نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا لمراسلها ديفيد دي كيركباتريك، ساهم في إعداده الكاتب الصحفي إريك شميت، أوضحا فيه أن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، على ما يبدو يتجنب لفت الأنظار إليه، بعد أن احتجز أعضاءً بارزين في العائلة المالكة، وبدأ يخوض غمار حرب تتعلق بأسعار النفط.

العالم والاقتصاد

منذ 7 شهور
«بلومبرج»: بوتين يتخلى عن ابن سلمان ويعلن الحرب على النفط الأمريكي

وفي مستهل تقريره، ذكر المراسل أنه: «أولًا، أمر محمد بن سلمان باحتجاز أربعة على الأقل من كبار الأعضاء في العائلة المالكة. وفي اليوم التالي، أقحم المملكة العربية السعودية في حربٍ مع روسيا على أسعار النفط، مما أدَّى إلى تدهور أسواق الطاقة، وأسواق الأوراق المالية في جميع أنحاء العالم. 

لفترة من الوقت، بدا أن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، يسعى لتبييض سمعته، وتحويل الأنظار عن العدوان الخطير. وربما لأنه وجد نفسه ملاحَقًا بردود الفعل على ارتباطه بمقتل الصحافي المعارض جمال خاشقجي، سعى ولي العهد البالغ من العمر 34 عامًا لعدم لفت الأنظار إليه لأكثر من عام».

مغامر ذو قرارات متهورة

وأوضح المراسل قائلًا: «والآن، تُعيد محاولاته الجديدة لاستعراض القوة، إحياء المناقشات في العواصم الغربية، حول ما إذا كان متهورًا للغاية، لدرجة أنه لا يمكن الوثوق به شريكًا؛ إذ أدَّى تخفيضه الحاد المفاجئ لأسعار النفط إلى زعزعة أركان الاقتصاد العالمي، الذي يواجه بالفعل خطر الانزلاق إلى حالة ركود، مما يهدد باستنزاف الاحتياطيات النقدية للمملكة العربية السعودية، وتقويض وعوده التي تتسم بالمبالغة بجذب استثمارات جديدة لتقليل اعتماد المملكة على النفط.

وقال جريج برو، باحث في شؤون المنطقة، وزميل في جامعة ساوثرن ميثوديست: «إنه الدمار المتبادل المؤكد لأي اقتصاد مُصدِّر للنفط، لا سيما المملكة العربية السعودية وروسيا، وربما الولايات المتحدة كذلك». وأضاف مستدركًا: «ولكن هذا هو «إم بي إس»، مشيرًا إلى ولي العهد بالأحرف الأولى من اسمه، النموذجي كما عهدناه، أليس كذلك؟ إنه يجازف باقتحام غمار المخاطر، ويميل إلى اتخاذ قرارات تتسم بالتهور والاندفاع».

ولفت التقرير إلى أن: «المسؤولين السعوديين لم يعترفوا باحتجاز أفراد بارزين من العائلة المالكة، الأمر الذي بدأ يتسرب إلى العلن يوم الجمعة، ولم يقدموا أي تفسير لذلك. وفي السابق، كان الأميران المحتجزان – الأمير أحمد بن عبد العزيز، الشقيق الأصغر للملك سلمان الطاعن في السن ووالد ولي العهد، والأمير محمد بن نايف، ولي العهد ووزير الداخلية السابق – يُعدَّان منافسَيْن محتملَيْن على السلطة. وأثار اعتقالهما تكهنات مثيرة للقلق بين أفراد العائلة المالكة، المجبرين على الإذعان، بأن ولي العهد الأمير محمد قد يسعى لتهميش خصومه استعدادًا للاستيلاء على العرش من والده، البالغ من العمر 84 عامًا، والذي بدا أحيانًا أنه كثير النسيان، أو مشوشًا».

شخصية صعبة المراس

واستدرك المراسل بأنه «على الرغم من ذلك، أصر المقربون من الديوان الملكي السعودي، على أن ولي العهد لم يكن ليوجه هذه الضربة إلى عمه وابن عمه لولا حديثهما الناقد له. لذلك أراد أن يلقِّن بقية العائلة درسًا. وقال ستيفن هيرتوج، الباحث في كلية لندن للاقتصاد: «ساد الهدوء الأجواء لفترة من الوقت، وكان الناس يتساءلون عما إذا كان محمد بن سلمان قد نضج وأصبح أكثر هدوءًا. لكن من الواضح أن شخصيته ما تزال صعبة المراس كما كانت».

وخفَّض الأمير محمد أسعار النفط لمعاقبة روسيا، التي حمَّلها مسؤولية إخفاق التعاون من أجل خفض الإنتاج ودعم الأسعار. وكان التباطؤ الناجم عن فيروس كورونا يقلل الطلب على النفط بالفعل. وقال البروفيسور هيرتوج: «لجأ الروس إلى أسلوب المراوغة (تحدّوا التهديد لأنهم يستبعدون تنفيذه)، والآن يحاول السعوديون أن يوضحوا لهم ما هي تكلفة عدم التعاون. لكن بالنسبة للمملكة العربية السعودية، «إنها لعبة صراع الديوك المحفوفة بالمخاطر».

وخسائر المملكة العربية السعودية ستكون أكبر بكثير من خسائر روسيا؛ إذ تمتلك روسيا مصادر إيرادات أكثر تنوعًا، وقد عززت من احتياطياتها منذ الانخفاض الأخير في أسعار النفط. وعلى الجانب الآخر، ما تزال المملكة العربية السعودية تعتمد اعتمادًا كبيرًا على النفط. والأهم من ذلك، أن احتياطياتها النقدية ظلت ثابتة منذ حوالي أربع سنوات عند 500 مليار دولار تقريبًا، وبهذا انخفضت كثيرًا عن ذروتها التي وصلت إليها في صيف عام 2014؛ عندما بلغت حوالي 740 مليار دولار».

وأشار التقرير إلى أن: «المحللين يقولون إن المملكة تحتاج إلى الوصول إلى ما يُسمى بسعر التعادل البالغ 80 دولارًا تقريبًا للبرميل؛ للوفاء بمتطلبات ميزانيتها دون اللجوء إلى تخفيض احتياطياتها النقدية، أو اعتماد تدابير تقشفية مؤلمة. ولكن سعر النفط انخفض يوم الاثنين إلى حوالي 35 دولارًا للبرميل؛ أي إلى أقل من نصف سعر التعادل. وأوضح البروفيسور هيرتوج أن التراجع الذي دام لما يصل إلى عامين قد يؤدي إلى تقليل هذه الاحتياطيات بشدة، لدرجة تكفي لتأزيم الأوضاع بالنسبة لسعر الصرف السعودي، وكذلك خطط تنويع الاقتصاد.

وتركزت خطة ولي العهد الاقتصادية للبلاد على طرح أسهم شركة النفط الحكومية السعودية (أرامكو) للاكتتاب العام؛ من أجل جمع الأموال للاستثمار في قطاعات أخرى. لكن جرى التراجع عن خطط الطرح الأوَّلي في السوق الدولية الكبرى لصالح طرح الاكتتاب في السوق المالية السعودية الأكثر تساهلًا، وعلى مدار اليومين الماضيين أدى انخفاض أسعار النفط إلى انخفاض الأسهم بنسبة 20%، مما قلل من قيمة الشركة بمقدار 320 مليار دولار».

التهديد الأكبر

وألمح المراسل إلى أن: «توقيت حرب الأسعار التي اندلعت بعد فترة وجيزة من احتجاز ولي العهد لأقاربه من العائلة المالكة يوم الجمعة، قد أثار تكهنات بأنه يسعى لاحتواء المعارضين المحتملين؛ تحسبًا لحدوث أي مشكلات. وربما أراد أن يكون له السَبْق ليغلق الباب أمام أي خصوم، قبل أن تؤدي الأوجاع الاقتصادية الناجمة عن الركود إلى إضعافه سياسيًّا، كما أشار البعض.

وقال كريستين سميث ديوان، الباحث في معهد دول الخليج في واشنطن: «إن التهديد الذي يواجه محمد بن سلمان لا يأتي من منافسيه من العائلة المالكة. لكنه يأتي من انهيار عائدات النفط، وكيف يؤثر ذلك في خططه الاقتصادية الطموحة». لكن محللين آخرين، ودبلوماسيين ومسؤولين سابقين من ذوي الخبرة في شؤون المملكة العربية السعودية، وسعوديين مقربين من الديوان الملكي، قالوا إن الأمير محمد عزز سلطته تعزيزًا كاملًا لدرجة أنه لم يتبقَ شيء ليخاف منه إلا قليل.

شخصيات ملكية بارزة

وذكر المراسل أنه: «بهذا المستوى من القسوة، الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ السعودي الحديث، أصبح لولي العهد سلطة مباشرة على المملكة على نحوٍ أكبر من أي ملكٍ آخر منذ عقود، وجاء ذلك إلى حد كبير من خلال تخويفه لعائلته الحاكمة المترامية الأطراف، وإجبارها على الإذعان له.

وحتى في حالة حدوث ركود حاد، لم يعد لدى أفراد العائلة المالكة المحتجزين أمل كبير في تحديه؛ إذ وضع أفراد العائلة المالكة تحت مراقبة مشددة بالفعل، مما حدَّ من قدرتهم على التآمر ضده، وفقًا لأشخاص مقربين من الديوان الملكي. ولم يرُّد المتحدث باسم الحكومة السعودية على طلب للتعليق على الأحداث يوم الاثنين. 

