أحدث جيش الفايكنج العظيم فوضى عارمة في صفوف الممالك الأنجلو-ساكسونية (كانت سبع ممالك رئيسة: نورثمبريا ومرسيا وأنجليا الشرقية وإسكس وكينت وسوسكس وسيكس) في إنجلترا خلال السنوات التي امتدت منذ عام 865 حتى عام 878 ميلادية، ولكن ما حجم معرفتنا عن هيكل ذلك الجيش ودوافعه وتأثيره؟

هذا ما يتناوله البروفيسور جوليان ريتشاردز، من جامعة يورك، في بث صوتي تحدث فيه إلى الدكتور ديفيد موسجروف ونشرته مجلة «هيستوري إكسترا» التابعة لإذاعة «بي بي سي» البريطانية للوقوف على أسباب اختلاف «جيش الفايكنج العظيم»، الذي كان يُعرف أيضًا باسم «الجيش الوثني/الدنماركي العظيم»، عن أي قوة فايكنج معروفة في الماضي.

سياسة

منذ 4 سنوات
جماعات الدم: «الفايكنج» الذين روعوا أوروبا ووصلوا إلى شواطئ أمريكا والأندلس

وفي البداية، يقول البروفيسور استقينا ما نعرفه عن جيش الفايكنج العظيم من خلال مراجع موجزة للغاية ورد ذكرها في الوقائع الأنجلوسكسونية. وتشير هذه الوقائع إلى أن «mycel hæen أو مايسيل هايين» – بمعنى «الجيش العظيم» باللغة الإنجليزية القديمة – هبط إلى شرق أنجليا في عام 865م، ومن ثم تروي هذه الوقائع بالتفصيل أين تحرك الجيش العظيم والمعارك التي خاضها وأين أمضى فصول الشتاء على وجه التحديد.

وبهذا علمنا أن هذا الجيش استمر في القتال ضد مختلف الممالك الأنجلو ساكسونية في طول البلاد وعرضها حتى عام 878 ميلادية، ومن ثم تجرَّع مرارة الهزيمة على يد ألفريد العظيم (مؤسس إنجلترا) في معركة إدينجتون، التي دارت رحاها في جنوب غرب إنجلترا.

Embed from Getty Images

1- الجيش العظيم وقوى الفايكينج السابقة

يلفت البروفيسور إلى أن الجيش العظيم لم يتَّبع الإستراتيجيات نفسها التي اتَّبعتها جيوش الفايكنج السابقة، وهذا سبب تميزه، وكانت جيوش الفايكنج السابقة تعتمد على الكر والفر، حيث كانت تُغِير على أديرة ساحلية معزولة تمامًا وغير محمية للاستيلاء على العبيد والكنوز الموجودة داخل تلك الأديرة.

لكن الجيش العظيم كان يتبنَّى خططًا إستراتيجية للبقاء لمدة أطول بهدف الاستيلاء على الأرض، حتى انتهى به الأمر إلى الاستيطان الدائم، وكانت هذه النقطة تعد تغيُّرًا ملحوظًا في إستراتيجية الفايكنج، وكانت الجيوش اللاحقة تأتي للغزو السياسي وليس لمجرد المداهمة المؤقتة.

2- الفايكنج ينتهز الفرص أملًا في تحقيق النجاح

يرى البروفيسور أن سبب هذا التغيُّر الإستراتيجي تمثل في ظهور الفرص أمام الجيش العظيم، وبينما كانت بعض قوات الجيش العظيم تشن غارات على أيرلندا وأوروبا القارية خلال العقد الذي امتد من عام 850 حتى عام 860 ميلادية، تنامى إلى أسماع الجيش العظيم أن هناك اقتتالًا داخليًّا كبيرًا بين الممالك الأنجلو ساكسونية الأربعة الرئيسة في إنجلترا (مرسيا، أنجليا الشرقية، نورثمبريا، وسيكس).

وأثناء غاراتهم الساحلية، التي كانت شبه استكشافية في غالب الأحيان، رأى الفايكنج الثروة التي كانت تنعم بها إنجلترا، لا سيما داخل الكنائس والأديرة.

Embed from Getty Images

وعندما تأزَّمت الأمور في أوروبا القارية في ستينيات القرن الثامن عشر الميلادي، بعدما أصبحت الإمبراطورية الكارولنجية (إمبراطورية الفرنجة تحت حكم سلالة الكارولينجيين ويُعدَّوا مؤسسي فرنسا والإمبراطورية الرومانية) أكثر تنظيمًا وتستطيع هزيمة جيوش الفايكنج، رأوا أن فرصة الفوز بالغنائم ستكون أفضل في إنجلترا.

3- لم يكن متماسكًا كما يمكن أن نتوقع

يشير البروفيسور إلى الرابطة بين صفوف الجيش العظيم كانت فضفاضة؛ إذ كانوا عبارة عن جماعات محاربة مختلفة نشأت في أجزاء من الدول الإسكندنافية، وربما التحق بهم محاربون أثناء غاراتهم على أيرلندا وأوروبا القارية. ومن المحتمل أن يكون قد انضم مرتزقة آخرون إلى صفوف الجيش العظيم، وربما كانت هناك منافسة كبيرة بين القادة المختلفين لهذه العصابات الحربية المتعددة.

4- مجموعات محاربة أخرى تنضم إلى الجيش

ألمح البروفيسور إلى أنه في مرحلةٍ ما، كان هناك جيش صيفي ينضم إلى الجيش العظيم ليكثِّر سواده حتى يتمكن من اجتياز فصل الشتاء. لكن بعد أن قضى الجيش فصل الشتاء في ريبتون من عام 873 حتى عام 874 ميلادية، انقسم الجيش واتجهت مجموعة شمالًا واتجهت مجموعة أخرى إلى شرق أنجليا. ولم يكن الجيش دائمًا قوة واحدة.

5- شخصيات ذات إستراتيجيات مختلفة

يوضح البروفيسور أن هناك اسمًا ظهر في المصادر، وهو أوبا، لكن للأسف، لا نعرف كثيرًا عنه، ولكننا نعرف كثيرًا عن شخصيات مثل جوثروم، أحد القادة الأصليين للجيش العظيم.

وبعدما انقسم الجيش في المدة من 873 حتى 874 ميلادية، اتجه جوثروم نحو أنجليا الشمالية وهزمه ألفريد العظيم في معركة إيدنجتون. وطلب ألفريد من جوثروم اعتناق المسيحية، وانتهى الأمر بتعميده مع ثلاثين من رفاقه المحاربين، وأصبح ملكًا فيما بعد.

وهناك أيضًا هالفدان، وهو قائد آخر للجيش العظيم، والذي اتجه إلى نورثمبريا بعد انقسام الجيش، حيث استولى على أرض نورثمبريا، وبدأ في حرثها وزراعتها لتدعيم صفوفه.

وهناك قائد آخر هو إيفار الكسيح، ونعتقد أنه كان أحد القادة الأوائل الذين هبطوا في عام 865 ميلادية، وربما كان حاضرًا في ذلك الشتاء في المدة من عام 873 حتى 874 ميلادية، ويرتبط ذِكْر إيفار الكسيح بإقامة معقل في مملكة مرسيا الأنجلو ساكسونية، مع أنه ربما ذهب إلى أيرلندا في مرحلة ما.

6- لم يكن الجيش العظيم منتصرًا دائمًا

ينفي البروفيسور أن الجيش العظيم كان يحقق الانتصارات في كل المعارك التي يخوضها؛ إذ بعدما استولى الجيش العظيم على يورك، التي كانت في البداية عاصمة نورثمبريا، طُرِدوا منها، واضطروا للعودة للاستيلاء عليها مرةً أخرى، ولكن الفكرة العامة الواردة في الوقائع الأنجلوسكسونية تشير إلى أنهم كانوا ينتصرون في معظم معاركهم.

Embed from Getty Images

والسبب في ذلك جزئيًّا يرجع إلى أن إنجلترا كانت مقسَّمة إلى عدة ممالك، ووفقًا لكاتب سيرة الملك ألفريد، لم يكن الأمر كذلك حتى عام 878 ميلادية بعدما تمكن من بناء جيش قوي، وكانت أول هزيمة كبرى يتعرض لها الجيش العظيم على يد الملك ألفريد.

7- لم نعرف كثيرًا عن الجيش العظيم حتى وقت قريب

ينوه البروفيسور إلى أنه كان هناك تنقيب عن الآثار في ريبتون، والذي لم يكن يستهدف في البداية جيش الفايكنج العظيم، بل كان الهدف منه البحث عن كنيسة مرسية وضريح سانت ويستان، لكن هذا التنقيب وجد بعض مدافن الفايكنج وأدلة على أن ما وجدوه كان جزءًا من معسكر الفايكنج، وكان هذا هو المعسكر الوحيد الذي اكتشف على الإطلاق.

يوضح البروفيسور أن معرفتنا بجيش الفايكنج العظيم بدأ من خلال عناصر معدنية مفقودة وجدها خبراء الكشف عن المعادن وأبلغوا عنها برنامجًا يديره المتحف البريطاني.

وهناك موقع محدد أصبحنا مهتمين به في قرية تسمى توركسي بمقاطعة لينكولنشاير، والتي كانت جزءًا من مملكة مرسيا وتقع على نهر ترينت. وأتى ذِكْر توركسي في الوقائع الأنجلو ساكسونية على أنها مكانًا قضى فيه جيش الفايكنج العظيم فصل الشتاء قبل أن يكونوا في ريبتون.

وبعد مرور السنين، بدأ أخصائيو الكشف عن المعادن في اكتشاف بعض الاكتشافات المذهلة شمال القرية. وكانت في الغالب عملات معدنية وسبائك ومجوهرات فضية، وهذه الاكتشافات مألوفة لعلماء آثار الفايكنج، ووجدنا عملات أنجلو سكسونية من نورثمبريا والتي لا توجد عادة في مرسيا، وقطع من المجوهرات الأيرلندية وكثير من الكتب.

8- الجيش العظيم كان أكبر بكثير مما كنا نظنه في البداية

يقول البروفيسور: عملنا مع الكاشفين لتحديد مصدر الاكتشافات، وكانت منطقة أكبر بكثير من المعسكر الذي اكتُشِف في ريبتون، وتبلغ مساحة هذه المنطقة نحو 55 هكتارًا، أي ما يساوي حجم 75 ملعبًا لكرة قدم!

تاريخ

منذ سنة واحدة
مترجم: قائد الفايكنج الأسطوري.. تعرف إلى قصة راجنار لوثبروك الحقيقية

لقد غيَّر هذا الاكتشاف انطباعنا عن حجم الجيش العظي؛ حيث إن الجيش المعسكر في ريبتون يمكن أن يتكون من بضع مئات فقط، في حين أن ما وجدناه في تورسكي والمخيمات الأخرى المُكتَشفة حديثًا يشير إلى أن حجم الجيش أكبر بكثير.

وبعد هذه الاكتشافات باستخدام المعادن، أصبح بمقدورنا تتبُّع جيش الفايكنج العظيم أثناء تحركه في جميع أنحاء البلاد، إنه أمر جيد حقًّا أن يضيف علم الآثار والكشف عن المعادن إلى ما نعرفه عن التاريخ.

يختتم البروفيسور حديثه بالإشارة إلى أن أحد أكثر الاكتشافات إثارة للاهتمام كانت قطع الألعاب الصغيرة، والتي ربما تشبه الشطرنج تقريبًا، ولدينا أكثر من 300 قطعة من قطع الألعاب الصغيرة هذه، وقد عثرنا عليها في قرية تورسكي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد