نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تقريرًا تناول التهديدات السعودية برفع أسعار النفط في أعقاب أزمة اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي؛ إذ يذكر التقرير أن التوترات بين السعودية والولايات المتحدة تصاعدت بشدة خلال نهاية الأسبوع الماضي، بعد أن أصدرت السعودية تهديدًا مقنّعًا باستخدام سلاح النفط في حال فرضت الولايات المتحدة عقوبات على المملكة؛ بسبب اختفاء الصحافي جمال خاشقجي.

محض ثرثرة

لكنَّ معظم الخبراء قللوا من هذا الخطاب باعتباره محض ثرثرة، قائلين إنَّ السعودية ليست لديها الموقف المهيمن على سوق النفط الذي كان لها منذ عقود، ومشيرين إلى أنَّ الرياض إذا خفضت الإنتاج لتتسبب في ارتفاع الأسعار فسوف يرتد الأذى إليها بدرجة مذهلة.

وكانت الحكومة السعودية قد حذرت في بيان لها نهاية الأسبوع الماضي من أنها سوف ترد على أي إجراء بـ«إجراء أكبر منه»، مشددة على «دورها الحيوي في الاقتصاد العالمي».

وقال البيان: «تؤكد المملكة رفضها التام أي تهديدات ومحاولات للنيل منها سواء عبر التلويح بفرض عقوبات اقتصادية، أو استخدام الضغوط السياسية، أو ترديد الاتهامات الزائفة».

وكان التهديد أكثر وضوحًا في عامود صحافي بارز، يوم الأحد، لشخصية مقربة من القادة السعوديين. إذ كتب تركي الدخيل في العربية: «إذا كان سعر 80 دولارًا (للبرميل) قد أغضب الرئيس ترامب، فلا يستبعد أحد أن يقفز السعر إلى 100 و200 دولار، وربما ضعف هذا الرقم».

وقد توجه وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، يوم الاثنين، إلى السعودية ليلتقي بالملك سلمان بخصوص اختفاء خاشقجي. ومن جانبه، بدا أنَّ الرئيس دونالد ترامب قد تراجع عن بعض من اللغة القاسية التي استخدمها منذ يوم واحد فقط، قائلًا إنه تحدث مع الملك سلمان، وقد نفى الملك أي معرفة له بما حدث للصحافي المختفي. واقترح ترامب أنَّ «قتلة مارقين» قد دخلوا إلى القنصلية السعودية في تركيا بطريقة ما وقتلوا الصحافي.

وقال التقرير إنَّ السعودية إذا نفذت تهديدها المقنّع، واستخدمت ثقلها بوصفها أكبر مصدّر للنفط لتأخذ الاقتصاد العالمي رهينة؛ فسوف يكون ذلك خروجًا حادًا على دور الاستقرار الذي أدته منذ الحظر الكارثي الذي فرضته أوبك عامي 1973و1974 على الدول الغربية، احتجاجًا على دعمهم إسرائيل.

نفوذنا أكبر من نفوذكم

ومع ذلك، فإنَّ القليل من المحللين يأخذون هذا التهديد على محمل الجد. إذ قال بروس ريدل، الخبير في الشأن السعودي بمؤسسة (Brookings): «هذه خدعة. لدينا نفوذ أكثر بكثير مما لديكم».

وقال التقرير إنَّ دور السعودية بوصفها منتجًا نفطيًّا كبيرًا دور محوري الآن لترامب، مع زيادته للضغط الاقتصادي على إيران. وكانت العقوبات الأمريكية المجددة على صادرات النفط الإيرانية، التي تدخل حيز التنفيذ الشهر المقبل، قد أدت بالفعل إلى نقص في إمدادات النفط العالمية، وارتفاع مطرد في الأسعار. وكانت الرياض، مع منتجين كبار آخرين مثل روسيا، قد وعدت بزيادة إنتاجها من النفط هذا الخريف لمنع أسعار النفط الخام من الزيادة عن مستوياتها الحالية المرتفعة بالفعل.

وقال ديفيد جولدوين، رئيس شركة (Goldwyn Global Strategies) للاستشارات في مجال الطاقة، إنَّ السعودية إذا حاولت الانتقام ردًّا على أية عقوبات أمريكية بتخفيض إنتاج النفط؛ فسوف يكون ذلك التصرف «مضرًا لها بشكل كبير، ومن المحتمل أن يكون غير فعال».

وقال جولدوين: إنَّ أي انخفاض في الصادرات السعودية لن يؤدي إلا إلى دفع العملاء في آسيا وأوروبا لتسريع انتقالهم إلى أنماط أخرى من الطاقة. كما أنَّ رفع الأسعار في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة الضغط على إيران سوف يقوض أولوية سعودية أمنية.

ذعر في المملكة

وقال جولدوين، الذي كان من كبار مسؤولي الطاقة بوزارة الخارجية في إدارة أوباما: «لا أعتقد أنَّ الأمر يشكل تحولًا في السياسة، وإنما مجرد سوء تقدير. ثمة ذعر في المملكة».

وقال جولدوين: إنَّ القادة السعوديين قد اندهشوا على وجه التحديد من تهديدات ترامب يوم الأحد بـ«عقوبة شديدة» في حال كشفت التحقيقات في اختفاء خاشقجي عن تورطهم. وقال جولدوين: «كانت تلك صفعة قاسية تلقاها السعوديون من الرئيس، لذا فقد ذكّروا الرئيس بأهمية السعودية للسوق العالمية».

وكان خاشقجي قد دخل القنصلية السعودية في إسطنبول في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) ولم يُر منذ ذلك الوقت. وتقول السلطات التركية إنه قتل في القنصلية.

وقد حاول وزير الطاقة السعودي، خالد الفالح، يوم الاثنين، بعد ساعات فحسب من التهديدات السعودية، طمأنة السوق. فقال في خطاب له بالهند: إنَّ بلاده سوف تواصل العمل بصفتها «ممتصة للصدمات» في السوق العالمية، وتعهد بإبقاء حصول الاقتصاد العالمي على كفايته من النفط.

وقال ماثيو رييد، نائب رئيس شركة Foreign Reporters، وهي شركة استشارية في مجال الطاقة: «ليس ثمة علامة حتى الآن على تحول في السياسة النفطية للسعودية». وأضاف رييد: «لا يمكنني تخيل السعوديين يديرون ارتفاعًا في الأسعار في وقت مشاعر السوق فيه شديدة الهشاشة، وما تزال الحقائق محل نزاع، وليس من الوضح حتى الآن ماهية الرد الأمريكي النهائي. إنَّ التسبب في ركود عالمي لا يخدم مصالحهم».

علاقة في خطر

وقال التقرير إنَّ مجرد التلويح بسلاح النفط بصفته طريقة محتملة لإلحاق الأذى بالولايات المتحدة، يبرز تغير العلاقة بين الرياض وواشنطن. كان البلدان قد أقاما علاقة استراتيجية، منذ الحرب العالمية الثانية، أمدت بموجبها السعودية العالم بكفايته من النفط في مقابل التأمين الأمريكي، وذلك باستثناءات نادرة مثل الحظر الذي وقع فترة السبعينات.

لكن مع ظهور منتجي النفط الكبار الآخرين خلال العقد الماضي، لا سيما الولايات المتحدة ذاتها، فقد تناقصت الأهمية النسبية للسعودية بوصفها مزودًا للنفط. ما تزال السعودية تنتج نفطاً أكثر من أي بلد آخر من بلدان الأوبك، لكن ليست لديها القدرة ذاتها التي كانت لها في السابق لتوفير الاستقرار للسوق العالمية الأكبر بكثير. وفي الوقت ذاته زاد إنتاج النفط الأمريكي، وتناقصت الواردات (بما في ذلك الواردات من السعودية).

وقال جولدوين: «إنَّ العلاقة في خطر. فنحن لم نعد بحاجة لبعضنا البعض كما كنا في السابق».

بالنسبة لترامب، فإنَّ منع القطيعة مع السعودية متعلق بصفقات السلاح أكثر من الحفاظ على العلاقة الممتدة عقودًا بين البلدين، أو حتى دعم كتلة معادية لإيران في الشرق الأوسط. وقد شدد ترامب مرارًا على رغبته في إتمام صفقات السلاح بقيمة 110 مليارات دولار التي أبرمها في رحلته إلى السعودية العام الماضي.

وقال جيمس سميث، السفير الأمريكي في السعودية بين عامي 2009 و2013: «كانت لدينا علاقة استراتيجية مع السعودية، لكنَّ العلاقة أصبحت علاقة معاملات. رأينا العلاقة تذهب إلى هذا الطريق في إدارة أوباما، أما الآن فمن الواضح أنها أصبحت كذلك».

وقال سميث إنه بالنظر إلى تركيز ترامب على صفقات السلاح المعلقة، فإنَّ «هذه الإدارة سوف تبحث عن مخرج للسعوديين من هذا المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!