وكان الشخص الأرفع مقامًا بين المحتجزين، وهو الأمير أحمد بن عبد العزيز، البالغ من العمر أكثر من 70 عامًا، قد أدلى بتصريحات مسجلة ذات مرة في العاصمة لندن، لينأى من خلالها بنفسه عن سياسات ولي العهد، ولكنه بدا منذ ذلك الحين مذعنًا، على الأقل في العلن.

والشخصية الملكية البارزة الأخرى من بين المحتجزين هو الأمير محمد بن نايف، والذي وُضِع قيد الإقامة الجبرية بالفعل منذ عام 2017، بعدما عُزل من مناصبه، كولي للعهد ووزير للداخلية، على يد ولي العهد الحالي. وأفاد دبلوماسيون سابقون بأن الحكام السعوديين السابقين ربما كانوا يقدمون نوعًا من التحذير المسبق لواشنطن ولندن، قبل إجراء مثل هذه الاعتقالات لشخصيات بارزة.

وكان ولي العهد الأمير محمد قد التقى في الرياض الأسبوع الماضي بوزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، والتقى في الشهر الماضي بوزير الخارجية مايك بومبيو. ومع ذلك، لم يُقدِّم ولي العهد أي إشارة إلى أن الاعتقالات باتت وشيكة، وفقًا للدبلوماسيين وغيرهم من المسؤولين المطَّلعين على الأمر. 

ويقول إميل حكيم، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: «إن المسؤولين الغربيين يشعرون بالقلق إزاء «المخاطر المتعلقة بالسمعة» والمترتبة على الارتباط بهذا القائد الذي لا يمكن التنبؤ بأفعاله. ومع ذلك، لم يواجه الأمير محمد حتى الآن عواقب وخيمة بسبب أفعاله إلا قليلًا».

الأمير الشاب لم ينضج بعد

ونوَّه التقرير إلى أن محمد بن سلمان: «قاد تدخلًا عسكريًّا على مدار خمس سنوات في اليمن نتجت منه كارثة إنسانية. واحتجز المئات من أقاربه من العائلة المالكة ومن السعوديين الأثرياء الآخرين في فندق ريتز كارلتون في عام 2017؛ للضغط عليهم لإعادة الأموال التي ادَّعى أنهم جمعوها بطرق غير شرعية. كما اختطف رئيس وزراء لبنان مؤقتًا، وأجبره على إعلان استقالته (تراجع عنها رئيس الوزراء لاحقًا).

وخلُصَت وكالات الاستخبارات الأمريكية إلى أن الأمير محمد أمر في عام 2018 بقتل جمال خاشقجي، المعارض والكاتب السعودي في صحيفة واشنطن بوست، والذي كان يعيش في ولاية فرجينيا.

قطر

ومنذ ذلك الحين، رأى بعض المحللين أمارات النضج عليه، لا سيما انسحابه من صدام مسلح محتمل مع خصمه، إيران، العام الماضي. وفي اجتماع عُقِد في الصيف الماضي في اليابان مع قادة دول أكبر 20 اقتصادًا في العالم (مجموعة العشرين)، رُحِّب بالأمير محمد كرجل دولة صديق، وسعى بدوره لاستضافة القمة المقبلة للمجموعة هذا الخريف في الرياض.

ووصفه ترامب قائلًا إنه «صديقي». وأشاد الرئيس به قائلًا: «لقد أدَّيت عملًا رائعًا». وعندما هز ولي العهد أركان الأسواق العالمية يوم الاثنين، أكد السيد ترامب الجانب الإيجابي. وغرَّد على موقع تويتر قائلًا: «إنه أمر جيد بالنسبة للمستهلك أن تنخفض أسعار البنزين»!

واختتم المراسل تقريره بما قاله أندرو ميلر، باحث في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط ومسؤول سابق في وزارة الخارجية: إن «الاعتقالات وحرب الأسعار ترتبطان فقط بشخص محمد بن سلمان وحده». وأضاف ميلر: «على عكس ما قاله كثيرون سابقًا، لم يتعلم أي دروس، ولم يصل إلى مرحلة النضج بعد. بل استخلص دروسًا معاكسة، بأنه فوق القانون، لأن المملكة العربية السعودية مهمة جدًّا لحلفائها الغربيين، لدرجة أنه سيكون موضع ترحيب دائمًا عند العودة إلى الحظيرة».

دولي

منذ 7 شهور
«واشنطن بوست»: ترامب مسؤول عن تراجع الديمقراطية في كثير من دول العالم

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد