هادفيلد، والقابعة تحت تهديد مستمر من المتطرفين الذين يفضلون العيش في الماضي وليس المستقبل، تحلم السعودية ببناء المستقبل هنا، على رمال الصحراء الممتدة، وهي الرؤية التي تتبناها في مشروع المدينة التكنولوجية المستقبلية العملاقة نيوم والتي رُصِد لها تمويل يبلغ 500 مليار دولار.

اقرأ أيضًا: «نيوم» والعاصمة الإدارية الجديدة.. هل تنقذ مدن «يوتوبيا» اقتصاد مصر والسعودية؟

تناقض واضح

بحسب المقال، يدعو الفيديو الدعائي للمدينة المشاهد أن يتخيل مدينة تعمل بنسبة 100% بالطاقة الشمسية، مع وسائل مواصلات بلا سائقين، مزارع مائية، وتطبيق لتقنيات الذكاء الاصطناعي والصناعات المتطورة باستخدام الروبوتات. بخلاف ذلك، تأتي النقاط الأهم بحسب تقديم المدينة «لا حدود للفكر، لا قيود، لا قواعد لملابس النساء أو لأماكن عملهن، وأن تكون مفتوحة لكل الأعراق والديانات».

تقول الكاتبة إن تلك الصورة التي يحاول المسئولون رسمها تختلف تمامًا عن الصورة الواقعية التي تقدمها منظمة العفو الدولية عن انتهاكات حقوق الإنسان، وحالات التعذيب، والتي ازدادت مؤخرًا مع تصاعد الصراع في المنطقة بين السعودية وإيران على الأراضي اليمنية، ثم تطرح الكاتبة سؤالًا جديدًا: كيف يمكن لدولة لم تمنح النساء حق قيادة السيارات سوى في 2018 أن تتحدث عن نظام جديد خالٍ من أية قيود؟

تضيف هادفيلد أن هناك أسبابًا كافية للتشكك في المشروع السعودي الطموح، ولكن هناك أيضًا أسبابًا تدعو للأمل وأن رؤية السعودية 2030 تعكس بعض الحقائق الهامة للغاية. أولها أنه من دون اقتصاد متنوع ومرن، من الصعب للغاية على أي مجتمع أن يحقق التطلعات الإنسانية المتعلقة بالكرامة والمساواة والعدالة، وأن المجتمعات الفقيرة تمتلك دائمًا سجلًا أسوأ فيما يتعلق بحقوق الإنسان.

الحقيقة الثانية هي أن القوانين والتشريعات التي تقمع المحاولات والتجارب الجديدة في المجتمع لا يمكن لها أن تحتضن مستقبلًا جديدًا يقوم على الابتكار والإبداع. المجتمعات القوية والمستقرة والمتنوعة اقتصاديًا دائمًا ما تتمكن من تحقيق التنوع المجتمعي أيضًا، وتصبح أكثر ميلًا للإبداع والانفتاح.

اقرأ أيضًا: 2018.. هل يصبح عام اعتلاء «الإسكندر الأكبر» لعرش السعودية؟

مشاكل محتملة

تقول الكاتبة إن النظام القانوني السعودي الحالي بُنِي على أساس اقتصاد لم يعد موجودًا الآن، وعلى أساس نظام اجتماعي أصبح من الماضي السحيق، وأن حلم مدينة نيوم يجب أن يكون الجسر نحو نظام قانوني جديد يضمن حياة أفضل للسعوديين، وحالة لدراسة التطوير المطلوب في البنية القانونية للدولة التي تحركها التكنولوجيا الجديدة، والتي يمكن أن تكون حلقة الوصل نحو مجتمع مزدهر وعادل.

لا تتوقف تلك المشكلة عند حدود السعودية فحسب، إذ تواجه جميع الدول حاليًا، الغنية والفقيرة، تحديًا كبيرًا في تحقيق التوازن بين الهيكل القانوني القائم والوتيرة السريعة للتقدم التكنولوجي والمزيد من العولمة والرقمنة وتكنولوجيا المستقبل. جميعنا نشعر بالقيود القانونية في كل الدول، لذلك ترى الكاتبة أن هناك أملًا بالنسبة لمدينة نيوم إذا واصل المخططون تطبيق فكرة أن تكون المدينة حرة تمامًا من تلك القيود، وأن بإمكانها بناء القواعد والتنظيمات الخاصة بها بنفسها، تمامًا كشركة ناشئة تدعو العملاء من جميع أنحاء العالم لحياة أفضل ونظام أفضل.

تقترح الكاتبة على السعودية أن تتخذ من نموذج دبي مثالًا لذلك، حيث يعمل مركز دبي المالي العالمي لجذب المستخدمين بهذه الطريقة. تأسس المركز عام 2004، وهو عبارة عن منطقة اقتصادية وقانونية خاصة تقدم إعفاءات ضريبية وجمركية خاصة للشركات المسجلة فيها، بل وتتضمن نظامًا قانونيًا خاصًا بها أيضًا ومحاكم خاصة، تعمل باللغة الإنجليزية استنادًا إلى القانون الإنجليزي العام، وتستقطب المحامين ذوي الخبرات في ذلك النظام.

يعني ذلك أنه إذا كنت تعيش أو تعمل أو تزور المنطقة التابعة لمركز دبي المالي العالمي في وسط دبي، فإنك تخضع للقوانين الخاصة به، ويبقى الاستثناء الوحيد هو القانون الجنائي، والذي يتبع قوانين دبي العامة. يعد ذلك مثالًا جيدًا لمدى تأثير النظام القانوني والقضائي، والذي من شأنه أن يعزز من الشفافية والكفاءة المطلوبة لتحقيق التقدم الاقتصادي والنمو المالي. اليوم، تحتل الإمارات المرتبة العاشرة عالميًا من بين أهم المراكز المالية، لذلك، فتبني تلك الخطوة المتعلقة بالنظام القانوني والقضائي هي أمر هام للغاية بالنسبة لمدينة نيوم أيضًا.

اقرأ أيضًا: «واشنطن بوست»: حان الوقت لفرض عقوبات دولية على محمد بن سلمان

لا يتوقف التطور القانوني في دبي عند هذا الحد بحسب المقال، بل يسعى الخبراء إلى تصميم محاكم المستقبل، والتي يمكنها التعامل مع التحديات المتعلقة بالتجارة الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، وغيرها من صور التكنولوجيا. تفكر دبي اليوم أيضًا في كيفية إدماج تكنولوجيا البلوكشين والاستفادة منها، وتطوير نظام القاضي الإلكتروني الذي يمكنه حل النزاعات القانونية وشرح وتفصيل أسباب القرار.

فرصة كبرى

تأتي تلك المبادرات المبدعة جزءًا من رد فعل طال انتظاره تجاه الأنظمة القانونية التي عفا عليها الزمن، والتي تقف عائقًا أمام التطور التكنولوجي، إذ يرى 70% من المديرين التنفيذيين أن التعقيدات القانونية هي أكبر عقبة تواجه الاقتصاد الحديث. تلفت الكاتبة النظر أيضًا إلى أنه لا يجب أن نبالغ في تقدير النجاحات أيضًا، فدبي ما زالت تعاني بقوة في مواجهة الجانب المظلم لها، وهو ما يتعلق بحماية العمالة المهاجرة.

تضيف الكاتبة أنه في تلك المناطق ذات الأنظمة القانونية الخاصة، لا يوجد ما يضمن أن تصل للمستوى الذي تعد به من الحرية الاقتصادية والقانونية. الخبير الاقتصادي بول رومر، والذي يعد من بين أوائل مصممي ومؤيدي فكرة المدن ذات النظام القانوني الخاص وسيلةً لتحقيق التقدم، والذي طُبِقت فكرته من قِبل حكومة هندوراس منذ سنوات عديدة، قد تخلى بالفعل عن مشروعه، بعدما تحولت مدينة الأحلام التي رسمها مدينة تمتلئ بالفساد لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.

تقول الكاتبة إن ذلك يعيطنا درسًا هامًا، أن الهدف من مثل تلك المدن والأنظمة والذي يتمثل في جذب الاستثمارات وتحقيق النمو الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق على حساب حقوق المواطنين في الصحة والأمن والعدالة. إذا تمكنت نيوم من الوفاء بوعودها وجذب السكان الساعين إلى حياة وأعمال أفضل، فسيمثل ذلك نقلة كاملة للدولة بأكملها فيما يتعلق بملفات هامة كالمساواة، وشفافية القضاء، والقانون التجاري الفعال.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات