في يناير الماضي، اعتلى الملك سلمان عرش المملكة العربية السعودية ونصَّب ابنه الأمير محمد بن سلمان وزيرًا للدفاع. الوزير البالغ من العمر 34 عامًا، حاصل على درجة البكالوريوس في القانون من جامعة الملك سعود. في مارس الماضي، أطلقت السعودية حملة عسكرية ضد جارتها اليمن لاحتواء قوة المتمردين الحوثيين حلفاء إيران، البلد المنافس للسعودية.

أشرف ابن سلمان على الطيارين السعوديين الذين حلَّقوا بطائرات متقدمة أمريكية الصنع، والتي وفقًا لمنظمة هيومان رايتس ووتش، ألقت قنابل عنقودية أمريكية الصنع أيضًا. منذ بداية الحملة، أفضت الضربات الجوية التي تقودها السعودية إلى قتل المئات من المدنيين اليمنيين في المدارس والمنازل ومخيم اللاجئين. من جانبهم، وسّع الحوثيون من سيطرتهم على مناطق في اليمن منذ بدء القصف.

حرب بن سلمان هي بداية مشئومة للعهد الجديد للعائلة المالكة. فالمملكة لم تشهد هذا النوع من الهزة السياسية منذ عام 1975، عندما اغتال فيصل بن مساعد، وهو طالب فاشل في جامعة كلورادو؛ عمه الملك فيصل.

بعد صدمة وفاة الملك فيصل، الذي كان مجددًا اقتصاديًا، مر العرش السعودي أفقيًا بين الأشقاء نصف المسنين، الذين حكموا بدورهم بحذر. ولم يكن هناك رؤية واضحة للكيفية التي ستنتقل بها السلطة بين الأجيال الشابة.

الملك سلمان، البالغ من العمر 79 عامًا، حلَّ بجرأة هذا السؤال في وقت سابق من هذا العام من خلال تسمية ابن شقيقه وزير الداخلية، الأمير محمد بن نايف، البالغ من العمر 55 عامًا؛ وليًا للعهد، بينما تمت تسمية الأمير محمد بن سلمان وليًا لولي العهد. خطة من شأنها أن تعزز من نفوذ السديريين، أحد أفرع العائلة الملكة.

يأتي تصعيد الأمراء الجدد في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية السعودية نوعًا من القطيعة غير المعتادة. الأسبوع الماضي وفي اللحظات الأخيرة، رفض الملك السعودي حضور قمة كامب ديفيد، التي جمعت بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما ودول مجلس التعاون الخليجي لمناقشة التعاون الأمني. وبدلًا من ذلك، أرسل العاهل السعودي ابن أخيه وابنه عوضًا عنه في خطوة تعكس القلق السعودي من سير المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران.

منذ فترة بعيدة، تتنافس كل من إيران والمملكة العربية السعودية على النفوذ الإقليمي، سرًا أحيانًا وعلانية أحيانًا أخرى. وفي حال توصل أوباما إلى اتفاق للحد من البرنامج النووي الإيراني، فربما يساهم ذلك في رفع العقوبات الاقتصادية على طهران، فضلًا عن إنعاش خزائنها المتهاوية وتوسيع نطاق مناورتها الإقليمية.

وبينما تعتمد إيران في تعزيز قوتها في الشرق الأوسط على حلفائها الشيعة، بما في ذلك حزب الله في لبنان والمليشيات الطائفية في العراق، ترى السعودية نفسها الخصم الفاعل لإيران، نيابة عن الدول السنية والمقاتلين السنة، بما في ذلك المقاتلين في العراق وسوريا. تنظرالعائلة المالكة في السعودية إلى الاتفاق النووي الأمريكي مع طهران، كما يقول الأمير ترك بن فيصل، باعتباره «تحولًا تاريخيًا نحو طهران».

من جانبه، يرى أوباما بأن صفقة مع إيران لن تعرِّض المملكة العربية السعودية للخطر، ويمكن أن تساعد في تحقيق الاستقرار في المنطقة عن طريق منع سباق التسلح النووي. الإدارة الأمريكية كانت قد عقدت اجتماعًا في كامب ديفيد لتعزيز حجتها بشأن الاتفاق مع إيران.

على النقيض من الرؤساء الأمريكيين السابقين، وجه أوباما انتقادات علنية للسعودية خلال حوار أجراه مع الكاتب توماس فريدمان ونشرته صحيفة نيويورك تايمز في شهر أبريل الماضي. الرئيس الأمريكي قال بأن المملكة العربية السعودية وجيرانها عليهم الاعتراف بأن “أكبر التهديدات التي يواجهونها لا تأتي من إيران، وإنما من مشاعر عدم الرضا في بلدانهم” وبحسب ما ذكره أوباما، فإن نفور السكان وبطالة الشباب والأيديولوجيات الهدامة تمثل بعضًا من مصادر الاضطرابات المحتملة بتلك الدول.

تعكس تحذيرات أوباما وجهة نظره التي ترى أن العائلة المالكة في السعودية أخطأت في قراءة التحذيرات التي أطلقتها ثورات الربيع العربي التي اندلعت في بدايات عام 2011. هم فشلوا في إجراء الإصلاحات بعيدة المدى على الصعيد السياسي والتعليمي في الداخل، ناهيك عن أنهم لم يتمكنوا من فهم لماذا سمح أوباما للمليشيات الإيرانية بدعم الديكتاتور السوري بشار الأسد، أو لماذا لم يتحرك الرئيس الأمريكي لوقف الحرب الأهلية السورية. تلك الحرب التي خلّفت أزمة إنسانية بالبلاد عانت منها كافة الطوائف السورية، وفي مقدمتها الغالبية السنية.

أوباما محق في الضغط على السعوديين من أجل زيادة المشاركة السياسية ووضع حد للدور الذي تلعبه أيديولوجيتها في إثارة التطرف والتعصب داخل المملكة وخارجها.

ومع ذلك، تفشل دائمًا التوقعات بسقوط آل سعود. سكان المملكة معظمهم من الشباب الذي تلقَّى تعليمًا مُكثفًا في العلوم الشرعية بينما يُخفق في تعلم المهارات التي يتطلَّبها الاقتصاد الحديث، غير أنهم متصلون بوسائل الإعلام الدولية، بما في ذلك بروباجندا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)؛ قد تندلع الثورة بالتأكيد من هذا المرجل.

غير أن العائلة المالكة في السعودية تلعب دورًا مرنًا في تقديم الرعاية للمواطنين؛ وبالنسبة إلى المتدينين من السعوديين، على الأقل، ما تزال الأحوال الاقتصادية والسياسية مريحةً في بلادهم.

وفقًا لمقاييس العمر المتوقعة، ودخل الفرد من الناتج القومي، وغيرها من مؤشرات الرفاهية التي شملها مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية، تحتل المملكة العربية السعودية المركز الرابع والثلاثين في قائمة الدول الأكثر تطورًا في العالم، متقدمة على بولندا والبرتغال. هذا بالإضافة إلى احتياطي نقدي يتجاوز 700 مليار دولار تتكئ عليه المملكة لمعالجة مظالم الشباب من خلال توفير وظائف الخدمة المدنية وتقديم الدعم.

إن التحالف الأمريكي السعودي هو صفقة لإثراء الذات بين النخب في البلدين، وهو تحالف يستمر من دون أن يكون هناك تفاهم أو تعاطف بين جماهيرهم. المصرفيون في وول ستريت يطيرون إلى الرياض بشكل منتظم، سعيًا وراء الحصول على الدعم النقدي لصناديق الأسهم الخاصة وصناديق التحوط.

وليس ذلك فحسب، بل إن مصنعي الأسلحة الأمريكيين يستفيدون من القلق السعودي تجاه إيران عن طريق بيع طائرات للمملكة، وصواريخ، وأنظمة رادار ومعدات للتجسس. في أكتوبر الماضي، أعلنت الإدارة الأمريكية عن صفقة صواريخ أخرى كبيرة مع المملكة بقيمة بلغت 1.75 مليار دولار.

السعودية من جانبها تشتري الطائرات الأمريكية من طراز F18 لحماية الغنائم التي تمثلها أحواض ضخمة من النفط، والتي تتمركز في منطقة تقترب على ما يبدو من حرب عنيفة طويلة الأمد.

وأخيرًا، لا تُظهر السعودية أي إشارة على استعدادها لاحتضان القيم الديمقراطية أو أن تغدو أقل طائفية، ولكن، لتأمين وعود الحماية من أقوى جيش في العالم، فإنها على الأرجح ستستوعب القواعد الأمريكية ومبيعات الأسلحة، إلى حد ما. في الوقت الراهن، لا يزال التحالف الأمريكي السعودي بمثابة اتفاق غريب من التواطؤ المتبادل، والنفاق الممتعض.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد