نشرت وكالة «بلومبرج» الإخبارية الأمريكية تقريرًا حول تداعيات أزمة أسعار النفط الراهنة على الاقتصاد السعودي، ففي سابقة تاريخية هي الأولى من نوعها، انهارت أسعار الخام الأمريكي حتى بِيع بأسعار تقل عن الصفر، وبدورها هبطت أسعار خام برنت وسلة أوبك في السوق الدولية، وذلك بسبب الكساد والإغلاق الناجمَيْن عن جائحة فيروس كورونا. وحول هذا الموضوع.

بدأ التقرير بالإشارة إلى أن الانهيار الذي حدث في أسواق النفط أعاد عقارب ساعة الاقتصاد في المملكة العربية السعودية إلى الوراء، ووضع أقدامها على بداية الطريق نحو أعمق انكماش اقتصادي لها منذ عقدين من الزمان.

العالم والاقتصاد

منذ شهر
5 أسئلة تشرح لك ماذا يحدث للنفط الأمريكي

وتخضع أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم لإغلاقٍ عام بالفعل في محاولة لاحتواء انتشار جائحة فيروس كورونا، وهي تستجمع قواها الآن لمواجهة تداعيات ثانية جرَّاء الهزيمة المنكرة التي مُنِيَت بها أسعار النفط وخفض الإنتاج غير المسبوق الذي تفاوضت عليه منظمة أوبك مع حلفائها.

ويؤدي كلا الأمرين إلى انخفاضٍ في عائدات الحكومة، الذي يعرقل بدوره انتعاش الاقتصاد الهش. وجرى تداول خام برنت بسعر أقل من 19 دولارًا أمريكيًّا للبرميل يوم الثلاثاء- ربع المستوى الذي تحتاج إليه السعودية لضبط ميزانيتها- مما يضع المسؤولين أمام خيارات محدودة لتعويض الأوجاع الاقتصادية دون حدوث عجز في المالية العامة.

خيارات صعبة

قالت مونيكا مالك كبيرة الاقتصاديين في مصرف أبو ظبي التجاري: «إن ما حدث غيَّر كل شيء؛ إذ اعتمد جُل الانتعاش الأخير إلى حقيقة أن سعر النفط كان أعلى من 50 دولارًا إلى 60 دولارًا، مما يوفر الدعم للنشاط الاقتصادي، وقد تحطم كل ذلك».

الحوافز المالية السعودية أقل بكثير عن معظم جيرانها
الحوافز المالية (% من الناتج الإجمالي المحلي)
المصدر: بنك أوف أمريكا ميريل لينش

ويضع هذا التراجع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أمام خيارات صعبة. فبعد التراجع الأخير في أسعار النفط، في الفترة من 2014- 2016، أعلن ابن سلمان عن خطة تحول اقتصادي كبيرة. وفي الوقت الذي حقق فيه المسؤولون تقدمًا كبيرًا -من خلال تطوير قطاعات وليدة كالترفيه وزيادة الإيرادات غير النفطية عن طريق فرض الضرائب والرسوم- لا يزال الاقتصاد يعتمد على النفط الخام. والآن تمثل صدمة الأسعار تهديدًا للعديد من مكاسب الحكومة، مما يُصعِّب توفير التمويل للمشاريع والاستثمارات، وبخاصة عندما نعلم أن أكثر من 60% من الإيرادات هذا العام كان من المفترض أن يأتي عن طريق النفط.

ولفت التقرير إلى أن ريكاردو هاوسمان، الخبير الاقتصادي في جامعة هارفارد، عقد مقارنةً بين الأوضاع التي تواجهها المملكة العربية السعودية و«الحرب على جبهتين على الأقل»، وفقًا لعرض تقديمي نُظِّم مؤخرًا للمسؤولين السعوديين، شاهدته بلومبرج، والذي أوضح الضربة المزدوجة التي تلقَّتها المملكة من الوباء وأزمة النفط. وكتب هاوسمان قائلًا إن: «أي صدمة تحدث تُعد ضخمة في حد ذاتها. وعندما تحدث صدمتان في الوقت نفسه، تزداد الأمور تعقيدًا».

إجراءات صارمة

أشارت المراسلتان إلى أن المملكة العربية السعودية أعلنت حتى الآن عن أحد أدنى معدلات الإصابة بمرض كوفيد-19 في المنطقة؛ بأقل من 12.000 حالة إصابة بين 34 مليون شخص. ويرجع ذلك جزئيًّا إلى الإجراءات الصارمة التي تبنَّتها البلاد لإبطاء انتشار الجائحة، وهي خطوات تعني أيضًا إغلاق قطاعات كبيرة من الاقتصاد البالغ حجمه 779 مليار دولار.

وعندما أخضعت الحكومة المدن الرئيسية لحظر التجول لمدة 24 ساعة هذا الشهر، حدثت طفرة في الأعمال التجارية لأيمن السند، أحد مؤسسي أحد أشهر تطبيقات توصيل الطلبات في المملكة. كان ينام أربعَ ساعاتٍ فقط في الليل بينما تنطلق شركته «مرسول» لاستخدام شركات البريد السريع من أجل تلبية الارتفاع الكبير في الطلب من قبل الأشخاص العالقين في المنزل. ولكن حتى عندما أشاد بالمساعدة التي قدمتها الحكومة للشركات، كان قلقًا بشأن أزمة النفط التي تلوح في الأفق.

وفي الوقت الراهن، قال السند: «الخوف ينتاب الجميع من فيروس كورونا ووضع الإغلاق العام، لكن انظروا، كل شيء هنا متعلق بأسعار النفط. وإذا انخفضت الأسعار، يجب أن نتوقع تداعيات كبيرة على الأعمال الخاصة بأي شخص». ومع انخفاض أسعار النفط في الولايات المتحدة إلى ما دون الصفر لأول مرة في التاريخ، لم تتوقف الهواتف السعودية عن إصدار أصوات رنين تفيد بتلقي رسائل نصية ونشر تغريدات للسؤال عما يعنيه هذا بالنسبة للمملكة.

وأوضح التقرير أن التأثير المباشر لانهيار سعر خام غرب تكساس الوسيط على المملكة العربية السعودية ضئيل، إذ إنها لا تبيع سوى حوالي 10 من نفطها إلى الولايات المتحدة. ويرتبط مصير المملكة ارتباطًا وثيقًا بسعر خام برنت القياسي العالمي الذي تهبط أسعاره أيضًا؛ وذلك جزئيًّا بسبب انخفاض أسعار النفط الأمريكي.

قال أويجن فاينبرغ، رئيس أبحاث السلع في البنك التجاري الألماني: «كان انخفاض الأسعار بالأمس أمرًا مهمًا للغاية من الناحية النفسية. وهناك احتمال أن يُغيِّر ذلك التصورات إلى الأبد».

يرجع السبب في انهيار الأسعار جزئيًّا إلى زيادة العرض خلال حرب أسعار النفط المستعرة بين المملكة العربية السعودية وروسيا -لكن أساس ذلك هو التوقعات التي امتدت لفترة طويلة بانخفاض الطلب. وأدَّت تحذيرات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أنه سيدرس حظر استيراد الخام من المملكة العربية السعودية إلى زيادة المخاوف.

عرقلة الانتعاش الاقتصادي

أفاد التقرير بأن العديد من أصحاب الأعمال السعوديين تطلعوا إلى عام 2020 بعد مرورهم بعدة سنوات صعبة. والآن، يقول خبراء الاقتصاد إنهم بالكاد يستطيعون تقليل سقف توقعاتهم بالسرعة الكافية. ويمكن أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة أكبر من 3% هذا العام، وسيمثل ذلك أول انكماش اقتصادي منذ عام 2017 – الأكبر منذ عام 1999- حسبما أفادت مونيكا مالك. ومعدلات البطالة على وشك الارتفاع؛ إذ تكافح الشركات لسداد ديونها والاستمرار في عملها.

الهجمات العسكرية والسيبرانية تهدد صناعة النفط حول العالم

وقال محمد أبو باشا، رئيس قسم تحليل الاقتصاد الكلي بالمجموعة المالية في بنك الاستثمار -المجموعة المالية هيرميس- في القاهرة، إن العجز في ميزانية الحكومة قد يزداد لتصل نسبته إلى 15% من الناتج الاقتصادي. وبلغت نسبة العجز المالي 4.5% خلال العام الماضي بعد أن بلغ ذروته عند نسبة 17% في عام 2016، وفقًا لصندوق النقد الدولي.

ماذا يقول خبراء الاقتصاد؟

يقول زياد داود: «تواجه المملكة العربية السعودية ظروفًا استثنائية، مما قد يستدعي التوقيع على تفويض كامل لحماية الاقتصاد من الأضرار الدائمة. ولن تتحدد قدرتها على تحمل الديون من خلال العجز الحاصل هذا العام، والذي يمكن أن يتضخم إذا دخلت السياسة في وضع إدارة الأزمات، ولكنها تتحدد من خلال مدى الانضباط المالي للحكومة عندما تستأنف الأوضاع الطبيعية».

وألمحت المراسلتان إلى أنه على الرغم من التوقعات المُحبِطة، يشعر العديد من السعوديين بالامتنان لاستجابة المسؤولين السريعة للجائحة. ويقول أصحاب الأعمال إن حزمة التحفيز الحكومية أنقذتهم من الانهيار. وقبل بضعة أسابيع، كان فيصل الصقر -الذي يوظِّف أكثر من 1.500 شخص في شركة توفر مراكز اتصال وحلول خدمة العملاء- على وشك تسريح الموظفين بعد تراجع العملاء. ولكن عندما أعلنت الحكومة أنها ستغطي 60% من رواتب بعض السعوديين في القطاع الخاص، علّقت شركته «اتصال إنترناشونال» عمليات تسريح الموظفين. وقال: «إن مثل هذه الإجراءات التي اتخذتها الحكومة من شأنها مساعدتنا على الأقل في الاستمرار».

وإلى الآن، يقول المسؤولون إنهم يخططون لاقتراض المزيد لسد فجوة الميزانية الآخذة في الاتساع، وأعلنوا عن تخفيضات طفيفة في الإنفاق. وقال فواز الفواز، المستشار الاقتصادي السعودي، إن الحكومة لديها احتياطيات كبيرة ونسبة ديون منخفضة بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي مقارنةً بالاقتصادات الكبرى الأخرى. وأشار إلى أنها ليست المرة الأولى التي تشهد فيها السعودية انهيارًا في أسعار النفط.

واختتمت المراسلتان التقرير بقول الفواز: «إن التقلبات الدورية لصناعة النفط ليست جديدة على صناع القرار السعودي. لقد رأوا هذه الدراما من قبل، ولذلك لديهم خبرة في التعامل معها».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد