نشر موقع «EurekAlert» العلمي تقريرًا يتحدث فيه عن المشروع الذي أطلقته جامعة ولاية أوهو المعنيّ بدراسة تأثير الأدب، والأفلام، والقصص الإنساني، على أدمغتنا، وكيف يمكن للأدب أن يُحسّن من حيواتنا بطرقٍ عجائبيّة.

تقنيات نفسيّة

إذا كنت تريد حقًا فهم الأدب، فلا تبدأ بالكلمات الموجودة على الصفحة، إنما بكيفية تأثيرها على عقلك. هذه هي الرسالة التي يُبلّغها البروفسور بجامعة ولاية أوهو أنجوس فليتشر في كتابه الجديد، ويُوجز فيه طريقة مختلفة للقراءة والتفكير في القصص، من الأدب الكلاسيكي إلى الأدب الخيالي، إلى الأفلام والبرامج التلفزيونية.

علوم

منذ 10 شهور
«الصوم عن السعادة».. ما حقيقة موضة صيام الدوبامين؟

وينقل التقرير عن فليتشر – وهو برفسور اللغة الإنجليزية يحمل شهادات في كل من الأدب وعلم الأعصاب – قوله بأن الأدب لم يُبتكر لأغراض ترفيهية فقط، أو بمثابة وسيلة ليوصل الرسائل إلى القراء: «القصص نوع من التقانة، فهي أدوات صممها أسلافنا للتخفيف من الاكتئاب، والتقليل من القلق، وتأجيج الإبداع، وإثارة الشجاعة، ومواجهة شتى أنواع التحديات النفسية الأخرى التي تطرحها كينونتك الإنسانية»، ويضيف فليتشر قائلًا: «وعلى الرغم من أننا لم نتعلم هذا في صفوف الأدب اليوم، ما يزال بإمكاننا إيجاد هذه الأدوات العاطفية واستخدامها في القصص التي نقرأها اليوم».

يشرح فليتشر هذه المفاهيم في كتابه «أعمال عجائبيّة/خارقة: أقوى 25 اختراعًا في تاريخ الأدب». على سبيل المثال يناقش فليتشر كيف يمكن أن تساعد قراءة كتاب «العرّاب» لماريو بوزو في الفصل الذي يتحدث فيه عن مواجهة الوحدة، وكذلك في الفصل المتمحور حول إذكاء الإبداع يتحدث عن فضائل «أليس في بلاد العجائب»، ومجموعة «ويني ذا بوه» القصصية. كما يقترح فليتشر برنامج «30 روك» الكوميدي في مجال طرق السعي وراء تحقيق الأحلام.

يضع كتاب فليتشر الكلاسيكيات بعين الاعتبار أيضًا، فكما يشرح التقرير، يناقش الكتاب كيف يمكن أن تساعدنا قراءة شكسبير في الشفاء من الحزن، وكيف تساعدنا فيرجينا وولف في العثور على الطمأنينة وراحة البال، وكيف يدعم هوميروس أولئكم الذين تلزمهم الشجاعة.

منهجٌ مختلف لتناول الأدب

يعتقد فليتشر بأن خلفيته المعرفيّة في علم الأعصاب أثرت بشكل كبير على المنهج التي اتّبعه إزاء الأدب في كتابه المنشور حديثًا: «قد تشعر بالفرح، أو التعاطف، أو التواصل، عندما تقرأ القصيدة، أو القصة المفضلة لديك. أحد الأشياء التي أفعلها في الكتاب هو تقديم المصادقة العلمية للأشياء التي لطالما شعرنا بها عند قراءة كتبنا المفضلة، أو مشاهدة الأفلام والبرامج التلفزيونية التي أحببناها».

Embed from Getty Images

وينقل التقرير عن فليتشر قوله بهذا الصدد أيضًا: «من خلفيتي في علم الأعصاب والدراسات التي أجريتُها، أستطيع رؤية كيف تتفاعل اختراعات الأدب مع مناطق مختلفة من دماغنا لتقليل الشعور بالوحدة، أو إعانتنا على بناء شجاعتنا، وما عدا ذلك من أشياء متعددة، والتي تفعلها لمساعدتنا. كل قصة مختلفة هي في واقع الأمر أداة مختلفة».

يعتبر فليتشر أن فهم قوة الأدب الفعلية يتطلب طريقة مختلفة للتعامل مع القصص عما تقدّمه معظم دورات الأدب التقليدية، إذ تركز الطريقة المعتادة لتدريس الأدب على الكلمات، وتطلب من الطلاب البحث عن المحاور المطروحة والتفكير فيما قصده المؤلف أو عناه، لكن ليست هذه الطريقة، ولا موضع التركيز في مشروع السرد التابع لجامعة ولاية أوهايو، علمًا أن فليتشر أحد أعضاء هذا المشروع.

يورد التقرير حديث فليتشر عن المشروع: «في مشروع السرد، نعكس العملية. فبدلًا عن النظر إلى الكلمات، ننظر إلى ما يدور في ذهنك أولًا، كيف تجعلك هذه القصة تشعر؟ ننظر في كيفية استجابة الأشخاص للشخصيات، والحبكة، والعالم الذي خلقه المؤلف»، وبعد معاينة الشعور الذي تحفّزه القصة لديك، ينتقل المشروع إلى الجزء الثاني من العملية، ويتمثل ذلك في تتبع هذا الشعور للعودة إلى ابتكارٍ محدد ما في القصة، وقد يكون ذلك أمرًا ما في الحبكة، أو الشخصية، أو الراوي، أو عالم القصة في المجمل.

وبالتالي فإن موضوعات القصة، ومحاورها، وما أراده المؤلف، هي كلها أمور أقل أهمية بهذا المنهج في التعامل مع الأدب.

يشرح فليتشر بمزيد من التفصيل أن ما سبق لا يعني أنه عند السعي وراء كتاب لتحفيز شجاعتك، أن تبحث عن كتاب به كلمة «شجاعة» في العنوان، أو الموضوعات مثلًا، وفقًا لتحليلات الأدب التقليدية «تأتي الشجاعة من قراءة عمل أدبي يجعلنا نشعر وكأننا نشارك في شيءٍ أكبر من أنفسنا. ولا داعي لذكر الشجاعة، أو لأن تكون الشجاعة ضمن مواضيعه. لا صلة لهذا بالأمر».

عرّابٌ لعالمٍ أقلّ وحدة

ينوّه التقرير مثلًا إلى أن قراءة «العرّاب» قد لا تخطر لك على بال عند محاولة درء الشعور بالوحدة، لكن فليتشر يشير إلى أثره المحتمل في علاج الوحدة، وذلك لأسباب عدة، أحدها استخدامه لتقنية أوبرالية معينة؛ إذ يشرح فليتشر في كتابِه كيف تتضمن بعض الأوبرا فترةً من الموسيقى المتنافرة والمضطربة، والتي تُفضي في النهاية إلى حلٍّ قوامه التناغم الجميل: «الأصوات الموسيقية المتضاربة والمتنافرة مزعجة، لكن تأتي بعدها الإراحة اللطيفة للتناغم، وينطلق الدوبامين في دماغنا، رابطًا إيانا بالموسيقى».

Embed from Getty Images

يضيف فليتشر بأن الكاتب ماريو بوزو يفعل نفس الشيء بروايته العرّاب، من خلال خلق الفوضى والتوتر في فصل، ومن ثم حلّه جزئيًا في النهاية، وهو ما يمنحنا اندفاعًا جزئيًا للدوبامين، ويربطنا بالشخصيات والقصة؛ ما يُشعرنا كما لو أن الشخصيات أصدقاء لنا.

إذا كنت تقرأ قصصًا مثل العرّاب وغيرها أثناء فترات العزلة الطويلة التي فرضتها جائحة كوفيد-19، فقد تساعدك هذه القصص على تسهيل العودة إلى الحياة الطبيعية حين يُفتح العالم من جديد.

يوضح فليتشر أن علماء الأعصاب اكتشفوا أن جزءًا من الدماغ يُساعدنا في تكوين صداقات، ويُسمى «نواة الرفاء الظهرانية (DRN)». يحتوي هذا الجزء على مجموعة من خلايا الدوبامين العصبية المُعدّة لأجل فترات الوحدة القصيرة، ومتأهبة لتشجيعنا على الاندفاع نحو السلوك الاجتماعي عند الالتقاء بأشخاصٍ مجددًا.

لكن إذا استمرت العزلة لأسابيع أو أشهر – كما حدث خلال الجائحة – تتلاشى تلك الجاهزيّة، ويتحصن الدماغ في عزلته؛ ما يصعّب من إعادة التواصل مع الناس لاحقًا. لذا – ووفقًا لما يقوله فليتشر – يمكن «للعرّاب والقصص الأخرى إيقاظ نواة الرفاء الظهرانية، وتسهيل إعادة الانضمام إلى المجتمع عند انتهاء الجائحة».

يضيف فليتشر أن استخدام تقنيات الأوبرا في العرّاب ليس سوى مثال واحد على الإمكانيات التقنية العالية للأدب وأشكال ابتكاراته، ويأملُ أن يصبح لدى الناس رغبة أكبر في معرفة كيف تعمل هذه الأدوات الأدبية التقنية، وأثرها الكبير في أدمغتنا: «الفكرة من وراء الكتاب منحكَ طريقة مختلفة للقراءة، طريقة تطلق العنان للقوى الاستثنائية للأدب لشفاء دماغك، وإعطائك المزيد من الفرح والشجاعة، وكل ما قد تحتاجه في حياتك».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد