كتب كايل ميزوكامي، كاتب متخصص في شؤون الدفاع والأمن القومي، تقريرًا نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية عن تاريخ صاروخ سكود بدءًا من استيلاء الروس على التكنولوجيا الألمانية لصناعتِه أثناء الحرب العالمية الثانية وحتى استخدامه في حرب اليمن التي ما زالت مستعرة.

يستهل الكاتب تقريره بتنبيهٍ مهم قائلًا: بينما لم يُطلَق صاروخ سكود مرةً واحدة بقصد الإضرار بالعدو أو إلحاق الأذى به أثناء الحرب الباردة التي صُنِع من أجلها، إلا أن المفارقة تتمثل في أنه أصبح تهديدًا عسكريًّا كبيرًا في حقبة ما بعد الحرب الباردة. ومنذ ذلك الحين، طُوِّر الصاروخ إلى صواريخ أكثر خطورة – بل الأسوأ من ذلك، أُطلِق برنامج أبحاث الصواريخ – على يد الدول «المارقة».

الصاروخ الأكثر شهرة ألماني الأصل

ويمضي الكاتب إلى أن سكود أحد أكثر الصواريخ شهرة في العصر الحديث، وطُوِّر صاروخ سكود الباليستي القصير المدى بوصفه أحد الأصول النووية للقادة السوفيت خلال الحرب الباردة. واليوم، وبعد مرور أكثر من ستة عقود، تناثرت مستنسخات صواريخ سكود في جميع أنحاء العالم، حيث يمكن العثور عليه في الصواريخ الباليستية من كوريا الشمالية إلى إيران. وصارت صواريخ سكود المزعجة مرئية أكثر من أي وقت مضى، حيث أُطلِق العشرات منها في الحرب الأهلية اليمنية المستمرة.

دولي

منذ أسبوعين
«ذا دبلومات»: هل ستغير الأفرع الرقمية في الجيوش مفهوم الحرب؟

وصاروخ سكود نتاج مباشر لتكنولوجيا الصواريخ الألمانية التي جرى الاستيلاء عليها في زمن الحرب. وأدَّت التجارب السوفيتية مع الصاروخ النازي ڤي-2 (V-2) إلى جهود تطوير مدتها عشر سنوات بلغت ذروتها في عرض الصاروخ آر-11إم (R-11M) عبر الميدان الأحمر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1957.

وكان الصاروخ آر-11إم يعمل بالوقود السائل، وقد وُضِع على منصة إطلاق ناقلة مجنزرة لا تختلف عن منصة إطلاق بوكوكسونج-2 المجنزرة الكورية الشمالية. ويمكن للصاروخ آر-11إم إطلاق رأس حربي تقليدي شديد الانفجار إلى مسافة 167 ميلًا ورأس حربي نووي أثقل إلى مسافة 93 ميلًا. وأطلق الناتو على الصاروخ آر-11إم اسم «سكود»، ومع ظهور النسخ اللاحقة أصبح يعرف باسم «سكود- إيه» (Scud-A).

ويوضح الكاتب أن المدى القصير لصواريخ سكود- إيه جعلها نظام إطلاق تكتيكيًّا للأسلحة النووية. وكانت دقة الصاروخ ضعيفة، مع احتمال حدوث خطأ دائري – أو المسافة التي سيسقط خلالها نصف الرؤوس الحربية للصاروخ – يصل إلى 1.8 ميل. هذا، والحالة البدائية للتطوير المبكر للأسلحة النووية، كانت تعني أن صواريخ سكود، على الرغم من كونها نظامًا تكتيكيًّا، كانت لا تزال مجهزة برؤوس حربية كبيرة تصل قوة انفجارها من 20 إلى 100 كيلوطن.

نموذج أكثر دقة

جرى تحديث تصميم صاروخ سكود الأساسي عدة مرات خلال الحرب الباردة. وقُدِّم آر-17، المعروف أيضًا باسم سكود-بي، في عام 1965. وانتقل سكود-بي إلى منصة إطلاق بعجلات 8 × 8 وزاد مدى إطلاق الحمولة النووية من 93 إلى 167 ميلًا. وأدَّى نظام التوجيه بالقصور الذاتي الجديد إلى تقليص عدم دقة النموذج بي إلى 0.6 ميل، وبينما لم يكن الصاروخ الجديد «سلاحًا دقيق التوجيه» بأي حال من الأحوال، فإنه كان لا يزال أكثر دقة للغاية.

Embed from Getty Images

وقدَّر المحلل العسكري ستيفن زالوجا العدد الإجمالي لصواريخ سكود من جميع الأنواع بحوالي 10 آلاف، مع بقاء 5 آلاف إلى 6 آلاف حتى عام 1997. وقدَّر إجمالي إنتاج مركبات الإطلاق بـ800. ولم تعد صواريخ سكود تُنتَج ولم تعد في الخدمة لدى الجيش الروسي.

لم تكن نهاية الحرب الباردة تعني نهاية صواريخ سكود؛ إذ استُخدِم الصاروخ لأول مرة في الصراع خلال الحرب العراقية الإيرانية، عندما استُخدِمت صواريخ سكود الإيرانية، التي اشترتها من ليبيا، ضد المدن العراقية. وبدأ العراق، الذي لم يكن قادرًا على الرد بمهاجمة المدن الإيرانية البعيدة بصواريخ سكود الخاصة به، برنامجًا لتطوير صواريخ بعيدة المدى.

ونتج من ذلك صاروخ الحسين، وهو صاروخ باليستي يصل مداه إلى 499 ميل. وأُطلِق المئات من صواريخ سكود الإيرانية وصواريخ الحسين العراقية خلال الحرب، على أهداف مدنية بالأساس، حيث أطلق العراق وحده 516 من صواريخ سكود- بي إس وصواريخ الحسين على الأراضي الإيرانية.

صواريخ الحسين العراقية

ويشير الكاتب إلى أن العراق استخدم صواريخ الحسين مرةً أخرى في عام 1991، حيث أطلق ما يقدر بـ93 صاروخًا منها ضد إسرائيل والسعودية خلال حرب الخليج. بينما لم يعد عراق صدام حسين موجودًا، استمرت إيران في تطوير الصواريخ الباليستية.

وتعتقد «مبادرة التهديد النووي» أن إيران لديها ما لا يقل عن 200 إلى 300 صاروخ من نوع سكود، مع 12 إلى 18 منصة إطلاق متحركة، و25 إلى 100 صاروخ شهاب-3 المطابق للصاروخ الباليستي المتوسط ​​المدى الكوري الشمالي نودونج، مع ست منصات إطلاق. ونودونج، كما سنوضح لاحقًا، تعود أصوله أيضًا إلى سكود. ومع ذلك، تحذر مبادرة التهديد النووي، التي قدمت الأرقام، من أن هذه الأرقام تعكس الصواريخ المستوردة من الخارج و«لا تأخذ في الاعتبار الإنتاج المحلي الإيراني».

كوريا الشمالية وإيران وتطوير سكود

وفي الوقت نفسه، تمكنت إيران من زيادة مدى صاروخ شهاب-3، مما أدَّى إلى إنتاج قَدْر-1 الذي يبلغ مداه ألف ميل. وقَدْر-1 هو أيضًا المرحلة الأولى من صاروخ «سفير» مركبة الإطلاق الفضائية الإيرانية. وأدَّى التقدم الإيراني الأخير في صواريخ الوقود الصلب إلى توقف البلاد عن مواصلة تطوير أسلحة تستند إلى سكود، لكن صواريخ سكود كانت بلا شك مفيدة في منح أنظمة مثل إيران منصة يعول عليها للبحث والتطوير المبكر.

وكوريا الشمالية أحد المستخدمين والمطورين الرئيسِين لمنصة سكود. وحصلت بيونج يانج على صاروخين من طراز سكود-بي إس من مصر في وقت ما بين عامي 1976 و1981.

Embed from Getty Images

وبدأ مشروع أبحاث الصواريخ الناشئ في البلاد في المضي قدمًا وبحلول عام 1986 كانت قد طوَّرت نسخة محلية الصنع تحمل اسم هواسونج-5، مع زيادة بنسبة 10 إلى 15% في المدى والحمولة.

وأعاد مطلب ضرب القواعد الأمريكية في اليابان علماء الصواريخ الكوريين الشماليين إلى طاولة الرسم، وبحلول عام 1994 كانوا قد طوروا ما أصبح يعرف باسم صاروخ نودونج (Nodong). ويبلغ مدى نودونج 932 ميلًا، أو ما يكفي لضرب جزيرة أوكيناوا اليابانية. ونودونج ليس صاروخًا دقيقًا: حيث تصل نسبة الخطأ الدائري إلى 1.26 ميل.

وصدرت تقنية نودونج إلى إيران لبناء صاروخ شهاب-3. واستُخدِم صاروخ نودونج أيضًا بوصفه أساسًا للصاروخ الباليستي المتوسط​​المدى تايبودونج-1 (لم يعد في الخدمة) واستُخدِم مزيج من محركات نودونج وسكود في إطلاق صاروخ أونها-3 (Unha-3) إلى الفضاء.

إرث صاروخ سكود سيلاحق العالم لعقود

وأفاد الكاتب أن عديدًا من الصواريخ التي تستند إلى سكود أُطلِقت خلال الحرب الأهلية اليمنية المستمرة. ويُزعم أن الصواريخ، المأخوذة من مخزونات الجيش اليمني، باعتها كوريا الشمالية للبلاد. وأطلقت هذه الصواريخ على أهداف تشمل العاصمة السعودية الرياض وكذلك مكة المكرمة.

دولي

منذ شهر
«الإندبندنت»: ما نوع الأسلحة التي استولت عليها طالبان بعد الانسحاب الأمريكي؟

ويصعب الحصول على تقدير دقيق لعدد الصواريخ الباليستية التي أُطلِقت في الصراع. ويكمن أحد الأدلة في بيان أصدرته شركة «ريثون» (Raytheon)، الشركة المصنعة لصاروخ باتريوت، في وقت سابق من هذا العام، زعمت فيه أنه منذ «يناير (كانون الثاني) 2015، اعترضت باتريوت أكثر من 100 صاروخ باليستي في عمليات قتالية في أنحاء العالم».

وفي حين أن صاروخ سكود لم يطلق ولو مرة واحدة في غضب أثناء الحرب الباردة التي صُمِّم من أجلها، فإنه للمفارقة أصبح تهديدًا عسكريًّا كبيرًا في حقبة ما بعد الحرب الباردة. ومنذ ذلك الحين، خرج من الصاروخ نسخ أكثر خطورة – بل الأسوأ من ذلك، خرجت منه برامج أبحاث الصواريخ – على يد الدول المارقة. وفي حين أن صاروخ سكود نفسه سيختفي في النهاية، فإن إرثه سيستمر في ملاحقة العالم لعقود قادمة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد