نُشرت ترجمة هذا المقال للمرة الأولى على موقع «السوري الجديد»، عن مجلة «The Economist». وينشره «ساسة بوست» بموجب اتفاق مع الموقع.

بدت المملكة العربية السعودية خاملة منذ أربعة أعوام، معتمدة على ثروتها النفطية الهائلة، وقوة عرابها الأمريكي لبسط الهدوء في الداخل، وفرض الركود على جيرانها، لكن مع تراجع أسعار النفط؛ تراجعت الولايات المتحدة عن دورها القيادي في الشرق الأوسط: فالمنطقة مشتعلة، والسلطة قد انتقلت إلى جيل جديد، وأبرزها نجل الملك «سلمان» المفضل، والبالغ من العمر (30 عامًا)، «محمد بن سلمان». كما أن هناك عاصفة رملية من التغيير تلهب المملكة الصحراوية.

والنتيجة الواضحة لذلك هي المعاملة الوحشية للمعارضة في الداخل، والحزم في الخارج، الذي ظهر في عرض مخيف؛ فقد نفذت المملكة العربية السعودية في الثاني من يناير (كانون الثاني)، حكم الإعدام بحق 47 شخصًا. وكان معظمهم إرهابيين مرتبطين بتنظيم «القاعدة»، إلا أن البعض، بما في ذلك رجل دين شيعي بارز، كان كل ما فعلوه هو الدعوة إلى إسقاط حكم «آل سعود». وبعد أن قام الإيرانيون بإحراق السفارة السعودية في طهران أثناء الاحتجاجات، قطعت المملكة العلاقات الدبلوماسية والتجارية والجوية معها؛ ليكون ذلك تصعيدًا أحمقًا وخطيرًا في منطقة محمومة.

على أية حال، وبعيدًا عن عناوين الصحف، من الممكن للحزم المتباين أن يثبت أنه ذو عواقب على حد سواء؛ فقد وضع الأمير محمد مخططًا يهدف لفتح الاقتصاد السعودي المغلق، والحكومة أيضًا، ويقول: إن ذلك يشمل احتمال بيع أسهم في شركة النفط الوطنية، «أرامكو» السعودية.

كما إن اقتران التبختر الجيوسياسي مع التغيير الاقتصادي الكاسح يعد نوعًا من المقامرة. والنتائج هي التي ستحدد بقاء آل سعود، وستحدد مستقبل الوطن العربي.

ما هو المرادف العربي للتاتشرية؟

يعود الانخفاض في أسعار النفط، من 110 دولار للبرميل عام 2014 إلى أقل من 35 دولار اليوم، يعود ذلك جزئيًا إلى أن المملكة العربية السعودية تبدو مصممة على حماية حصتها في سوق النفط. على أية حال، يعدّ انخفاض الأسعار قنبلة موقوتة بالنسبة لبلد يسيطر عليها النفط، وحكومة تعتمد على النفط لما يصل إلى نسبة 90% من عائداتها. كما تضخّم عجز الميزانية العام الماضي إلى حد مذهل، بلغ نسبة 15% من الناتج الإجمالي المحلي. وعلى الرغم من امتلاك المملكة لـ 650 مليار دولار من العائدات الخارجية، إلا أنها انخفضت بالفعل بنسبة 100 مليار دولار.

وعند هبوط أسعار النفط في التسعينات، لجأ السعوديون بساطة إلى الاستدانة بكثرة. إلا أنه تم إنقاذهم عندما ارتفعت أسعار البضائع الصينية عام 2000.

أما الآن، فلا يتوقع أحد، بالإضافة إلى حكام السعودية، عودة أسعار إلى ثلاثة أرقام، بل إنهم يعترفون بدلًا من ذلك بضرورة إحداث التغيير في الاقتصاد. وفي حديثه لمجلة «الإيكونوميست»، الأسبوع الحالي، وضع الأمير محمد خطة للإصلاح ترقى إلى إعادة تصميم جذري للدولة السعودية.

تتمثل الخطوة الأولى من المخطط في تدعيم النظام المالي، والهدف من ذلك القضاء على العجز في الميزانية خلال الأعوام الخمسة المقبلة، حتى وإن ظلت أسعار النفط منخفضة. وعلى الرغم من وجود الكثير ليتم تقليله، إلا أنها تظل مهمة محفوفة بالمخاطر؛ ما يعني تفكيك النظام التي تُدفع بموجبه السيولة النفطية، وليست الضرائب، لقطاع التعليم، والرعاية الصحية، فضلًا عن الكهرباء المدعمة إلى حد كبير والمياه والإسكان. هناك أكثر من قضية المال على المحك؛ فقد أخفى هذا السخاء مدى عدم إنتاجية الاقتصاد على نحو مزمن، واعتماده على العمالة الأجنبية، فقد كان من السهل جدًا بالنسبة للسعوديين تجنب العمل، أو أخذ قيلولة في المكاتب الحكومية.

قامت القيادة الجديدة بخطوة أساسية كبداية؛ فقد عمل خفض الإنفاق خلال الأشهر الأخيرة من عام 2015 على إيقاف العجز من الارتفاع إلى أكثر من 20% من الناتج الإجمالي المحلي. وتشمل ميزانية عام 2016 ارتفاعًا حادًا في أسعار البنزين والكهرباء والماء، (بالرغم من أنها ما زالت مدعومة إلى حد كبير). وقد تعهد الأمير بتوجيه الاهتمام إلى أسعار السوق قبل انتهاء مدة الأعوام الخمسة. كما أنه ملتزم أيضًا بفرض ضرائب جديدة، بما في ذلك ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5%، وضرائب الخطيئة على المشروبات المسكرة والسجائر، وضرائب على الأراضي الخالية.

كما أن إعادة ضبط الرسوم والضرائب، ليست سوى الخطوة الأولى؛ إذ تشكل نسبة السعوديين ممن هم تحت الثلاثين حوالي 70% من تعداد مواطني السعودية. وفي الوقت ذاته، فإن ثلثي العمال السعوديين موظفون لدى الحكومة. وبالنسبة للقوى العاملة التي من المتوقع أن تتضاعف بحلول العام 2030، لن تزدهر البلاد إلا إذا قُلِب اقتصادها الخامل والراكد رأسًا على عقب، والتحول عن النفط، وتعزيز قطاع الأعمال الخاصة، وإدخال الكفاءات التي تتطلبها السوق.

وتعتزم الحكومة القيام بذلك من خلال تخليص الدولة من كل ذلك، عدا وظائفها الأساسية. وبدءًا من قطاع الصحة والتعليم إلى الشركات التي تمتلكها الدولة، تتطلع القيادة السعودية الجديدة إلى الخصخصة، وتعهد القطاع الخاص بتوفير الخدمات العامة. كما توجد لدى القيادة خطط للمدارس المستأجرة القائمة على التأمين الصحي، ونظام الرعاية الصحية الذي يأمنه القطاع الخاص. لذا، تتطلع القيادة إلى خصخصة كلية أو جزئية لأكثر من عشرين وكالة وشركة مملوكة للدولة، بما فيها شركات الطيران الوطنية وشركات الاتصالات ومولدات الطاقة. وأكبر تلك الشركات شركة أرامكو، التي تعد رمزًا وطنيًا، وتكاد تكون ـ من المؤكد ـ الشركة الأكثر قيمة في العالم. كما يفضل الأمير تعويم حصة الأقلية في شركة أرامكو، وفتح سجلاتها للعالم. كما يحث فريقه على التوصل إلى خطة لأجل ذلك خلال شهور.

هل يمكن لهذا المخطط أن يصبح واقعًا؟ الكلام سهل، بينما العقبات هائلة. لقد وعدت المملكة العربية السعودية بالإصلاح من قبل؛ لتتلاشي جهودها وتفقد أهميتها بعد ذلك؛ فأسواق رأس المال فيها هزيلة، وقدرة جهازها البيروقراطي أكثر ضعفًا. كما أن الاستثمار الذي تحتاجه في فئة الشباب وصناعاتها غير النفطية والبنية التحتية للسياحة فيها وأشياء أخرى كثيرة لن يكون بثمن بخس. كما لن يحصل ذلك، إلا إذا آمن المستثمرون بمستقبل البلاد، وهذا النوع من الثقة صعب البناء.

أفضل الخطط المقدمة

إن أحد الأسباب الداعية لذلك هو أن التقشف ـ كما كان في اليونان ـ سيكون صعبًا، ولن يحظى بالشعبية، (على الرغم من أن الأمثلة في سوريا وليبيا تعد رادعًا ضد الثورة الصريحة). وقد قدمت الدولة بسخاء تعويضات جزئية عن النقص في الحقوق السياسية. بيد أن العائلة المالكة مترددة في فتح صمامات الضغط التي قد تجعل التخفيضات أكثر قبولًا. وقد كانت الانتخابات الأخيرة التي سُمح للمرأة فيها بالتصويت والترشح لانتخابات المجالس المحلية، كان ذلك فكرة الملك الراحل. كما لا يوجد هناك أي دليل على أن الاستبداد الديني الذي تتشاركه المملكة العربية السعودية مع عدوها تنظيم «الدولة الإسلامية» سيلين. وحتى قبل الجولة الأخيرة، بلغت عمليات الإعدام أعلى مستوى لها منذ 20 عام. أما الأمير محمد فقد تحدث بحماس عن الجيل الجديد، إلا أنه لم تكن لديه الرغبة في مواجهة رجال الدين المحافظين حول الحظر المفروض على قيادة المرأة للسيارة.

أما بالنسبة للعقبة الأخرى فهي عقبة جيوسياسية. ففي الوقت الذي أصبحت فيه إيران أكثر حزمًا، تصاعد دور السعوديين ليصبحوا أبطال المسلمين السنة؛ فقد واجهوا الحلفاء المدعومين من إيران، مثل الحوثيين في اليمن، وبشار الأسد في سوريا، فضلًا عن الشيعة المتذمرين في الداخل، وفي دول الجوار التي يحكمها السنة، مثل البحرين.

وتبين القيادة الجديدة أن الاستقرار يتطلب منها أن ترسل بتحذير للإرهابيين، (وبالتالي الإعدام). إذ تشعر أنها مضطرة للدفاع عن مصالحها من خلال مقاومة إيران العازمة على إعادة إنشاء الإمبراطورية الفارسية، على حد قولها. إلا أن هذه النظرية خاطئة؛ فالسعودية بدلًا من ذلك تخاطر بقيادة جانب من صراع طائفي إسلامي لا يمكنها الفوز به، ولا تحمل نفقته. فالحرب في اليمن عبارة عن مستنقع، كما أن دعم مصر وحلفاء آخرين من السنة هو استنزاف لطاقاتها؛ فقد استنزفت إجراءات الدفاع والأمن في الأصل أكثر من 25% من الإنفاق الحكومي، كما ستلتهم الحصة المتزايدة من الميزانية المنكمشة. علاوة على ذلك، ستحول التوترات الإقليمية دون إنشاء استثمارات خاصة. فمن ذا الذي سيضع تريليونات ليستثمرها في اقتصاد منعزل ومنطقة غارقة في حالة من الاضطراب؟

ويبدو أن النظام الجديد يرى في الجرأة في الداخل والخارج دلالات على قوة المملكة العربية السعودية، لكن على الرغم من أن السياسة الخارجية القوية أدت دورًا جيدًا بين السعوديين، فإن الاقتصاد لن يزدهر إذا استمرت العائلة المالكة في إشعال المنطقة وعرقلة الإصلاح الاجتماعي في الداخل. وإن أراد الأمير محمد إعادة تشكيل بلاده، لا تدميرها، فعليه أن يعي ذلك ويدركه تمامًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s