إن مصير إحدى أكبر الدول المنتجة للنفط قد يعتمد على استثمارها في الطاقة المتجددة.

يقوم الأمير تركي بن سعود بن محمد آل سعود الآن بالتحضير لما قد يجعل المملكة العربية السعودية من أكبر المستثمرين في الطاقة الشمسية في العالم. فالحكومة تستعد لإنشاء مصنع ألواح شمسية بالقرب من الرياض، بينما يبدأ مصنع آخر على ساحل الخليج العربي في إنتاج البوليسيليكون Polisilicon وهي مادة تستخدم في صناعة الخلايا الشمسية. أما في العام القادم، فتعتزم الشركتان المملوكتان للدولة اللتان تسيطران على قطاع الطاقة في المملكة، أرامكو والسعودية للكهرباء، تعتزمان إطلاق 10 مشروعات طاقة شمسية في أنحاء البلاد.

يرأس الأمير تركي هيئتين سعوديتين تدفعان بقوة في اتجاه دعم الطاقة الشمسية: مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا وشركة “تقنية” المملوكة للدولة والتي لها عدة استثمارات في مجال الطاقة المتجددة. ويقول الأمير تركي:

“لدينا اهتمام واضح بالطاقة الشمسية وسنقوم بالتوسع في هذا المجال بقوة في الأيام القادمة.”

يبدو هذا الحديث ثوريا في المملكة السعودية، فالحكومة توفر الوقود والكهرباء للناس بأسعار زهيدة، مما يفسر امتلاء الشوارع بسيارات فارهة عالية الاستهلاك، وترك الناس لمكيفات الهواء تعمل ليل نهار حتى وهم خارج المنزل.

 

 

إن التوسع العمراني في السعودية ينمو بصورة سريعة، فقد كان تعداد مدينة الرياض في الستينيات 155 ألف نسمة، بينما يبلغ الآن أكثر من 5 ملايين.

تقوم المملكة بتوليد الكهرباء عن طريق حرق الوقود السائل، وهو الأمر الذي تخلت عنه معظم الدول لتوفير الوقود السائل لوسائل النقل. وبالرغم من أن تعداد سكان المملكة لا يتعدى الثلاثين مليونا، إلا أنها تحتل المركز السادس في قائمة الدول الأعلى استهلاكا للطاقة في العالم. ويبدو أن الحكومة السعودية قررت تغيير الوضع، ليس لقلقهم بشأن الاحتباس الحراري، ولكن باعتبار الاستثمار في الطاقة الشمسية يساعدها على الاحتفاظ بعرش البترول.

في ظل تزايد الاستهلاك المحلي للنفط السعودي بنسبة 7% سنويا، إذا استمر على هذا المنوال فسيستهلك كامل الانتاج محليا بحلول عام 2021، ,وستتحول المملكة إلى مستورد للنفط بحلول عام 2038. إن نتيجة ذلك ستكون كارثية، فالاستقرار السياسي في المملكة يعتمد على توفير العائلة المالكة الخدمات للمواطنين، الذين لا يدفعون ضرائب دخل شخصية، عن طريق عائدات البترول. لذلك، فالحكومة السعودية عليها ترشيد استهلاك النفط للحفاظ على الاستقرار الداخلي وكذلك وضعها الدولي كإحدى أكبر الدول المصدرة للنفط.

بالإضافة لتمتعها بمخزون هائل من النفط، تتمتع السعودية بمعدل سطوع شمسي مرتفع جدا، مما يؤهلها بقوة لاستغلال الطاقة الشمسية. ولا تهدف السعودية إلى نشر استخدام الطاقة الشمسية في أنحاء المملكة وحسب، بل إلى تصدير الألواح الشمسية إلى الخارج أيضا.

ولكن كاتب المقال يرى أن الخطة السعودية تسير بخطى بطيئة بسبب مشكلات روتينية وأخرى تقنية، أبرزها العواصف الترابية والرملية التي تقلل بشدة من كمية الطاقة التي تنتجها الألواح الشمسية، والأهم من ذلك الدعم الذي تقدمه الحكومة على الوقود، مما يجعل المستهلك غير مهتم بترشيد الاستهلاك.

يشير ناصر القحطاني، رجل البترول المعروف، إلى أن هذا الدعم يشكل أكثر من 10 % من الناتج القومي للمملكة . وبما أن القيادة السعودية تقوم بالتحكم في كمية النفط الذي يتم تصديره من أجل السيطرة على أسعار النفط، بحيث تبقى في الحدود التي تخدم مصالحها، لذلك، فإن انخفاض الكميات المتاحة للتصدير قد يقلل من قدرتها على التحكم بالأسعار.

وقد قامت الحكومة مؤخرا بوضع معايير لكفاءة الطاقة لمكيفات الهواء، بالإضافة لمعايير ترشيد استهلاك الوقود للسيارات، كما بدأت تطالب باستخدام العزل الحراري للمباني الجديدة. كما قامت أيضا بتوقيع مذكرة تفاهم مع كوريا الجنوبية لإنشاء مفاعلين نوويين. أما ما لا تعتزم الحكومة السعودية فعله فهو خفض الدعم على الوقود، فالكثير من السعوديين ينظرون إلى أسعار الطاقة الرخيصة كحق مكتسب، وبالتالي سيقابل أي ارتفاع في أسعار الطاقة برفض شعبي شديد.

يقول القحطاني أن السلطات السعودية لم تكن تنتوي أن تدعم الطاقات المتجددة في بداية الأمر، خشية أن انتشارها قد يؤدي إلى خفض الطلب على البترول، ولكن تلك النظرة تغيرت إلى حد ما. أما إذا ما بدأت الطاقة الشمسية تهدد السوق الأساسي للبترول السعودي، كوقود للسيارات، فقد تتغير حسابات المملكة.

في مدينة رابغ، توجد محطة طاقة حرارية عملاقة تعمل بالوقود، قامت بإنشائها شركة صينية في 2012. تحتوي المحطة على ستة خزانات للوقود يتسع كل منها لأكثر من أربعة عشر مليون جالون، وهي تكفي لتشغيل المحطة لمدة أسبوع تقريبا. كما تحتاج المحطة أيضا لأكثر من نصف مليون جالون من المياه يوميا، يتم تحليتها من مياه البحر لعدم توافر المياه العذبة.

في عام 2010، افتتحت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا خط تجميع تجريبي لإنتاج الألواح الشمسية، ثم قامت بمضاعفة قدرته الإنتاجية أربعة أضعاف بعد عام واحد وتنتوي زيادة الإنتاجية مرة أخرى بثمانية أضعاف. ويقول الأمير تركي أن المملكة تخطط لافتتاح مصنع آخر، سيكون الأكبر من نوعه خارج الصين، والهدف من ذلك ليس فقط نشر استخدام الطاقة الشمسية في أنحاء المملكة، بل أيضا تصدير اللوحات الشمسية وخلق فرص عمل في مجال التقنية للشباب السعودي.

تستضيف الجامعة حاضنة للشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا، من ضمنها شركة أنشأها جورج أيتلهوبر، مهندس ميكانيكا أسترالي المولد، تتخصص في تنظيف الألواح الشمسية في البيئة الصحراوية. فقد لاحظ أيتلهوبر أن تراكم الأتربة ورمال الصحراء يعوق وصول ضوء الشمس للخلايا الشمسية فقرر تصميم آلية لتنظيف الألواح من الأتربة، لا تحتاج إلى ماء وتستمد الطاقة من الألواح الشمسية ذاتها.

وتعتبر شركة أرامكو هي اللاعب الأكثر أهمية في تحول المملكة نحو الطاقة الشمسية عن طريق 10 مشاريع في مجال الطاقة الشمسية تعتزم تنفيذها العام المقبل. ومن المتوقع أن تصل كمية الطاقة المنتجة من الشمس في المملكة العربية السعودية إلى بضعة جيجاوات على مدى السنوات الخمس المقبلة. سيتم إنشاء هذه المشاريع في الأماكن التي تكون فيها تكلفة الوقود التقليدي عالية، إما لأنها مواقع نائية أو لأنها تستخدم وقود الديزل، والذي تضطر المملكة لشراء كميات كبيرة منه بالأسعار العالمية لأن مصافيها لا يمكنها تلبية الطلب المحلي بالكامل. وحتى في هذه المواقع، من المرجح أن يكلف إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية أكثر من المحطات الحرارية القائمة، وذلك لأنها تحصل على النفط بأسعار مدعومة.

واحدة من أكبر الشركات التي من المنتظر أن تلعب دورا في هذا المجال هي شركة أكوا باور الدولية، والتي يوجد مقرها في الرياض وتمتلك وتدير محطات لتوليد الكهرباء وتحلية المياه في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرق آسيا. في السنوات القليلة الماضية، وقعت شركة أكوا باور عقودا لإنتاج الطاقة الشمسية في العديد من البلدان، حيث أسعار الكهرباء التقليدية أعلى مما هي عليه في المملكة العربية السعودية.

في مطلع هذا العام، فازت أكوا باور بمناقصة لبناء مزرعة للطاقة الشمسية في دبي، بسعر يعادل 84 سنتا للكيلووات ساعة مما أثار دهشة المهتمين بالطاقة الشمسية في جميع أنحاء العالم. حتى الآن، لم تقم أكوا باور بعد بتنفيذ أي مشاريع للطاقة الشمسية في المملكة العربية السعودية. ولكن الأمير تركي قال إن “تقنية” الشركة المملوكة للدولة التي يترأسها، تضع اللمسات الأخيرة على اتفاق لتوفير الطاقة الشمسية للشركة السعودية للكهرباء بسعر 5 سنتات للكيلو واط ساعة، وحتى أقل من السعر المتفق عليه أكوا باور مؤخرا في دبي، أي أنها الأرخص في العالم ، على حد تعبيره.

ولكن المملكة العربية السعودية كانت قد أعلنت قبل ثلاث سنوات عن استهدافها الوصول إلى 41 جيجاوات من الطاقة الشمسية، وهو لا يزال هدفا بعيد المنال. في يناير، أعلن مسؤولون سعوديون أنهم أجلوا الموعد المستهدف من 2032 إلى 2040.

إن التحديات التي تواجه السعودية في مجال الطاقة أشرس من تلك التي تواجه الدول الأخرى، فإذا اتخذت السلطات السعودية قرارات حاسمة في هذا المجال، فقد تصبح المملكة مثالا يحتذى للدول التي تحاول الابتعاد عن استهلاك النفط!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد