682

تكمن أهمية مذكرات «كيلنر» في ذكرها الجرائم التي ارتكبت ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية.

قد يتساءل البعض متعجبًا: ألم يكن هناك معارضون للنازية بين صفوف الألمان، بطبيعة الحال، من الصعب أن يعلن شخص ما معارضته قرارات الحزب الحاكم أو أفعاله في ظل نظام قمعي وحشي، إلا أن الآن وبعد مرور ما يزيد على نصف قرن من الهولوكوست ظهرت إحدى المذكرات السرية لأحد المسؤولين الألمان المعارضين للرايخ الثالث أثناء فترة الحرب العالمية الثانية. وحسب ما ذكره موقع «هيستوري إكسترا»، التابع لوكالة بي بي سي البريطانية، في تقرير تناول أهم ما جاء في المذكرات، فإن المذكرات نشرت بداية بلغتها الأم، ثم ترجمت لاحقًا للإنجليزية في إصدار لجامعة كامبريدج.

يستهل التقرير بمقدمة مختصرة حول صاحب المذكرات، يُذكر فيها أن أحد المسؤولين الألمان ويُدعى «فريدريك كيلنر» في الفترة بين عامي 1939 و1945، احتفظ بدفتر يوميات سري، معرضًا حياته للخطر بتسجيل بعض الأعمال الوحشية التي وقعت خلال الحرب العالمية الثانية، في ما يلي يسرد حفيده «روبرت كيلنر» قصته المميزة، وينشر بعض ملاحظات جده بشأن الحياة في ألمانيا إبان حكم الرايخ الثالث.

صورة «أوغست فريدريك كيلنر» (1885– 1970)

في عام 1960، تتبع الجندي الأمريكي «روبرت سكوت كيلنر» أثر جده الألماني «فريدريك كيلنر»، توقع «روبرت» الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 19 عامًا أن يجد أشياء تتعلق بالنازية، لكنه اكتشف بدلًا من ذلك قصةً استثنائية لكفاح رجل ضد الشمولية الاستبدادية، وفي وقت لاحق كشف «كيلنر» عن مذكرات جده السرية أيام الحرب، والتي تُرجمت من الألمانية، ونُشرت بالإنجليزية في وقت سابق من هذا العام.

كان «أوجست فريدريك كيلنر» (1885– 1970) يسير في حياته وفق فلسفتين بسيطتين: عامل الآخرين بإنصاف، كما تحب أن تُعامل، وقدم الخير على الشر دائمًا. ففي خضم المسيرات السياسية في عشرينيات القرن الماضي بألمانيا، رفع كتاب أدولف هتلر «كفاحي»، وهتف: «جوتنبرج، لقد انتهكت حرمة مطبعتك بطباعة هذا الكتاب الشرير»، لم يعلم حينها أن مذكراته ستنشر ذات يوم في كتاب بعنوان «معارضتي»، وسيكون موضع ترحيب في يوم ما باعتباره فكرًا مناوئًا لعقيدة هتلر النازية.

تكمن أهمية مذكرات «كيلنر» في ذكرها الجرائم التي ارتكبت ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، كما وفرت أدلة لمدى إدراك الشعب الألماني النوايا النازية بالانتقال من المذابح المنظمة مثل مذبحة «ليلة الكريستال» إلى الإبادة الجماعية. ففي السابع من أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1939، وبعد أسابيع قليلة من اجتياح ألمانيا بولندا، وضع «كيلنر» قائمةً من الأخطاء النازية التي ستكون سببًا في سقوطها في نهاية المطاف، وجاء البند السابع من القائمة تحت عنوان «اضطهاد اليهود وإبادتهم».

أكثر الأعمال الوحشية مقتًا

لا أعرف عقوبة كافية يمكن تطبيقها قصاصًا من هؤلاء الوحوش النازيين. *أوجست فريدريك كيلنر

لم يمض وقت طويل حتى تحققت نبوءة «كيلنر»، إذ سجل في يومياته بتاريخ 28 أكتوبر من عام 1941، شهادات جنود شهدوا عيانًا على الفظائع التي ارتكبت في الجزء المحتل من بولندا، إذ صُفَّ اليهود عُراةً رجالًا ونساءً أمام خندق طويل وعميق، ومن ثم أُطلقت النار على رؤوسهم من الخلف، وسُمِع دوي الصرخات، بينما انهال التراب على الضحايا في الخندق لملئه. كتب «كيلنر» في مذكراته: «لا أعرف عقوبة كافية يمكن تطبيقها قصاصًا من هؤلاء الوحوش النازيين»، وأضاف أن «99% من الشعب الألماني يحمل بشكل مباشر أو غير مباشر الذنب في ما آلت إليه الأوضاع الحالية».

صورة مقتطفة من مذكرات «كيلنر» يتضح فيها تضمينه لقصاصات مأخوذة من الصحف الصادرة حينها

يشير التقرير إلى أن «كيلنر» تساءل في مذكراته حول سبب حدوث كل هذه الأعمال الوحشية؟ ليأتي جوابه الصادم بأن «لا بد من إبادة اليهود لأنهم أكثر ذكاءً من الشعب الألماني»، كان ذلك تفسير «كيلنر» التهكمي اللاذع. أشار إلى القضاة، والمحامين، والأطباء، والمهنيين بشكل عام -من وجهة نظره- باعتبارهم «أسوأ المعادين للسامية» فقط بدافع «الغيرة المهنية»، وقد صرح «كيلنر» مدفوعًا بتعاطف فطري أن «جعل اليهود شعبًا بلا حقوق، أمر لا يليق بأمة متحضرة»، وأضاف أن «لعنة هذا الفعل الآثم سوف ترتد بقسوة على الشعب الألماني بأكمله».

وبعد مرور شهرين من تلك الواقعة، ذكر «كيلنر» أن اليهود نُقلوا خارج البلاد؛ لم يعلم بالضبط إلى أين أُرسلوا، لكنه كان متيقنًا أنهم كانوا يتجهون إلى حيث يلقون حتفهم بلا شك. لم يمض وقت طويل حتى تأكد ارتيابه؛ إذ كتب في 16 سبتمبر (أيلول) من عام 1942: «لقد نما إلى مسامعي من مصدر موثوق أن جميع اليهود الذين نُقلوا إلى بولندا، قُتلوا على يد فرقة من قوات شوتزشتافل»، ووصف الحادث قائلًا: إن «عملًا وحشيًّا من هذا القبيل لا يُمكن أن يُمحى من ذاكرة التاريخ الإنساني».

من هو «فريدريك كيلنر»؟

وُلد «فريدريك كيلنر» في ألمانيا عام 1885، وبعد تخرجه في المدرسة الثانوية، تعين في منصب موظف حكومي مبتدئ في النظام القضائي للإمبراطورية الألمانية، أدى الخدمة العسكرية رقيبًا في سلاح المشاة خلال الحرب العالمية الأولى، إلى أن أُصيب بشظية قذيفة في فرنسا. خلال الفترة التي قضاها في ميادين القتال، شكك في الاستراتيجية الرعناء للقيادة العليا، وسعي الإمبراطور المحموم إثر المجد، وعلى الرغم من استعداده للتضحية بحياته لحماية وطنه، لم ير أي معنى لموت جندي ألماني في فرنسا، بسبب قتل صربي نمساويًّا في البوسنة.

صورة «كيلنر» في غرفة معيشته عام 1938 مأخوذة من أرشيف العائلة

شكلت خسارة الحرب العالمية الأولى، وانهيار الإمبراطورية الألمانية بارقة أمل، واحتمالات وتحديات جديدة لـ«كيلنر»، وزوجته «بولين بريوس»، وابنهما «كارل فريدريك فيلهلم»، رُقي «كيلنر» إلى منصب مفتش عدالة، وهي وظيفة تتضمن مهامها إدارة سجلات المحكمة. وكان ينظم في وقت فراغة حملات لصالح الحزب الديمقراطي الاجتماعي، من أجل حماية الديمقراطية الوليدة من انتهاكات الأحزاب ذات الأجندات الشمولية، بداية من الشيوعيين، وانتهاءً بالاشتراكيين القوميين.

وبينما كان الاقتصاد العالمي يعاني من الانهيار العظيم عام 1929، وكذلك اكتساب النازيين قوة متنامية في ألمانيا، تولى «كيلنر» وظيفة مدير محكمة في بلدة لوباش الصغيرة، إذ لم يكن معروفًا بآرائه السياسية. ولسوء الحظ، كان رئيس المحكمة، القاضي «لودفيج شميت» نازيًّا متشددًا، لذا لم يثر رفض «فريدريك» الانضمام إلى الحزب النازي شكوك القاضي وعداوته فحسب، بل أثار شكوك عمدة البلدة «أوتو هوجي» أيضًا، فضلًا عن زعيم التجمع النازي المحلي «أوتو بوت».

كتب «إرنست مونيج»، زعيم التجمع المحلي لمنظمة الرعاية القومية الاشتراكية للمواطنين في أحد التقارير النازية حول «فريدريك»، أن «سلوك كيلنر له تأثير سيئ على بقية الأمة»، وأضاف: «نرى أنه لا بد من إبعاده عن لوباش».

المذكرات السرية

الغطرسة قد بلغت حدًّا لا يمكن تصوره في كافة طبقات المجتمع، وتولد إيمان لا يخالجه ريب في قوة الأسلحة الألمانية. *كيلنر

حسب ما جاء في التقرير، عندما أمر هتلر باجتياح بولندا عام 1939، بدأ «كيلنر» بتدوين ملاحظاته في شكل يوميات، والتي بلغت في نهاية المطاف قرابة 900 صفحة، وعقد العزم على تسجيل جرائم النازية، وانصياع الشعب الألماني الساحق وموافقته على هوس الفوهرر بغزو أوروبا.

صورة تجمع «كيلنر» وزوجته «بولين» في الذكرى الأولى لزواجهما عام 1914

ومن خلال كتابته تلك اليوميات، حمل «كيلنر» على عاتقه مهمةً قد تؤول به وزوجته «بولين» إلى حبل المشنقة بتهمة الخيانة، كان «كيلنر» خاضعًا لمراقبة قوات شوتزشتافل على أية حال، وفي أوائل عام 1940، استجوب مرتين حول آرائه السياسية، من حسن حظه، أن وضعه باعتباره مسؤولًا قضائيًّا من الفئة المتوسطة شكل عائقًا أو بالأحرى حصنًا أمام النازيين، إذ لا بد من توافر مزيد من الأدلة قبل اعتقاله. قال «هيرمان إنجست»، مدير السياسات النازي: «إذا أردنا أن نوقع بأشخاص على شاكلة شخصية كيلنر، فلا بد لنا أن نستدرجهم خارج أماكن تحصنهم، ونتيح لهم فرصة تجريم أنفسهم بأنفسهم».

وضعت «بولين» -زوجة كيلنر- تحت مراقبة قوات شوتزشتافل أيضًا، وواجهت مشاقًا عظيمة في سبيل تجنبها أداء التحية النازية، وتجنب المواقف التي توجب عليها قول تحية «هايل هتلر». وعلى الرغم من المرات العديدة التي أتت فيها زعيمات المنظمات النازية النسائية إلى دار المحكمة لإقناعها بالانضمام إلى منظماتهن، إلا أن «بولين» كانت تجيب بالرفض دائمًا. كتب «كيلنر» في مذكراته حول تلك المحاولات أن «على الرغم من جهودهن وتهديداتهن المتكررة، لم تملأ زوجتي استمارةً واحدة للانضمام إلى أي من تلك المنظمات»، وأضاف: «أود أن أشير إلى أنه نادرًا ما تجد في شتى أنحاء ألمانيا، زوجات مسؤولين أظهرن القدر نفسه من الشجاعة».

عبر «كيلنر» في مذكراته أنه خلال الفترة التي سبقت الحرب، لم يستطع أن يفهم أسباب عدم تصدي الحلفاء لهتلر عندما بدأ في إعادة تسليح ألمانيا، في انتهاك صريح لمعاهدة فرساي، وكذلك لم يستطع فهم سبب استرضائهم لهتلر عندما طالب بجزء من تشيكوسلوفاكيا عام 1938، وكتب «كيلنر» في مذكراته أن الحكومة الفرنسية كانت «تراقب بهدوء»، بينما كان غريمهم التاريخي يزداد قوةً فوق قوتة. كما فشل تشامبرلين، رئيس الوزراء البريطاني آنذاك -«الأخرق» حسب وصف «كيلنر»- في اتخاذ إجراء حاسم عندما كانت هناك حاجة ماسة لذلك، واختتم «كيلنر» قائلًا: «بصفته أهم رجل دولة على ساحة القوى الدولية، كان يتوجب عليه لزامًا أن يواجه أي هجوم برد فوري حاسم».

كان لدى «كيلنر» سبب آخر لمعارضته موقف الحلفاء، إذ توقع أن تنتهي الحرب سريعًا؛ ولكن بعد عدة أشهر من اجتياح ألمانيا بولندا، بدا أن إنجلترا وفرنسا بدءا التصرف كما لو أن حربًا لن تندلع على الإطلاق، وذلك حسب رأي «كيلنر»، وبدلًا من مماطلتهما من أجل بناء قواتهما المسلحة، أمطرا ألمانيا بالمنشورات الدعائية؛ فما كان من «كيلنر» إلا أن يتساءل متعجبًا: «أين الأسطول الإنجليزي؟».

وفق رأي «كيلنر»، فإن اتخاذ الحلفاء موقفًا متحفظًا ومتراخيًا، لا سيما بعد أن جرت الفيرماخت الألماني (قوة الدفاع الألمانية من جيش وبحرية وقوات جوية) العالم إلى حرب خاطفة، أدى بالتبعية إلى تفاقم غطرسة الشعب الألماني، إذ أنزلت الصحف النازية، التي يتحكم فيها وزير الدعاية «جوزيف جوبلز»، شديد سخطها وازدرائها بروزفلت وتشرشل، فعلى سبيل المثال، كتب أحد الكتاب الألمان آنذاك أن التصرف الصحيح الذي يتوجب على الأمريكين فعله يتمثل في «وضع رئيسهم المريض في أحد دور الرعاية الصحية»، وكان تعليق «كيلنر» على ذلك «أن الصحافة الألمانية قد بلغت أدنى مستويات الانحطاط».

قصاصة ضمن مذكرات كيلنر مأخوذة من إحدى الصحف الألمانية، توضح رسمًا كاريكاتوريًّا يسخر من تشرشل

ذكر «كيلنر» متحدثًا عن الشعب الألماني في مذكراته أن «الغطرسة قد بلغت حدًّا لا يمكن تصوره في كافة طبقات المجتمع، وتولد إيمان لا يخالجه ريب في قوة الأسلحة الألمانية»، وأضاف: «الجميع يرددون أن إنجلترا سوف تُمنى بهزيمة نكراء سريعة، ودمار كامل. إذ روج الدكتور «غوبلز» -وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر- أن الألمان نجحوا بالفعل في إغراق الأسطول الإنجليزي بالكامل، لذا فلا حاجة للجماهير الساذجة بالقلق حيال أي شيء».

إلا أن التقرير يشير إلى أن ما أفزع صاحب تلك المذكرات حقًّا، هو البيانات العدوانية الهجومية التي كان يصدرها البالغون، ويتلقفها الشباب الصغير ليقتنعوا بها ويتبنوها بكل سهولة، يقول «كيلنر» في مذكراته: «لُوثت أدمغة الشباب من خلال بث روح أدولف هتلر فيهم»، ولا شك أنه قال ذلك متأملًا حال ابنه الصغير «كارل فريدريك فيلهلم» أو (فريد)، إذ أرسله إلى الولايات المتحدة عام 1935 في محاولة منه لتطهير ذهنه من الدعاية النازية، وبالأخذ بعين الاعتبار كل ما ناضل من أجله «كيلنر» وزوجته في السنوات التي تلت ذلك، كان من عناية القدير أنهم لم يسمعوا قط عن حقيقة أنشطة فريد في أمريكا، إذ ارتبط ابنه بأعضاء رابطة الأمريكيين من أصل ألماني الداعمين للنازية في نيويورك، وفتح مكتب التحقيقات الفيدرالي في مارس (آذار) عام 1943 تحقيقًا حول «أنشطة العدو الغريب الداعم للنازية» في المدينة.

يبدو واضحًا في مذكراته أن «كيلنر» لطالما اندهش من كيفية استمرار إعجاب أبناء بلده بهتلر وتبجيله، لا سيما في الوقت الذي أنزلت «العدالة النازية» عقوبات مروعة ببعض المواطنين الألمان. دون «كيلنر» في يومياته كيف تحولت بعض المصحات العقلية إلى «مراكز قتل»، بحيث تتحول الطواقم الطبية تماشيًا مع الأجندة النازية إلى قتل مرضاهم بدلًا من إنقاذهم، ذكر «كيلنر» في مذكراته كيف ألحق «هاينريش هيملر» -قائد الجستابو (الشرطة السرية الرسمية لألمانيا النازية)- ضررًا «قاسيًا وحشيًّا دون أدنى رحمة» بكل من مر بمراكزهم، وكذلك وجد تسجيلات لعشرات المقالات الصحافية التي تحدثت عن «محاكم الشعب»، التي أصدرت أحكامًا بالإعدام على كل من قُبض عليه يستمع إلى بث إذاعي أجنبي، بما في ذلك البث الإذاعي الصادر من هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، فضلًا عن أن العقوبة نفسها صدرت بحق مجموعة مختلفة من المخالفات، كالإعدام بسبب التقاط المنشورات التي تلقيها طائرات الحلفاء دون تسليمها للشرطة، والإعدام بسبب تخزين الطعام سرًّا، والإعدام لمجرد إشارة شخص ما أن الحرب لا تسير في المسار الصحيح.

صورة مقتطفة من دفتر يوميات كيلنر توضح ما ذكره حول البند السابع لخسارة ألمانيا 

أقدمت قوات شوتزشتافل، وفرق الجيش النظامية على إعدام عشرات المواطنين الأبرياء في الدول التي احتلتها ألمانيا، مقابل كل جندي ألماني قُتل على يد جيوش الحلفاء، وعندما أُطلقت النيران على ضابطين ألمانيين من مجهولين في مدن نانت وبوردو الفرنسيتين، قُبض على 50 مواطنًا فرنسيًّا من كل بلدة، ثم أُعدموا انتقامًا لمقتل الضابطين.

كتب كيلنر في يومياته بتاريخ 26 أكتوبر من عام 1941، أن «العالم سوف يشعر بسخط كبير بسبب هذا القدر من البربرية، وستشتعل نار كراهية لا يمكن إخمادها»، في ألمانيا، نُشرت أخبار تلك الأعمال الوحشية في الصحف اليومية حتى يتسنى لكل مواطن ألماني قراءتها، أما بالنسبة لما لم يُنشر في وسائل الإعلام الألمانية، كان معروفًا على نطاق واسع، على سبيل المثال، علم «كيلنر» من أحد الجنود المُصابين الذي كان يُعالج في أحد المستشفيات، أن بعض الترتيبات كانت تجري لقتل أسرى الحرب من الروس، وهو وصفهم في وقت لاحق في مذكراته بأنهم «رجال عصابات همجيون».

إرث كيلنر

يجب ألا يُسمح لهؤلاء الحيوانات المتوحشة أن تنهض مرة أخرى أبدًا.

عندما وضعت الحرب أوزارها، وحوكم القادة النازيين في نورمبيرج، عُين «كيلنر» عضوًا في مجلس المدينة في بادئ الأمر، ثم نائبًا لعمدة لوباش، حيث لعب دورًا حيويًّا في استبعاد الأعضاء المحليين للحزب النازي من مهنهم ووظائفهم العامة، ودعا في كثير من صفحات يومياته بضرورة إنزال العقاب بالأطراف المذنبة، إلا أن الحرب نفسها أنجزت جانبًا كبيرًا من هذا الأمر، مخلفةً عددًا كبيرًا من الأرامل والأيتام في مدينة لوباش والقرى المحيطة بها. عندما غادر منصب نائب عمدة لوباش، ساعد «كيلنر» في إعادة بناء فرع الحزب الديمقراطي الاجتماعي في لوباش، ومن ثم انتخبه الأعضاء لتولي رئاسته.

اجتمع شمل كيلنر وزوجته بابنهما «فريد» في أبريل (نيسان) من عام 1946، إذ حضر إلى لوباش مرتديًا زي الجيش الأمريكي. حينها، بلغ الشاب اليافع الذي أُرسل إلى الولايات المتحدة قبل 11 عامًا، عامه الثلاثين، وبينما تجول في رحلة عبر وطنه الأم، بدت علامات الصدمة من هول الدمار جلية على عينيه، وبطبيعة الحال لم يُخبر والديه بشأن تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي، ولا عن اضطراره للانضمام إلى صفوف الجيش إثباتًا لولائه، وكذلك لم يخبرهم عن حقيقة هجره لزوجته، مدعيًا أنها هجرته بدلًا من ذلك. ولم يخبرهم أيضًا أنه كان ينوي كسب رزقه من السوق السوداء، فعلى مدار السنوات القليلة اللاحقة، لم يكن قادرًا على التأقلم والتعامل مع الخيارات الخاطئة التي اتخذها، وفقد رباطة جأشه رويدًا رويدًا، لينتهى به الحال منتحرًا وقد بلغ 37 عامًا، تاركًا والديه في دمار نفسي رهيب.

صورة تجمع كل من كيلنر وزوجته بولين، مع حفيدهما روبرت سكوت كيلنر عام 1968

يقول حفيد «كيلنر»، مرت سنوات سبع أخرى قبل أن يطرق بابهم، مرتديًا زي البحرية الأمريكية، عام 1960، حاملًا صورة ابنهم -والده- في جيبه. ويضيف أنه على مدار السنوات العشر الأخيرة من عمري جده وجدته، عمل كلاهما على تدريسه مذكراتهما، وإفهامه جيدًا الفرق بين الصواب والخطأ، والخير والشر البين فيها. وعلى الرغم من أن انتشار تلك المذكرات وطباعتها استغراق عقودًا طويلة، حتى طبعت أخيرًا بلغتها الأم في بادئ الأمر، ثم في إصدار جامعة كامبريدج باللغة الإنجليزية حاليًا، فإنها حسب رأيه ظهرت في وقت هناك حاجة ماسة لمثلها.

يشير التقرير إلى أن تلك الفترة هي بمثابة فترة عصيبة بالنسبة لحقبة الرايخ الثالث التي نُبذت من الذاكرة الحية للتاريخ، فكانت صرخة كل من ناضلوا سواء جنود الحلفاء الذين حاربوا النازية من أجل تحرير أوروبا، أو حتى آخر الناجين من الهولوكوست، الذين كرسوا حياتهم لرواية شهادتهم على المفسدة التي ألحقها النازيون بالحضارة الإنسانية، صرخةً لكي لا يقع القادة الديمقراطيون فرائس لخداع طغاة الأنظمة الشمولية مرة أخرى.

وفي ما يخص «فريدريك كيلنر»، فإن مذكراته السرية بمثابة بثًّا حيًّا مستمرًا لا يمكن دحضه من داخل الرايخ الثالث للأجيال القادمة، علم «فريدريك» أن هناك آخرين على شاكلة النازيين، سيكونون موجودين على الدوام، وسيسعون إلى السلطة بغض النظر عن الثمن الذي سيدفع من دماء الأبرياء، فكتب بوضوح في مذكراته أنه «يجب ألا يُسمح لهؤلاء الحيوانات المتوحشة أن تنهض مرة أخرى أبدًا»، وأضاف: «لكم أود أن أكون موجودًا في تلك المعركة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك