نشرت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية تحقيقًا لمراسلها من دبي لشؤون الخليج التجارية، سيمون كير، ومحرر شؤون الشرق الأوسط من لندن، أندرو إنجلاند، تناولا فيها مساعي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لاستخدام نفوذ المملكة العربية السعودية المالي في تطوير سلسلة من المشاريع العملاقة، بهدف تحويل بلاده إلى مركز أعمال إقليمي قادر على سحب البساط من تحت أقدام إمارة دبي وإغراء الشركات المتعددة الجنسيات لنقل استثماراتها إلى المملكة.

السعودية تريد المقار الإقليمية الكبرى

يستهل المراسلان تحقيقها بالإشارة إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يقود حملة لإقناع الشركات المتعددة الجنسيات بدءًا من شركة جوجل (Google)، العاملة في مجال البرمجيات العالمية، إلى شركة سيمنز (Siemens)، أكبر شركة صناعية في أوروبا في مجالات الصناعة والطاقة والبنية التحتية، بنقل مقارها الإقليمية من إمارة دبي، التي تُعد العاصمة الاقتصادية لدولة الإمارات العربية المتحدة، إلى مدينة الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
«بلومبرج»: هل تحل السعودية محل دبي في عالم الأعمال؟

وأشار التقرير إلى أنه في إطار المبادرة، التي يُطلق عليها اسم «برنامج المقر الرئيسي»، تقدم السلطات السعودية حوافز للشركات الرائدة في قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات والخدمات المالية والنفطية للانتقال إلى الرياض، وذلك وفقًا لما أشار به المستشارون الذين يقدمون المشورة للحكومة السعودية والمديرون التنفيذيون الذين استمعوا إلى العرض التقديمي أو خطة العمل المحددة.

وتهدف المبادرة إلى تعزيز الاستثمار الأجنبي ودعم رؤية ولي العهد الطموحة لترسيخ وضع المملكة باعتبارها مركزَ أعمالٍ إقليميًّا. وقال مسؤول تنفيذي مطلع على الخطط: «إنهم يتطلعون لإغراء المقرات الإقليمية الرئيسة، وليس وحدات التشغيل، لذا فهم يريدون القيادة العليا بالأساس». وأضاف: «أعتقد أن أعيننا تتركز على الكيانات الأساسية: فنحن لاعبون جادون، ونحن أكبر سوق، ونريد أن تكون المقرات الرئيسة للشركات التي تمارس الأعمال التجارية عندنا هنا».

الرياض تنافس دبي

يلفت التقرير إلى أن الحملة تؤكد كيف تستخدم السعودية، التي تتمتع بأكبر اقتصاد في الخليج، نفوذها المالي لزيادة المنافسة مع دبي، التي تُعد المركز الإقليمي للتجارة والتمويل والسياحة، وذلك في الوقت الذي يقود فيه الأمير محمد تطوير سلسلة من المشاريع العملاقة. وفي هذا الصدد، يجدر بنا أن نذكر أن جميع الشركات الكبرى العاملة تقريبًا في منطقة الخليج الغنية بالنفط لها مقار إقليمية في دولة الإمارات. وتأتي الخطوة السعودية في الوقت الذي تعاني فيه اقتصادات الخليج بسبب جائحة فيروس كورونا المُستجد وانهيار أسعار النفط.

Embed from Getty Images

وينوِّه التقرير إلى أن الحملة اكتسبت زخمًا قبيل انعقاد مؤتمر المستثمرين السنوي التابع لصندوق الاستثمارات العامة، والمعروف بصندوق الثروة السيادية الذي يترأسه ولي العهد، والمقرر أن يبدأ في السابع والعشرين من شهر يناير (كانون الثاني) الجاري. (تأسس الصندوق سنة 1971م، ويُعد من بين أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، إذ يحتل المركز الثامن بإجمالي أصول تقدر بـ390 مليار دولار، ويختص بتمويل المشاريع ذات القيمة الاستراتيجية للاقتصاد الوطني السعودي).

وقال أحد المسؤولين التنفيذيين إنه يعتقد أن المملكة تأمل في استعراض مذكرات التفاهم مع الشركات التي وافقت مؤقتًا على الانتقال من دبي إلى الرياض لتسليط الضوء على التقدم الذي أُحرز في خطة الأمير محمد المعروفة بـ «رؤية 2030» لتحديث المملكة وإصلاح اقتصادها.

وتابع المسؤول التنفيذي قائلًا: «إنهم يتساءلون على نحو بنَّاء للغاية عن الذي يحتاجونه؟ وما نوع البيئة، والنظام البيئي، والبُنَى التحتية التي يحتاجونها لتصبح مقراتهم الرئيسة هنا». وقال مستشار يعمل في المملكة: «إن المؤتمر أشبه بشخصٍ يتعرَّف على أشخاصٍ لم تُطرق أبوابُهم بعد»، في إشارة إلى الشركات التي لم يجرِ تواصل معها.

مركز الملك عبد الله المالي

وقال مسؤولون تنفيذيون إن السعودية تريد جذب مجموعات من الشركات المتعددة الجنسية إلى مركز الملك عبد الله المالي، وهو مشروع تطوير ضخم يضم 59 ناطحة سحاب ويقع في شمال الرياض، على مساحة 1.6 مليون متر مربع، لكنه يفتقر إلى المستأجرين. وقال مستشار للحكومة السعودية اطَّلع على الخطط: «إن الأمر يتعلق بجذب مستأجرين رئيسيين دوليين إلى المركز».

وقال ثلاثة مستشارين إن الحوافز المعروضة لتحقيق هذا الهدف تتضمن تقديم إعفاء ضريبي لمدة 50 عامًا، والتنازل عن شرط حصص التوظيف المخصصة للسعوديين – والتي ثبت أنها عبء على الشركات – وتقديم ضمانات حماية ضد أي لوائح قد تصدر في المستقبل.

لكن المسؤولين التنفيذيين قالوا إن رد فعل الشركات كان فاترًا تجاه مبادرة «برنامج المقر الرئيسي» لأنها وازنت بين تداعيات نقل كبار المسؤولين التنفيذيين من دبي، التي تُعد أكثر ليبرالية وانفتاحًا ولديها بنية تحتية متطورة بما في ذلك المدارس الجيدة، وبين اضطرارهم إلى استرضاء المسؤولين السعوديين المؤثرين والنافذين. ومن ناحية أخرى، قال مستشارون ومسؤولون تنفيذيون إن الشركات تدرس مع ذلك نقل وحدات الأعمال المختلفة – إن لم يكن إدارتها الإقليمية – إلى الرياض لتهدئة المخاوف السعودية.

Embed from Getty Images

ونحَّى عديد من الشركات جانبًا أي مخاوف بشأن سمعة العمل في المملكة بعد القتل الوحشي الذي تعرَّض له الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي عام 2018 على يد عملاء سعوديين بالإضافة إلى انتهاكات أخرى في مجال حقوق الإنسان.

جائحة كورونا تعجِّل بدخول شركات البرمجيات العالمية إلى السعودية

وألمح التقرير إلى أن تطبيق جوجل كلاود (Google Cloud) اتفق الشهر الماضي مع شركة النفط الحكومية السعودية، أرامكو، على توفير البنية التحتية لها لخدمات الحوسبة السحابية، مما سيؤدي إلى افتتاح أول مكتب لشركة جوجل للتكنولوجيا في المملكة.

كما أعلنت شركة الاتصالات السعودية عن صفقة بقيمة 500 مليون دولار مع تطبيق علي بابا كلاود (Alibaba Cloud)، التي تُعد جزءًا من المجموعة الصينية، لخدمات مماثلة. واستثمرت شركة تحويل الأموال ويسترن يونيون (Western Union) ما يقدر بحوالي 200 مليون دولار مقابل حصة قدرها 15 في المئة في وحدة المحفظة المتنقلة الخاصة بشركة الاتصالات السعودية.

واختتم المراسلان تقريرهما بما قاله سام بلاتيس، الرئيس السابق لإدارة شركة جوجل الخاصة بالعلاقات الحكومية الخليجية والذي يقدم استشارات لشركات التكنولوجيا متعددة الجنسيات، في هذا الإطار: «ظل هاتفي يرن بسبب الاتصالات من شركات التكنولوجيا الفائقة التي ترغب في التوسع في السعودية في الأسابيع القليلة الماضية».

وتابع: «لقد تسبَّبت جائحة فيروس كورونا في إيجاد تربة خصبة لهم للعمل في السعودية». وقد حاولت الصحيفة الاتصال عبر البريد الإلكتروني بوزارة الاستثمار السعودية للتعليق على الأمر، لكن الأخيرة امتنعت عن التعليق، وكذلك لم ترد هيئة مدينة الرياض على طلب مماثل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد