في مقاله لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، تناول الكاتب تسفي بارئيل التحول الأخير في الوضع السياسي الإقليمي في الشرق الأوسط مع وصول دونالد ترامب إلى الحكم، وحلمه الكبير بتحقيق السلام بين إسرائيل وفلسطين، ويتناول ذلك في ضوء التقارير التي تتحدث عن احتمالات وجود تعاون خليجي مع ترامب حول هذا الشأن.

بحسب المقال، خيم الصمت على وسائل الإعلام العربية بعد تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية يتحدث عن خطة خليجية لتحسين العلاقات مع إسرائيل جزئيًا، إذ لم يظهر رد رسمي من السعودية أو من دول الخليج الأخرى على التقرير، وفضلوا تجاهل التقرير بشكل كامل. المتحدثون الرسميون باسم الحكومة الإسرائيلية لم ينطقوا بكلمة أيضًا في مشهد غريب.

رد فعل مختلف

يؤكد الكاتب أن رد الفعل هذه المرة كان مختلفًا، إذ أنه في حالة الوقائع المماثلة في السابق دائمًا ما خرج متحدث رسمي من الجانبين على حد سواء لنفي التقرير، إلا أن هذه المرة لم ينكر أحدهم حتى ما جاء في التقرير، وهو ما يؤكد وجود أساس قوي لصحة ما طرح به، على الأقل بين السعودية والإمارات والولايات المتحدة.

الثلاثاء الماضي، ظهرت تفاصيل جديدة خلال المحادثات بين ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال لقائهما في واشنطن، بعدما عقد ترامب لقاء من قبل مع محمد بن سلمان، ولي ولي العهد السعودية الشاب، والذي تصفه الصحيفة الإسرائيلية بالحاكم الفعلي للسعودية.

ترتكز الأُسس الثلاثة للاتفاق الجديد على منح تصاريح للشركات الإسرائيلية لفتح فروع لها في دول الخليج، وتمكين الطيران الإسرائيلي من التحليق في المجال الجوي الإماراتي، بالإضافة إلى إمكانية تركيب خطوط هاتفية مباشرة بين البلدين.

وما زالت هذه المرحلة تمثل جزءًا محدودًا من التطبيع الكامل الذي ذُكِر ضمن مبادرة السلام العربية عام 2002، وتفصيله الذي جاء في القمة العربية في الأردن في أبريل (نيسان) الماضي.

يقول الكاتب أنه مع ذلك، إذا جاء تأكيد من الرياض حول هذه المبادرة، فالأمر يستحق أن يوصف بـ«التاريخي»، نظرًا لأنه وللمرة الأولى لا يعد الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة مطلبًا أساسيًا لعودة العلاقات العربية الإسرائيلية وإنهاء الصراع، ويرى الكاتب في هذه المقترحات خارطة طريق مكونة من خطوات، وأن الخطوة الأولى من الجانب الإسرائيلي هي التعهد بتجميد البناء على الأراضي المحتلة.

بحسب المقال، فإن الجديد أيضًا في تلك المبادرة أن دول الخليج ستترجم هذه الخطة إلى لغة يمكن للشارع الإسرائيلي فهمها، ما سيضع الكثير من الضغط المحلي والدولي على الحكومة الإسرائيلية في حال قررت رفض المبادرة. وهنا يظهر السؤال، هل تحقق هذه الطريقة حلم ترامب بتحقيق السلام بين إسرائيل وفلسطين، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا قررت دول الخليج التعاون في ذلك الآن؟

اقرأ أيضًا: «بوليتيكو»: هل ستساعد وثيقة حماس في إنجاح مفاوضات ترامب وعباس؟

قواسم مشتركة بين العرب وإسرائيل

يضيف بارئيل أن أغلب قادة الدول العربية لديهم قواسم مشتركة مع اليمين الإسرائيلي، فكلا الجانبين يرى في ترامب هواءً جديدًا نقيًا بعد فترة أوباما، كما يشتركون في رغبتهم في كبح النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، في الوقت الذي لا تملك فيه إسرائيل أو دول الخليج قوة عظمى حليفة أخرى سوى الولايات المتحدة.

يرى الكاتب أيضًا أن المخاوف من انهيار العلاقة الخليجية الأمريكية، وخاصة السعودية، والتي بُنِيت على مدار عقود طويلة، أدت في نهاية المطاف إلى نتيجة مفادها أن هناك ضرورة قصوى لتوطيد العلاقات مع الرئيس الأمريكي الجديد، والذي ربما يكره المسلمين، إلا أنه يفهم لغة المصالح المشتركة.

سيوقع ترامب والملك سلمان على اتفاقيتين تبلغ قيمتهما مئات المليارات من
الدولارات، أحدهما هي صفقة أسلحة ضخمة تبلغ قيمتها 100 مليار دولار، مع
احتمالات رفعها إلى 300 مليار على مدار الـ10 سنوات القادمة، والثانية هي
استثمار سعودي في البنية التحتية الأمريكية بقيمة 40 مليار دولار.

لهذا السبب، دُعِي ترامب لثلاثة قمم مختلفة، أحدها مع ملك السعودية، وأخرى مع قادة دول الخليج، وثالثة مع زعماء الدول السنية، والتي سيلقي فيها خطابًا إلى «العالم الإسلامي». سيكون من المثير مقارنة خطاب ترامب إلى العالم الإسلامي بخطاب ترامب الشهير في القاهرة عام 2009، والذي تعهد فيه بالتعاون مع الدول الإسلامية بعد فتور في العلاقات خلال فترة الرئيس الأسبق جورج بوش.

وبحسب المقال، سيوقع ترامب والملك سلمان على اتفاقيتين تبلغ قيمتهما مئات المليارات من الدولارات، أحدهما هي صفقة أسلحة ضخمة تبلغ قيمتها 100 مليار دولار، مع احتمالات رفعها إلى 300 مليار على مدار الـ10 سنوات القادمة، والثانية هي استثمار سعودي في البنية التحتية الأمريكية بقيمة 40 مليار دولار. يضاف إلى ذلك اتفاقية دفاع جديدة تُوقع بين واشنطن والإمارات.

اقرأ أيضًا: أموال الخليج في أمريكا.. «إتاوات» مفروضة أم استثمارات مشروعة؟

السعودية تقود

يقول الكاتب إن دول الخليج اعتادت في السابق الانضمام لمبادرات عربية غالبًا ما كان مصدرها مصر، وأن المبادرة السعودية في 2002 كانت استثنائية في ذلك السياق، إلا أنها غرقت في بحر من الاعتراضات الإسرائيلية، ما قاد السعودية إلى مزيد من التركيز على العمل في المبادرات المحلية، مثل الصلح بين حماس وفتح، أو محاولاتها للتدخل في السياسة الداخلية اللبنانية.

ويضيف بارئيل أن الملك سلمان، ونجله على وجه الخصوص، أصبحا يمثلان لاعبين أساسيين على الساحة السياسية، حتى وإن لم يحالفهما النجاح دائمًا، ويدلل على ذلك بحرب اليمن التي وصفها بالفاشلة، بالإضافة إلى ضعف الرؤية في التعامل مع الأزمة السورية، إلا أنهم يسعون حاليًا إلى توجيه الدفة نحو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وجود علاقات خليجية إسرائيلية بشكل جزئي أو كامل ليس ملزمًا للدول العربية
الأخرى، ولكنها ستحدد المسؤول عن عملية السلام المعطلة منذ زمن طويل

ويرى بارئيل أن الميزة الأساسية في خطوات السعودية ودول الخليج أنها لا تحتاج إلى اتفاق عربي شامل لتتحرك، إذ عُلقت عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، بينما تعتبر العراق حليفًا لإيران، وفي الوقت الذي تسقط فيه كلًا من ليبيا واليمن في شبح الحرب الأهلية. في المقابل، تتلقى مصر والأردن وبعض دول المغرب دعمًا سعوديًا، ما يعني في النهاية اتساق المواقف السياسية.

بالتالي، وجود علاقات خليجية إسرائيلية بشكل جزئي أو كامل ليس ملزمًا للدول العربية الأخرى، ولكنها ستحدد المسؤول عن عملية السلام المعطلة منذ زمن طويل إذا لم تأتِ تلك المبادرة من الأرض، وإذا جدد الإسرائيليون والفلسطينيون المفاوضات بشأن القضايا الأساسية، يمكن أن يؤثر ذلك التطبيع بشكل إيجابي في سير الأمور.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك