تقنية «CRISPR-Cas9» يمكن أن تطبق على أكثر من عشرة آلاف حالة طبية تتسبب فيها طفرات موروثة محددة. هذه الحالات قد تشمل سرطان الثدي وسرطان المبيض وغيرها الكثير من الأمراض الوراثية.

في تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، أشارت الكاتبة في مجال الصحة والعلوم، بام بيلوك، إلى نجاح العلماء للمرة الأولى في تعديل جينات الأجنّة البشرية من أجل علاج طفرة شائعة، والحصول على أجنة سليمة. وذكرت بيلوك أن البحث الذي أجراه هؤلاء العلماء يعد إنجازًا كبيرًا، فقد يخلّص الأطفال من الكثير من الأمراض الوراثية الخطيرة.

وقد أُجريت الدراسة، والتي نشرتها مجلة «نيتشر» البريطانية، على مرض اعتلال عضلة القلب الضخامي، وهو مرض يصيب واحدًا من بين كل 500 شخص، ويمكن أن يتسبب في قصور القلب المفاجئ. يحدث المرض بسبب طفرة في جين «MYBPC3»، وإذا كان أحد الوالدين لديه هذه الطفرة فإن فرص وراثة الطفل للمرض تبلغ 50%.

اقرأ أيضًا: الخليتان الأوليان مختلفتان.. هذه هي أول طفرة وراثية تصيب كل الإنسان

ما هي «CRISPR-Cas9»؟

ضمت الدراسة علماء بجامعة أوريجون الأمريكية للصحة والعلوم وعلماء بولاية كاليفورنيا والصين وكوريا الجنوبية، الذين تمكنوا من إجراء تعديلات على عشرات الأجنة، ونجحوا في إصلاح طفرة جينية تتسبب في أحد أمراض القلب الشائعة، والتي يمكن أن تؤدي إلى موت مفاجئ. ولن يقتصر الأمر بعد ولادة الجنين على كونه خاليًا من المرض، بل إن المرض لن ينتقل إلى نسله كذلك.

ونجح الباحثون عن طريق تقنية مسماة كريسبر-كاس9 «CRISPR-Cas9» في جعل جميع خلايا الأجنة خالية من الطفرات، إضافة إلى تجنب نشأة طفرات جديدة غير مرغوب فيها.

وذكر التقرير أن هذه التقنية يمكن أن تطبق على أكثر من عشرة آلاف حالة طبية تتسبب فيها طفرات موروثة محددة. وفقًا للباحثين فإن هذه الأمراض الوراثية قد تشمل سرطان الثدي وسرطان المبيض الناتجين عن طفرة «BRCA»، إضافة إلى أمراض مثل: مرض «هنتنجتون وتاي ساكس وثلاسيميا بيتا وفقر الدم المنجلي والتليف الكيسي أو بعض حالات الألزهايمر المبكر».

أقرت الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم تعديل الأجنة في فبراير (شباط) الماضي، ولكنها قصرت استخدامه على تصحيح الطفرات التي تسبب مرضًا خطيرًا أو حالة خطيرة في حالة عدم وجود بدائل.

ولاحظ الباحثون الذين أجروا الدراسة أن العديد من الأزواج يقومون بتشخيص جيني في مرحلة ما قبل انغراس البويضة الملقحة في جدار الرحم، والسماح بزراعة البويضات السليمة فقط. بالنسبة لهؤلاء، يمكن أن تساعدهم التقنية الجديدة في علاج الأمراض الوراثية والطفرات الجينية في الأجنة؛ مما يزيد من أعداد الأجنة الأصحاء المتاحة للانغراس.

وأجريت عدة تجارب مماثلة في الصين منذ عام 2015 لكنهم لم يحصلوا على التغيير المقصود في جينات الأجنة، سوى في حالات قليلة للغاية، أو حدوث ظاهرة «الفسيفساء الجينية» أي تزامن وجود خلايا سليمة وخلايا مصابة بطفرات في الجنين في نفس الوقت، أو حدوث طفرات غير متوقعة في الجينات، والتي يمكن أن تتسبب في مشاكل صحية أخرى، لكن البحث الأخير استطاع تجاوز هذه المشاكل وحصل على نتائج أفضل.

اقرأ أيضًا: «التليجراف»: العلماء قد يتمكَّنون قريبًا من تخليق أجنة بشرية في المختبر

طريقة جديدة «لليوجينيا»

لكن هذا الإنجاز يعتبر في الوقت ذاته مثالًا على الهندسة الوراثية البشرية التي لطالما لاقت تخوفات، والتي من المؤكد أنها ستطرح معضلات أخلاقية فقد يستخدمها البعض لاختيار سمات معينة لأطفالهم، مثل امتلاك قدرات عقلية أو بدنية أعلى.

أشارت الكاتبة إلى أن العلماء يخشون – منذ وقت طويل – العواقب الطبية غير المتوقعة لإجراء تغييرات موروثة على الحمض النووي البشري. إضافة إلى ذلك، فإن الآثار المجتمعية مثيرة للقلق بنفس القدر، فقد حذر بعض الخبراء من أن الهندسة الوراثية غير المنظمة قد تؤدي إلى صورة أخرى من صور تحسين النسل «اليوجينيا»؛ مما يعني قيام الأغنياء بتحسين صفات أطفالهم، في مقابل إهمال من يعانون من إعاقات.

تأتي هذه الدراسة بعد شهور قليلة من نشر لجنة علمية أمريكية تقريرًا يضم إرشادات جديدة لتعديل الأجنة، فقامت بتخفيف بعض القيود عليها، لكنها في الوقت ذاته حثّت على استخدامها في الحالات الطبية الخطرة فقط.

من جانبه، صرّح ريتشارد هاينز، الباحث في مرض السرطان بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والرئيس المشارك للجنة، قائلًا: «لطالما قلنا أن تعديل الجينات أمر لا يجب القيام به، وذلك بسبب مخاطره. هذا لا يزال صحيحًا، ولكن يبدو أنها ستصبح آمنة في وقت قريب»، ووصف البحث بأنه إنجاز كبير. وأضاف «لقد ذكر تقريرنا أنه بمجرد إزالة العقبات التقنية، ستكون هناك قضايا مجتمعية يجب توجيه الاهتمام إليها، وقد حان ذلك الوقت».

عقبة أمام تطبيق التقنية الجديدة

تتعلق القضية الأهم في هذا الشأن بما يعرف بهندسة الخلايا الجرثومية، والتي تعني إجراء تغييرات على الأجنة قابلة للتوريث، فيرى البعض أنها خطر يجب تجنبه، بينما يراها الآخرون أنها يمكن أن تؤتي بنتائج إيجابية.

وقد منع الكونجرس إدارة الغذاء والدواء الأمريكية من تطبيق التجارب السريرية التي تشمل هندسة الخلايا الجرثومية، كما يُحظَر على المعاهد الوطنية الصحية الأمريكية تمويل أبحاث تعديل جينات الأجنة البشرية. وقد تم تمويل البحث الجديد من قِبل جامعة أوريجون للصحة والعلوم ومعهد العلوم الأساسية بكوريا الجنوبية إلى جانب عدة مؤسسات.

يأمل الباحثون أنه مع تطويرهم للتقنية ودراسة جدواها مع الطفرات الأخرى، بأن يسمح المسؤولون في الولايات المتحدة أو في دولة أخرى بإجراء تجارب سريرية.

تقول الطبيبة بولا أماتو، أخصائية الغدد الصماء التناسلية بجامعة أوريجون للصحة والعلوم وإحدى المشاركين في الدراسة، أنه يمكن استخدام التقنية الجديدة على نطاق واسع إذا ما ثبت أنها آمنة. وأشارت أماتو إلى أن استخدام هذه التقنية سيكون فعالًا بالنسبة للحالات التي لا تتمكن من فحص الأجنة، بالإضافة إلى الحد من عمليات التلقيح الصناعي، والتي لا تعتبر آمنة تمامًا.

كيف تعمل «CRISPR-Cas9»؟

استخدم الباحثون الحيوانات المنوية لرجل يعاني من اعتلال عضلة القلب الضخامي وبويضات لـ12 مرأة سليمة. قام الباحثون بحقن المقص الجيني «CRISPR-Cas9» لإزالة التسلسل الجيني المصاب بالطفرة في جين «MYBPC3» القادم من الرجل. بعد ذلك، قام الباحثون بحقن تسلسل حمض نووي اصطناعي غير مصاب بالطفرة في البويضة المخصبة، وتوقعوا أن ينسخ «الجينوم» الذكري هذا التسلسل في الجزء المقطوع، لكن جين الذكر قام بنسخ التسلسل السليم من جينات الأنثى وتجاهل الحمض النووي الاصطناعي، ولا يعلم الباحثون لماذا حدث ذلك.

«ربما تطورت الجاميتات (الأمشاج) لإصلاح نفسها لأنها الخلايا الوحيدة التي تنقل الجينات إلى النسل، وتحتاج حماية خاصة» هكذا فسر خوان كارلوس بلمونتي، عالِم الوراثة بمعهد سولك للدراسات البيولوجية في ولاية كاليفورنيا وأحد الباحثين المشاركين في الدراسة، ما حدث.

اقرأ أيضًا: الأسباب العلمية وراء تحديد نسب الذكاء عند الأطفال.. ليس من بينها الجينات

نتائج مبشرة

نتج عن ذلك أن 36 من بين 54 جنينًا كان خاليًا من الطفرة، وهذا يعتبر تحسنًا كبيرًا ففي الظروف الطبيعية يكون عدد الأجنة السليمة حوالي نصف إجمالي الأجنة.

عمل الباحثون على تطوير ذلك من خلال حقن الحيوانات المنوية «CRISPR-Cas9» في البويضة في الوقت ذاته، بدلًا عن حقن المقص الجيني في البويضة المخصبة. كانت النتيجة أن وصل عدد الأجنة الخالية من الطفرات إلى 42 من بين 58 جنينًا (أي بنسبة 72%)، وكانت نسختا الجين في كل خلية خالية من الطفرة. بالإضافة إلى ذلك، لم يجد الباحثون أية طفرات غير مرغوب فيها في الأجنة، والتي دُمرت بعد حوالي ثلاثة أيام، بحسب ما أورده التقرير.

لم تكن هذه الطريقة مثالية، فالأجنة الـ16 المتبقية كان لديها طفرات غير مرغوب بها، لكن الطبيب شوخرات ميتاليبوف، رئيس مركز الخلايا الجنينية والعلاج الجيني بجامعة أوريجون للصحة والعلوم وقائد الفريق البحثي، يرى أن تطوير التقنية سوف يجعلها تنتج 90% من الأجنة على الأقل بلا طفرات.

وذكر ميتاليبوف أنه في حالة كون جينات الأم هي التي تحمل الطفرات المسببة للمرض، يتم نسخ التسلسل الجيني السليم من الأب، ولكن هذه الطريقة لن تعمل إذا كان كلا الوالدين يحملان الطفرة. وفي هذه الحالة، سيتعين على العلماء العثور على طريقة لجعل أحد الجينين ينسخ تسلسل الحمض النووي الاصطناعي.

لكن بخلاف ذلك، فمن المتوقع أن تنجح هذه الطريقة للقضاء على العديد من الطفرات الموروثة المسببة للأمراض، بحسب ما ذكره ميتاليبوف.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد