رأت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية في تقرير نشرته مؤخرًا، أن الإنفراجة التي شهدتها العلاقات السعودية الروسية في الآونة الأخيرة، تظهر تراجع النفوذ الأمريكي.

تقرير الصحيفة البريطانية سلط الضوء بالأساس على التغيير الذي طرأ على السياسة الخارجية التي تبنتها المملكة قبل عام ونصف تقريبًا، خاصة مع تولي العاهل السعودي، سلمان بن عبد العزيز سدة الحكم بالبلاد في يناير (كانون الثاني) 2015، والسماح لولي ولي العهد ونجل العاهل السعودي، الأمير محمد بن سلمان، بالسيطرة على مقاليد السلطة الرئيسة في المملكة.

وقالت الصحيفة البريطانية: «إن السعودية تبنت سياسة خارجية وإقليمية جديدة أكثر حزمًا بعد تولي العاهل السعودي».

ووفقًا للتقرير، تأتي سلطات الابن المفضل للعاهل السعودي جاءت في نظام تسعى فيه الأسرة الحاكمة عادة إلى تحقيق توازن دقيق بين التحالفات داخل الأسرة الحاكمة.فالأمير الذي يبلغ عمره 30 عامًا يتولى مهام وزير الدفاع في نظام لم يشهد منذ أمد بعيد سوى حكم رجال كبار، بالإضافة إلى مسئوليته عن السياسات الخارجية والسياسات النفطية.

ملامح السياسة الخارجية

واستعرضت الصحيفة ملامح السياسة الخارجية والدفاعية في السنة الأولى من عمل الأمير الشاب والتي أوضحتها كما يلي:

العمليات العسكرية التي تقودها السعودية ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، والتي بدأت في مارس (آذار) الماضي.

زيادة الدعم للمعارضة السورية السنية التي تواجه نظام بشار الأسد في سوريا، المدعوم من إيران وحزب الله والقوات شبه العسكرية الشيعية اللبنانية وروسيا.

قطع العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران وكذلك بين الرياض والحلفاء السياسيين والعسكريين في لبنان.

الصحيفة أشارت إلى ما وصفتها بـ«الانفراجة» التي بدأت تظهر بين السعودية وروسيا، الدولة الحليف لكافة الأطراف التي تكرهها المملكة، ونعني بها هنا إيران وحزب الله ونظام الأسد.

واعتبرت الصحيفة أن «تحالفات المصلحة» ليست بجديدة على الإطلاق في الشرق الأوسط. فرغبة الأنظمة في الحصول على قوة راسخة غالبًا ما تتماشى مع البراغماتية. ولكن الوضع الحالي بلغ مستويات غير عادية من العداء والعنف في حروب بالوكالة بين المملكة السنية وإيران الشيعية في أنحاء المنطقة، وقبل كل شيء في سوريا، وفق تقرير الصحيفة البريطانية.

القطيعة السعودية مع إيران ولبنان

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تصريحات سعودية تشي بتقليص العمليات العسكرية في اليمن. ويقول مسئولون سعوديون: «إنهم أوقفوا التهديد الصاروخي للحوثيين في الجنوب».

وعلى الرغم من أن الرياض كشفت عن تحالف من أكثر من 30 دولة سنية لمواجهة إيران، فإن مصر وباكستان، وهما الدولتان اللتان لديهما جيوشًا كبيرة، قد رفضتا توفير القوات البرية للحرب الجوية السعودية. وفي سوريا، لم يكن التهديد السعودي بإرسال قوات لدعم المتمردين السنة، سوى ذر للرماد في العيون.

وذكر التقرير أن القطيعة الدبلوماسية السعودية مع إيران، والقطيعة مع لبنان، جاءت بعد إعدام الزعيم الشيعي السعودي، نمر النمر، في يناير (كانون الثاني) الماضي. وكانت الاعتداءات التي تعرضت لها السفارة السعودية في طهران في أعقاب إعدام النمر ورفض وزير الخارجية اللبناني، وهو مسيحي منحاز لحزب الله، إدانة الأحداث، الشرارة التي أطلقت نيران القطيعة بين السعودية من جهة وإيران ولبنان من جهة أخرى.

رد الفعل السعودي تجاه لبنان شمل إلغاء مساعدات للجيش اللبناني بقيمة 3 مليار دولار، ووقف الدعم المالي للحلفاء المحليين السنة ووسائل الاعلام المرتبطة بهم، علاوة على إغلاق مكتب قناة العربية الفضائية في بيروت، حسبما ذكر التقرير.

التقارب الهش مع روسيا

ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، أقام الأمير بن سلمان ما وصفه مسئولون عربيون بأنها علاقة «وظيفية وموضوعية» مع الرئيس بوتين، وهي علاقة تشمل الشأن السوري، ومشتريات السعودية العسكرية المحتملة والاستثمار في روسيا، ومحاولات مشتركة لتحقيق الاستقرار في أسعار النفط بتجميد الإنتاج.

في الشأن السوري، أشارت الصحيفة إلى أن جهود السلام التي تقودها الولايات المتحدة وروسيا، لا تزال في وضع حرج بسبب إصرار موسكو على أن يكون الرئيس الأسد جزءً من المرحلة الانتقالية، وهو ما تقاومه واشنطن والرياض ظاهريًا.

ولكن الصحيفة نقلت تصريحات كان الأمير الشاب السعودي قد أدلى بها خلال لقاء جمعه بالرئيس بوتين في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في سباق الجائزة الكبرى الروسية في سوتشي. وقال الأمير سلمان: «نحن لا نهتم بالأسد بقدر ما تعنينا إيران»، وفقًا لمسئول عربي على اتصال مع الأمير ولي ولي العهد. وقال سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي بعد ذلك: «لدينا الآن رؤية أكثر وضوحًا لكيفية التحرك في مسار التسوية السياسية».

ورجح التقرير عدم التوصل إلى أي تسوية من هذا القبيل عندما تستأنف محادثات السلام الأسبوع المقبل في جنيف. وعلى الرغم من انسحاب بوتين الجزئي من سوريا الشهر الماضي، فإن قوات الأسد المدعومة من روسيا ما زالت تتخذ مواقع هجومية – وليس فقط ضد متمردين مدعومين من السعودية، ولكن الآن أيضًا ضد جهاديي تنظيم «الدولة الإسلامية».

وتقول بعض المصادر العربية أن الزعيم الروسي أبلغ بن سلمان بشأن سياسته السورية الجديدة، حتى قبل أن يطلع عليها الأسد.

ورأى التقرير أن تحسن العلاقات السعودية مع روسيا يشير إلى ضعف النفوذ الإقليمي للولايات المتحدة، التي كانت المملكة على علاقة وثيقة بها على مدى 70 عامًا، ويأتي ذلك بشكل خاص في أعقاب الاتفاق النووي الغربي الأمريكي مع إيران ومشاركة روسيا في حرب سوريا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد