كتبت لوري والاش، مديرة مؤسسة «جلوبال تريد ووتش» الأمريكية، مقالًا في صحيفة «نيويورك تايمز» عن تداعي دور منظمة التجارة العالمية في الأعوام الأخيرة.

أشارت لوري في مستهل مقالها إلى حدث يعود لنحو 20 عامًا، حين تجمّع 50 ألف شخص في مدينة سياتل الأمريكية للاحتجاج على منظمة التجارة العالمية، التي كانت تعقد اجتماعًا على المستوى الوزاري، لمناقشة خطة حظيت بتأييد كبرى شركات العالم لزيادة سلطة المنظمة على مزيد من جوانب حياة الناس.

تلك الاحتجاجات الكبيرة، التي بُثت عبر التلفاز بجميع أنحاء العالم، أظهرت أن الأمريكيين متحدون مع ملايين المحتجين ضد المنظمة في دول أخرى، والذين طالبوا بقوانين جديدة للاقتصاد العالمي لجعله مفيدًا لمزيد من الناس.

وتوضح الكاتبة أن هذه الاحتجاجات وما تلاها من فعاليات لناشطين في شتى أنحاء العالم، أسهمت في تعزيز مفاوضي البلدان النامية، الذين خرجوا عن مسار خطط منظمة التجارة العالمية للتوسع، لكن المبادئ الأساسية للمنظمة ما تزال تشكل الاقتصاد العالمي.

وتنوه الكاتبة أيضًا إلى أن الرفض العنيد لتغيير هذا النموذج من العولمة، أدى إلى تعزيز رد فعل عنيف عالمي ضد «التجارة»، وفي السنوات الأخيرة جعل المنظمة على شفا الانهيار.

العالم والاقتصاد

منذ 7 شهور
«الجارديان»: أمريكا لم تعد أرض الحرية.. بل نظام احتكاري مفترس

سر صغير عن منظمة التجارة العالمية

تقول لوري إن «السر القذر الصغير» – على حد وصفها – يتمثل في أن منظمة التجارة العالمية لا تتعلق بالتجارة بشكل رئيسي، وبدلًا من ذلك، فإن لها مهمة أساسية في تنفيذ «العولمة المفرطة»، بحسب ما يطلِق عليها الاقتصادي بجامعة هارفارد، داني رودريك؛ وهي فرض قواعد تناسب الجميع في ربوع العالم، تفضلها الأسواق العالمية، وتُقّيد قدرة الحكومات الديمقراطية على تلبية احتياجات مجتمعاتها.

Embed from Getty Images

وتؤكد منظمة التجارة العالمية على القوة التوسعية لوضع قواعد مُلزِمة على مجموعة واسعة من القضايا غير التجارية؛ يتعين على الدول أن تتأكد من توافق قوانينها ولوائحها التنظيمية، وإجراءاتها الإدارية مع قواعد منظمة التجارة العالمية، والمصالح المالية للشركات.

يشمل هذا قيودًا على سياسة الطاقة، والنظام المالي، وأمن الغذاء والمنتجات، وأشكال حماية جديدة للاحتكار؛ لكي تحصل شركات الأدوية على مبالغ أكبر من المستهلكين.

ويشمل ذلك أيضًا قيودًا على سياسة الطاقة والتنظيم المالي، وسلامة الأغذية والمنتجات، فضلًا عن أشكال الحماية الاحتكارية لشركات الأدوية التي تفرض رسومًا إضافية على المستهلكين.

وفي حال لم تمتثل الدول، فإنها تتعرض لعقوبات مالية بملايين الدولارات. ومن بين 242 حالة مكتملة داخل المنظمة، نجحت السياسات الداخلية في 22 قضية– لا يتعلق معظمها بالتجارة– في التغلب على الطعون.

وتضيف الكاتبة: وبالتالي، ألغيت ملصقات بلد المنشأ الموضوعة على اللحوم، والتي كنا نعتمد عليها في متاجر البقالة الأمريكية، بعد أن صنفتها منظمة التجارة العالمية حواجز تجارية غير قانونية، وفرضت عقوبات قدرها مليار دولار. وأجبِرت الولايات المتحدة على الحد من سلطة القوانين بموجب قانون الهواء النقي، وقوانين حماية الدولفين، وقوانين الأنواع المهددة بالانقراض.

دور الولايات المتحدة داخل المنظمة

وتتابع لوري: بالنظر إلى الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في دفع منظمة التجارة العالمية، فإن هناك مفارقة في أن ثلث الطعون التي قررتها المنظمة استهدفت السياسات الأمريكية، والتي ثبت أنها تنتهك قوانين منظمة التجارة العالمية في 90% من الوقت، كما كانت الدول النامية أسوأ حالًا فخسرت 95% من 87 طعنًا.

وقدمت الولايات المتحدة 49 طعنًا ضد دول أخرى، وحصلت على أحكام ضد السياسات الهندية التي تشجع حصول المزارعين الفقراء على البذور، والقيود الأوروبية على الأغذية المعدلة وراثيًّا، وحظر هرمونات النمو الصناعية في اللحوم.

كما استخدمت الولايات المتحدة التهديدات للضغط على تايلاند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا لتغيير سياسات متعلقة بالحصول على أدوية مرض الإيدز وغيرها من العقاقير المنقذة للحياة.

واستغلت الولايات المتحدة التهديدات للضغط على تايلاند والبرازيل وجنوب أفريقيا لإلغاء السياسات المتعلقة بالحصول على أدوية علاج الإيدز، وغيرها من الأدوية المخصصة لإنقاذ الأرواح.

امتداد المنظمة قد يكون مصدر خرابها

تكمل لوري: مؤخرًا، سهّلت منظمة التجارة العالمية إثارة فوضى كبيرة حول تغير المناخ، وقدم الاتحاد الأوروبي واليابان طعونًا ضد الحوافز الكندية على الطاقة المتجددة، وفازت الولايات المتحدة بقضية ضد برنامج الطاقة الشمسية في الهند، ثم هاجمت الهند برامج الطاقة المتجددة في عدة ولايات أمريكية، ورفعت الصين دعوى في العام 2018 ضد إجراءات الطاقة الأمريكية المتجددة الإضافية.

Embed from Getty Images

تستدرك الكاتبة: «لكن امتداد منظمة التجارة العالمية قد يثبت أنه خراب عليها، إذ ستنتهي قدرتها على الفصل في تلك القضايا في 11 من ديسمبر (كانون أول) الجاري، ولن يحظى مجلس مراجعة الطعون الخاص بها بالنصاب القانوني».

وبعد سلسلة من قرارات المنظمة، التي وضعت خلالها المحاكم معايير جديدة لم توافق عليها الدول الأعضاء، والمتعلقة بقضايا مكافحة الإغراق والدعم، شرعت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في الاحتجاج، الذي ضاعفته إدارة دونالد ترامب العام الماضي، وقامت بوقف تعيين محكمي طعون جدد.

ويضيف المقال: إن محتجي سياتل، الذين أثاروا مخاوف بشأن إعطاء مزيد من السلطة لمنظمة التجارة العالمية، قد جرى تجاهلهم بوصفهم مناهضين للتجارة، غير أن مؤيدي المنظمة الذين صنفوها، والصفقات المماثلة «اتفاقات تجارية»، هم من منحوا التجارة سمعة سيئة.

منظمة التجارة العالمية.. وعود كبيرة لم تتحقق

وتشير الكاتبة إلى أنه منذ تأسيس منظمة التجارة العالمية في عام 1995، بالغ مؤيدوها في قيمتها، بوعود كبيرة بمكاسب اقتصادية مذهلة؛ كما صرح الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون: أن المنظمة ستقدم للأسرة الأمريكية المتوسطة 1700 دولار دخلًا إضافيًا سنويًا.

كما صرح وقتها بأن المنظمة ستسهل دخول السوق المفتوحة، ما سيؤدي بدوره إلى خفض العجز التجاري للأمريكيين، وتوفير فرص عمل برواتب كبيرة، وجلب ثروات جديدة للبلد، لكن قواعد المنظمة لم تكن مصممة لتلك النتائج التي لم تتحقق أبدًا.

بدلاً من ذلك، هيمنت مصالح الشركات على المفاوضات التجارية، في حين استبعدت مجموعات العمال والمستهلكين والبيئة بشكل كبير. ولم تكن صدمة أن منظمة التجارة العالمية ليست لديها متطلبات عمالية أو بيئية لرفع الرواتب أو الحد من التلوث، أو أنها تضع سقفًا لكنها لا تضع حدًّا أدنى لمعايير سلامة المستهلك.

كما لا توجد قواعد لضبط الشركات الاحتكارية الكبيرة، التي تشوه الأسواق العالمية أو تكافح التلاعب بالعملة، ما يخلق مزايا تجارية غير عادلة.

هل تنقذ منظمة التجارة نفسها؟

تؤكد الكاتبة أن بعض العمال الأمريكيين غاضبون، فقد حفزهم خطاب دونالد ترامب التجاري بعد أن تلقوا وعودًا متكررة بمكاسب ضخمة من الاتفاقات التجارية.

بطبيعة الحال، لم تنته المنظمة لكن السؤال هو: هل سترى الأزمة الوشيكة وتتخذ إصلاحات ضرورية لإنقاذ نفسها؟

وتضيف: خلال حِقبة منظمة التجارة العالمية، خسرت الدول المتقدمة ملايين من وظائف الصناعة، ذات الرواتب العالية، لاسيما بعد أن انضمت الصين في العام 2001، مما زاد بشكل كبير عدم المساواة في الدخل بين الدول الغنية والفقيرة وداخل الدول.

بطبيعة الحال، لم تنته المنظمة لكن السؤال هو: هل سترى الأزمة الوشيكة وتتخذ إصلاحات ضرورية لإنقاذ نفسها؟

تجيب لوري: من غير المرجح أن تفعل المنظمة ذلك؛ فأولويتها الحالية هي وضع قيود جديدة على اللوائح المتعلقة بالتجارة الإلكترونية وخصوصية البيانات، في وقت يطالب فيه معظم الأشخاص ببعض الضوابط على الصناعة.

هذا أمر سيئ – بحسب الكاتبة – نظرًا إلى أن هيئة التجارة العالمية الأصلية، وهي منظمة التجارة العالمية التي تأسست عام 1948، توفر أساسًا جاهزًا لوضع قواعد تجارية عالمية أفضل.

ومع التركيز على التوظيف الكامل، والمنافسة العادلة في أعقاب الخروج من أهوال الحرب العالمية الثانية، أدرجت منظمة التجارة العالمية معايير عمل، وأحكام مضادة للاحتكار، وقواعد منع غش العملة؛ لضمان حصول مزيد من الأشخاص على فوائد التجارة.

لكن مجلس الشيوخ الأمريكي منع مشاركة البلاد في المنظمة، وهو ما يعني القضاء عليها بشكل فعَّال. وهذه الرؤية المختلفة للغاية لنظام تجاري عالمي قائم على القواعد، ما يزال من الممكن تحقيقها حالما اتفقنا على أنه من المفترض أن يعمل النظام لصالح الناس حول العالم، وليس لصالح الشركات الكبرى في العالم.

وتختم الكاتبة مقالها بقولها إنه «بعد 20 عامًا من سياتل، ما يزال لدينا عمل نؤديه».

أبحاث ودراسات

منذ 7 شهور
هل يفضل الأمريكيون الاشتراكية على الرأسمالية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد