كثيرًا ما نعتقد أن الكلمات والجُمل وحدها هي المسئولة عن نقل المعلومات من شخص إلى آخر، لكن حدة الصوت هي الأخرى تلعب دورًا في إيصال معنى الكلام؛ إذ إن تغيير حدّة الصوت يمكن أن يحول جملة خبرية إلى سؤال. بالإضافة إلى ذلك، تحدد درجة الصوت –أي حدّته- المقصود من الجملة، فرفع درجة الصوت للتشديد سواء على الفاعل أو المفعول في الجملة يوضح للمستمع المعلومة التي يريد القائل إيصالها بالتحديد.

حدة الصوت تؤثر على الخلايا العصبية

في تقرير نشرته مجلة «Wired» الأمريكية، أشار الكاتب نِك ستوكتون إلى دراسة، نشرتها مجلة «Science» الأمريكية في أغسطس (آب) الماضي، استطاعت اكتشاف مجموعات من الخلايا العصبية تتأثر باختلاف حدة الصوت، فيتأثر بعضها بنغمة الصوت المرتفعة، والبعض بالنغمة المنخفضة، بينما يتأثر البعض عند ارتفاع الصوت ثم انخفاضه. وقد أعطت هذه الدراسة العلماء دفعة كبيرة في طريقهم لفهم كيف تفهم أدمغتنا المعنى من الصوت.

يقول إدوارد تشانج، وهو جرّاح للأعصاب بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو والمؤلف الرئيسي للدراسة، أن الكثير من الناس يظنون أنه أمر عادي أن تستطيع أدمغتنا فهم المعنى من اختلاف الصوت. في دراسة سابقة، اكتشف تشانج مع باحثين آخرين أنه يوجد لدينا خلايا في المخ تستطيع تمييز الحروف الساكنة والمتحركة. لكن التواصل الصوتي بين البشر أكثر تعقيدًا من ذلك، فهو لا يقتصر على بعض الحروف أو الكلمات المجتمعة مع بعضها، إنما يمكن لفوارق بسيطة في الصوت أن تغير المعنى دون أن تتغير الكلمات نفسها.

دراسة جديدة

قام العلماء في الداراسة الأخيرة باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لفحص أدمغة مرضى الصرع ممن لديهم أقطاب كهربائية مزروعة في أدمغتهم. هذه الأقطاب تساعد الأطباء لتحديد منشأ نوبات الصرع، وذلك في وقت قصير يبلغ ملي ثانية واحدة، مما يساعد العلماء على علاج بعض حالات الصرع. كانت السرعة الكبيرة لهذه الأقطاب الكهربائية هامة للغاية بالنسبة للعلماء من أجل دراسة تأثير الإشارات السمعية على خلايا المخ.

قام تشانج وفريقه باختبار عشرة متطوعين ممن لديهم أقطاب كهربائية في أدمغتهم، وكانت مهمة هؤلاء الأشخاص الاستماع إلى عِبارات يتم تكرارها. شملت الدراسة أربعة جُمل إنجليزية بسيطة تتكرر بثلاثة أصوات مختلفة -لذكر واثنين من الإناث- مع تغيير نغمة المتحدث مع تكرار الجملة بشكل مختلف. تم تسجيل كل جملة أربع مرات، فيتم نطقها بشكل عادي أي بنطق جميع الكلمات بنفس النغمة مرة، ثم تكرارها مع التشديد على كلمة الفاعل أو المبتدأ في الجملة مرة، وعلى المفعول به مرة أخرى، ثم تكرارها مع تغيير النغمة في نهاية الجملة لتعطي صيغة سؤال.

خطوات قادمة

وجد العلماء أن خلايا عصبية محددة تستجيب لتغير درجة الصوت، وهي خلايا مختلفة عن تلك المسئولة عن تمييز الحروف الساكنة والمتحركة. أي أن الأذن والمخ يقومان باستقبال إشارة صوتية، ثم تحليلها إلى عناصر، ثم معالجة هذه العناصر لاستخلاص معانٍ مختلفة. يرى تشانج أن القدرة على استخلاص معانٍ مختلفة من جملة واحدة ربما قد تطورت لدى الإنسان من أجل جعل تواصله أكثر كفاءة.

كان أكثر ما أدهش العلماء أن الخلايا تضع درجة صوت محددة للصوت الذي تستقبله باعتباره نقطة قياسية، ومن ثمّ تتعرف على النغمة سواء كانت مرتفعة أو منخفضة، وبالتالي تمييز اللحن (أو الإشارة الصوتية) ككل. بالإضافة إلى ذلك، يستطيع الإنسان تمييز الأصوات المختلفة عن بعضها، وهذا ما يمكننا من التحدث إلى شخص محدد وتمييز صوته في غرفة مزدحمة.

الخطوة القادمة لفريق تشانج البحثي هي فهم كيف يتحكم المخ في تنغيم الصوت عند التحدث، وهذا سيتطلب مراقبة حركة العضلات المتحكمة الأحبال الصوتية والحنجرة، مع استخدام الأقطاب الكهربائية لمراقبة المخ في الوقت ذاته، إذ أن المخ هو المتحكم في العملية بأكملها، وبدونه لن يكون للأصوات أي معنى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s