تتعدد المشاعر الإنسانية وتتداخل فيما بينها بصعوبة بالغة، إلى حد أن يحاول المتخصصون فك التعقيد وإيضاح الاختلاف بينها. ومن ضمن ذلك، مقال مايك كولاجروسي، الكاتب في موقع «بيج ثينك»، الذي يوضح فيه معنى الشماتة والفرق بينها وبين السادية.

بدأ كولاجروسي مقاله بإيضاح معنى الشماتة وأصل اللفظة، فيقول إنها مستعارةٌ في اللغة الإنجليزية من لفظة «Schadenfreude» الألمانية التي تعني السعادة النابعة من محنة شخصٍ آخر. ووجد بعض المتحدثين الأوائل للغة الإنجليزية، الذين تعرضوا للكلمة، أن المفهوم صعب، ويخلط الناس غالبًا بين الشماتة والسادية. لكن السادية، من ناحية أخرى، تُعرف بأنها الاستمتاع المتعمد بألم شخص آخر، بالإضافة أيضًا لوجود ديناميةٍ جنسية.

وأحد الفوارق الكبرى بين الاثنين هو أن الشماتة تشعر بها عن بعد، أي إنك لست مسئولًا عن معاناة الآخرين، لكنك ببساطة تستمتع بها بحسب المقال، في حين أن السادية يُسببها مباشرةً الشخص الذي يبهجه شقاء الطرف الآخر.

مجتمع

منذ 3 سنوات
في فهم السادية.. رحلة في عقل «الماركيز دي ساد»

ويرى كولاجروسي أن هناك بعض التداخل غالبًا بين الاثنين، لكن الفارق المهم، في رأي الكاتب، يكمُن في الأثر الكامن وراء الشعور.

في الشماتة، عادة ما يوجد شيء من القصاص، إذ يشعر الشخص بأن المتضرر يستحق. أما السادية، فهي عمياء في ما يتعلق بالحاجة أو عدم الحاجة لسبب المعاناة أو الشقاء. ويشعر الجميع بالشماتة بدرجةٍ ما. ذلك أنها عاطفة بشرية أساسية، وشائعة، ولها جذورٌ عميقة في النفس، لكن السادية أيضًا يمكن أن تنشأ من مشاعر أساسية مماثلة.

الفارق بين الشماتة والسادية

يعتقد كولاجروسي أن الشماتة عاطفة، أما السادية فتُرى عادةً بوصفها سمةً شخصية. ويتمحور سلوك الشخص السادي حول حقيقة استمداده للمتعة من إلحاق الألم متعمدًا بشخصٍ آخر، وعليه، فهذا شكلٌ من أشكال السلوك، وليس حالةً عاطفية.

والإشباع الناتج عن اتباع هذه الطريقة حقيقي، ويُهيِّئ عادةً نوعًا من الألم والمعاناة الملموسة، كما أن الإشباع الملازم للشماتة يُمثِّل لحظةً من التفوق النفسي؛ فهو موقفٌ سلبي لا يتطلّب منا إلحاق الألم، أو المشاركة في إلحاقه بأي شكل.

وأشار المقال إلى دراسة مثيرة للاهتمام أُجرِيَت عام 2016، واكتشفت أن السمات السادية يمكن أن تؤثر في حدة شعورنا بالشماتة، فعلى سبيل المثال، اكتشف مُؤلفو الدراسة أنه «… بالنسبة للأشخاص الذين يملكون سمات سادية مرتفعة، يُتوقّع مستوى أعلى من الشماتة في المصائب الكبرى، مقارنةً بالمصائب الصغرى، في حين نتوقع نمطًا معاكسًا لدى الأشخاص الذين يملكون سمات سادية منخفضة».

كيف تولد مشاعر الشماتة؟

يبدأ الشعور بالشماتة في سنٍ مبكرة للغاية، بحسب المقال، إذ سعت دراسةٌ معنونة باسم «لا متعة تضاهي المتعة الخبيثة: الشماتة لدى الأطفال الصغار» إلى اكتشاف الأوجه التطورية والاجتماعية الكامنة في هذه الحالة الشعورية. ووجدوا أن الحسد والغيرة هما ركائز الشماتة.

الشماتة

وذكر كولاجروسي أن الباحثين أجروا تجربةً لتحديد ما إذا كان الأطفال في عمر 24 شهرًا سيظهرون علامات للشماتة بعد «إنهاء موقفٍ غير متكافئ». وكان لدى فريق البحث 35 أمًّا يقرأن بصوتٍ عالٍ مع أنفسهن، وبرفقة أطفالهن، وصديق لطفلهن، أو بينما يعانقن صديق طفلهن. وحين كان الأطفال يشعرون بالغيرة لأن الأم تحمل الصديق؛ عبروا عن سعادتهم حين أسقطت الأم الماء على نفسها وعلى الكتاب. ولاحظ الباحثون أيضًا أن الأطفال لم يخبئوا مشاعر الشماتة. بل قفزوا عاليًا وصفقوا وصاحوا قائلين: «رائع!».

وذكرت عالمة النفس سيمون شاماي تسوري، التي قادت البحث بجامعة حيفا: «شماتة الأطفال كانت مرتبطةً بشعور الظلم … وقد تبين أن الحسد، المرتبط بالشماتة، مرتبط أيضًا بالشعور بالنقص، إذ يشعر الأفراد الذين يعانون من قلة تقدير الذات بالحسد أكثر، ويميلون للقلق بخصوص المقارنات الاجتماعية».

ويؤمن فريق البحث أن الأطفال في عمر السنة الواحدة يمكن أن يختبروا مشاعر الشماتة، بحسب المقال، إذ يكتبون أن نفورهم «المبكر» من الظلم له «جذورٌ تطورية عميقة»، وهذا يدعم الرأي القائل إن الشماتة تطورت بوصفها شعورًا إيجابيًّا، أي لتخفيف تفاعلات المجموعة وتقوية التعاون عند ارتفاع الشعور بالظلم.

الشماتة ليست سادية.. لكنها قد تؤدي لها

أوضح كولاجروسي أنه في حين تعد الشماتة طبيعية، فإنها شعورٌ غير مريحٍ للبعض، وذلك لأن جانبها المظلم له اتجاهات سادية، فالأشخاص الذين يحققون درجة عالية في اختبار ثالوث الظلام النفسي – المرض العقلي والنرجسية والميكافيلية- هم أكثر عرضةً للشعور بقدرٍ أكبر من الشماتة. وتُظهر الشماتة نفسها وفقًا لمساحة الدور الذي تؤديه السمة في نفوسهم الفردية.

وأورد المقال أن ورقةً بحثية حديثة تدرس هذه الأفرع الثلاثة للشماتة، نُشرت في يناير (كانون الثاني) عام 2019 في دورية «أفكار جديدة في علم النفس»، اكتشفت أن التعبير عن المشاعر يمكن أن يأخذ هذا الشكل رغبةً في العدالة في المنافسة داخل القوى المحركة لفريق، أو حتى نتيجة الغيرة العادية.

وأضاف الكاتب المشارك سكوت ليلينفيلد، خبير الشخصية وحالات اضطرابات الشخصية: «يُرجِّح استعراضنا للدراسات بقوة أن الميل للشعور بالشماتة ليس أمرًا فريدًا من نوعه بالكامل، لكنه متداخلٌ بشكلٍ كبير مع سماتٍ شخصية «خبيثة» متعددة، مثل: السادية، والنرجسية، والمرض العقلي. علاوةً على ذلك، فقد ترتبط الأشكال الفرعية للشماتة نسبيًّا بطريقة مختلفة بهذه السمات الخبيثة».

السادية

وما يربط هذه المشاعر كلها بعضها ببعض هو ما أسماه الباحث شينشينج وانج بـ«درجة التجرُّد من الإنسانية». إذ إن الأشخاص الذين لا يعانون من المرض العقلي، أو السادية، لديهم طرقٌ لإيقاف تعاطفهم وترك الشماتة تسيطر عليهم. أما الساديون، من ناحيةٍ أخرى، فليسوا في حاجةٍ إلى إزالة هذا الحاجز، فهم إما أقل حماسة تجاه الفعل، وإما غير قادرين عليه. وأيضًا في حالة السادية، فهم بالفعل في حالة سعيٍ للتسبب في الألم، وسيظهر الناتج العرضي للشماتة.

ويقول وانج: «يُظهر الناس اختلافات فردية في الطريقة التي يختبرون بها الشماتة أيضًا. أظن أن هذه المشاعر يمكن أن تلقي الضوء على بعض الجوانب المظلمة في إنسانيتنا».

وحين يتعلق الأمر بالسادية، تحل السعادة الشخصية الأنانية محل الاستحقاق بحسب المقال. إذ يأمل الباحثون في إيجاد منظورٍ أكبر لهذه العاطفة المعقدة، والطريقة التي تتداخل بها مع الميول السادية: «بتوسيع وجهات النظر المتعلقة بالشماتة، وتوصيل الظواهر الكامنة ذات الصلة بها، نأمل أن نكون قادرين على تقديم إطارٍ شامل لكسب رؤى أعمق لهذا الشعور المعقد مُتعدِّد الأوجه».

وأوضح كولاجروسي في ختام مقاله أننا نمُرُّ جميعًا بشعور الشماتة، لكننا متأكدون تقريبًا أننا لسنا ساديين. ويُعَدُّ إدراك الفارق بين هذا الشعور وبين السمة الشخصية نقطةً ملائمة للبدء في كسب منظورٍ أعمق عن الجوانب الأعقد في طبيعتنا البشرية.

صحة

منذ سنة واحدة
من هم «مازوخ» و«ساد»؟ شخصيات كانت سبب تسمية بعض الأمراض النفسية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد