يلجأ الكُتاب عادة إلى الخيال العلمي هروبًا من الواقع، أو هروبًا من الرقابة، كما يحدث في فلسطين الآن. في هذا الصدد تكتب أليسون فلود من صحيفة «الجارديان» البريطانية حول مجموعة «فلسطين +100» وكيف استخدم الكُتَّاب الخيال العلمي لوصف الحاضر والمستقبل.

قالت أليسون في مقالها: «إن 12 كاتبًا فلسطينيًا مشهودًا لهم، بسطوا شراعات قواربهم في بحر الخيال للوصول إلى فكرة حول ما يمكن أن تبدو عليه دولتهم عام 2048، أي بعد 100 عام من نكبتها – عندما طُرد 700 ألف مواطن من ديارهم – فيما يُعتقد أنها أول مجموعة للخيال العلمي حول الأراضي المحتلة».

الحق في العودة الرقمية

ويشير المقال إلى أن القصص في مجموعة «فلسطين +100» تتراوح بين تصوير مجد كيال للحل المستقبلي للنزاع العربي الإسرائيلي، حيث يحتل عالمان متوازيان المساحة الجغرافية نفسها، ومفهوم سليم حداد الشبيه بفيلم «ماتريكس» لـ«الحق في العودة الرقمية». كما تدور قصة مازن معروف، المرشحة لجائزة مان بوكر الدولية، حول نتائج هجوم الروبوت النانوي عام 2037، التي رواها آخر فلسطيني على قيد الحياة، إذ تأثر جسده بالإشعاع لدرجة أنه ظل في صندوق زجاجي، ولكنه لا يمكن قتله.

وتقتبس أليسون ما كتبته بسمة غلاييني، محررة المجموعة، في مقدمتها، بأن الخيال العلمي لم يحظ بشعبية خاصة بين المؤلفين الفلسطينيين؛ لأنه «ترف، ولم يشعر الفلسطينيون أنهم قادرون على تحمله».

وأضافت بسمة: «للحاضر القاسي والماضي المؤلم قبضة شديدة على خيال الكتاب الفلسطينيين من أجل مشاريع خيالية لمستقبل محتمل. وليس ذلك أن التنكر في ثياب الخيال العلمي سيكون تغييرًا جذريًا في حلة الكتاب الفلسطينيين، خاصة أولئك الذين يعيشون في فلسطين. فالحياة اليومية لهم هي نوع من عالم الواقع المرير».

إذ ترى محررة المجموعة أن أي فلسطيني من الضفة الغربية لا يحتاج إلا إلى تسجيل رحلته إلى العمل، أو الحديث مع جندي من جيش الدفاع الإسرائيلي في نقطة تفتيش، أو أن ينسى حمل بطاقته الشخصية، أو ينظر ببساطة من نافذة سيارته إلى الجدران والأسلحة والأسلاك الشائكة التي تملأ المشهد، ليعرف ما هو الاحتلال المستبد الحديث، وهو شيء يمكن للسكان في الغرب أن يبدؤوا في فهمه من خلال لغة عالم الواقع المرير.

Embed from Getty Images

فلسطين لوحة غنية بالخيال العلمي

تعتقد أليسون أن حداد، الذي كتب قصته «زقزقة العصافير» إحياء لذكرى الكاتب مهند يونس، الذي انتحر عام 2017، يتفق مع ما قالته بسمة. قال حداد: «نظرًا لأنه لا يُطلب منا نحن الكُتَّاب العرب عادةً الكتابة حول المستقبل، من المتوقع نوعًا ما أن نقدم الحقيقة الآنية للأشياء على أرض الواقع، لكني أعتقد أن فلسطين لوحة غنية بالخيال العلمي، مع كل هذه المواضيع التي نتعامل معها نحن الفلسطينيين، من أسئلة حول الماضي والحاضر، وأفكار حول الذكريات، وحقائق بديلة، وما قد يكون».

ويبدو أن ما أثار مخيلة الكاتب الفلسطيني، وجد طريقًا إلى أليسون. إذ تشير إلى أن حداد ارتأى في كتابة قصته «طريقة متحررة لمناقشة المشكلات الحالية»، كما فعلت سلمى الدباغ في قصتها «نم يا دكتور شوت»، التي تصور عالمًا يُحتسب فيه التكوين العرقي للسكان لتحديد مكانتهم.

تحكي القصة عن رثاء دكتور شوت الذي ينتمي «45% منه إلى يهود الأشكناز و4.5% إلى يهود السفارديم» قائلًا: «آخر مرة شعرت فيها بالدنو حين كنت في الرابعة والثلاثين، حين خرجت نتائج تحليل حمضي النووي لتشير إلى أن عرقي اليهودي أقل من 50%، واتهم هؤلاء المجانين أمي على وسائل التواصل الاجتماعي بأنها مارست الجنس مع شخص غير يهودي».

الحاضر والماضي دون أي ضغوط

وبحسب المقال، قالت سلمى: «لم أكتب أبدًا خيالًا علميًا، كما لم أحاول التطلع للمستقبل، بل فتح هذا عالمًا كاملًا. وفي اللحظة الحالية، أعتقد أن الوضع في فلسطين صعب للغاية على أن يجري تناوله من خلال كاتب خيال. إنه شعور يائس جدًا، حتى أنني عدت إلى الماضي أكثر لإيجاد القليل من الأمل، وهو ما أعطاني وسيلة جديدة للكتابة في وقت ربما كانت فيه الأمور أفضل قليلًا على نحو ما».

وتضيف الكاتبة أن الكتابة حول المستقبل تعني أنها «يمكنها أن تستنبط جنون الوضع الحالي. فكل شيء في تلك المنطقة، التي كانت سابقًا فلسطين، يتحدد بمدى يهوديتك. كانت هذه نقطة انطلاق رائعة لتنظر إلى مدى سخافة وتعسف القوانين التي تقسم الشعب، ولتحمل قصة حب باعتبارها طريقة لإظهار كيف يساوي الحب بين شخصين، ولولاه لكانا منفصلين بسبب اختلافات دمائهم».

Embed from Getty Images

نشرت دار «كوما بريس» مجموعة «فلسطين +100»، وهي التي أصدرت سابقًا «العراق +100»، وهي مجموعة قصصية حول بلاد الرافدين في عام 2103، أي بعد قرن من الغزو الأمريكي، التي تقول عنها أليسون إنها واحدة من أفضل كتب الخيال العلمي في قائمة «الجارديان» لعام 2016.

وقد اختتمت الكاتبة المقال بما قالته بسمة غلاييني: «يعطي الخيال العلمي مساحة للكُتّاب للحديث عن الحاضر والماضي دون أي ضغوط بسبب الرقابة، يشعر الكتاب الفلسطينيون بحاجتهم الدائمة للكتابة عن الوضع الحالي أو عن النكبة. وإذا خرجوا عن ذلك السياق، يشعرون بخيانتهم لواجبهم تجاه القضية. مؤخرًا يفسر أي تعبير من الفلسطينيين عن أي رأي حول الوضع على أنه معادٍ للسامية؛ ما يجعل الناس قلقين من الكتابة حول أوضاعهم، ولذا يعطيهم هذا الخيال العلمي هذه المساحة».

ثورة تعليمية هائلة في انتظار أطفالك.. كيف سيبدو شكل المدارس في المستقبل؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد