إن علاقة المواطنين اللبنانيين والعراقيين بدولتهم تكون عبر طوائفهم الدينية والعرقية، ما يمكّن النخب السياسية العرقية أو الطائفية من اختطاف تمثيل هذه المجتمعات. وتخلو معظم الأحزاب السياسية التي أنشأتها هذه النخب من البرامج الاجتماعية أو الاقتصادية.

نشر معهد «كارنيجي» للشرق الأوسط، دراسة حديثة تتناول طبيعة النظام الطائفي في لبنان والعراق والأزمة التي يمر بها في ضوء المظاهرات التي اندلعت في السنوات الأخيرة. كتبت هذه الدراسة مها يحيى، مديرة المركز والمهتمة بشؤون العنف السياسي وسياسات الهوية، والتعددية، والتنمية والعدالة الاجتماعية بعد انتفاضات الربيع العربي، وعدد من الموضوعات الأخرى. وفيما يلي عرض لأهم نقاط الدراسة، ينشرها «ساسة بوست» بموجب اتفاق مع معهد «كارنيجي» للشرق الأوسط. قالت مها يحيى:

يقضي نظام تقاسم السلطة الطائفي والعرقي في لبنان والعراق بتوزيع المناصب العليا والمناصب الحكومية بين المجموعات الطائفية والعرقية المختلفة، بهدف ضمان تمثيل هذه الطوائف في الحكم والتقليل من احتمالية نشوب صراع مجتمعي وضمان المشاركة العادلة في الموارد بين هذه المجتمعات، ولكن على الرغم من هذه الأهداف النبيلة، فإنَّ هذا النظام لم يؤد إلا إلى عواقب وخيمة؛ إذ سمح بتحالفات غير صحية بين الدين والسياسة من خلال عقد اجتماعي يراعي حقوق الطوائف على حساب حقوق الأفراد.

كان سبب خروج متظاهري حركة «طلعت ريحتكم» في لبنان؛ توقف جمع القمامة التي دفنت معظم البلاد في القاذورات. أما في العراق، فقد خرجت مظاهرات ضخمة في مدن كبرى اعتراضًا على النقص الشديد في الكهرباء في حر الصيف القائظ.

يعني هذا أن علاقة المواطنين اللبنانيين والعراقيين بدولتهم تكون عبر طوائفهم الدينية والعرقية، ما يمكّن النخب السياسية العرقية أو الطائفية من اختطاف تمثيل هذه المجتمعات. تخلو معظم الأحزاب السياسية التي أنشأتها هذه النخب من البرامج الاجتماعية أو الاقتصادية. ويؤدي هذا الأمر إلى المحافظة على شبكات المحسوبية على حساب الدولة؛ ما يضعف قدرة مؤسسات الدولة على تقديم الخدمات، وتعزيز اعتماد المواطنين على مثل هذه الشبكات.

وصلت إخفاقات نظام تقاسُم السلطة إلى نقطة حرجة في لبنان والعراق عام 2015، وأدت عيوبه إلى انهيارات في الخدمات العامة، وشلل سياسي قومي، وزيادة الفساد. فخرج مواطنو البلدين إلى الشوارع بمطالب متشابهة: تحسين الخدمات التي تقدمها الدولة، وإنهاء ممارسات الحكم الفاسدة لقادتهم السياسيين. كان سبب خروج متظاهري حركة «طلعت ريحتكم» في لبنان: توقف جمع القمامة التي دفنت معظم البلاد في القاذورات. أما في العراق، فقد خرجت مظاهرات ضخمة في مدن كبرى اعتراضًا على النقص الشديد في الكهرباء في حر الصيف القائظ. وقالت الدراسة: إنَّ هذه المظاهرات قد نجحت نوعًا ما؛ إذ جذبت مدى واسعًا من المواطنين على اختلاف طوائفهم وطبقاتهم وأقاليمهم.

اقرأ أيضًا: خريطة الصراعات الطائفية حول العالم .. (1)

التمثيل المخطوف في لبنان والعراق

زعيم قبيلة عراقية غير معروف، يتوسط مجموعة من الجنود الأمريكيين في محافظة الأنبار، في طريقه لمقابلة مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في مارس (آذار) 2007

يبلغ تعداد سكان لبنان حوالي 3.8 مليون نسمة (دون احتساب اللاجئين)، ويشمل 18 طائفة دينية معترفًا بها. أما العراق البالغ عدد سكانه 36 مليون فيحتوي على 3 جماعات دينية وعرقية أساسية ــ السنة والشيعة والأكراد ــ إلى جانب ما لا يقل عن 11 أقلية عرقية ودينية ولغوية.

وبينما يضمن الدستور في كل من لبنان والعراق المساواة لكل المواطنين، من خلال تخصيص مواقع في الدولة بحسب الطائفة أو العرق، فإنه أيضًا يشجع المواطنين على اللجوء لهويات بدائية. تميل هذه الهويات إلى أن تفوق أشكال الارتباط الأخرى، سواء كانت أيديولوجية أم سياسية.

أنشئ نظام تقاسم السلطة في لبنان رسميًا عام 1943، في ذات عام حصول لبنان على استقلاله من فرنسا، ومع ذلك فقد كان الكثير من ملامحه موجودًا خلال فترة الإمبراطورية العثمانية والانتداب الفرنسي. وقد بني هذا النظام على ميثاق وطني غير مكتوب بين النخبة السياسية في ذلك الوقت يخصص المناصب الأساسية إلى ممثلي الطوائف. فينبغي، بحسب هذا النظام، أن يكون الرئيس مارونيًا مسيحيًا، ورئيس الوزراء سنيًا مسلمًا، ورئيس البرلمان شيعيًا مسلمًا.

رسميًا، كان ينظر للطائفية على أنها أمر مؤقت، إذ أعلنت أول حكومة بعد الاستقلال أنَّ إنهاء الطائفية السياسية هدفها الأساسي، مع أنَّ هذا الهدف لم ير النور قط. بل على العكس تعززت الانقسامات الطائفية والسياسية بمرور الوقت وأثبتت مرونة في مواجهة المحاولات العديدة لتحويل النظام. وتعزز هذا الترتيب لتقاسم السلطة عقب اتفاق الطائف عام 1989، الذي جاء بهدف إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت عام 1975. إذ حافظ الاتفاق على الترتيبات القديمة مع إضافة تعديلات، مثل التوزيع المتساوي للمقاعد البرلمانية والمناصب القيادية المدنية بين المسيحيين والمسلمين.

وبينما يضمن الدستور في كل من لبنان والعراق المساواة لكل المواطنين، من خلال تخصيص مواقع في الدولة بحسب الطائفة أو العرق، فإنه أيضًا يشجع المواطنين على اللجوء لهويات بدائية. تميل هذه الهويات إلى أن تفوق أشكال الارتباط الأخرى، سواء كانت أيديولوجية أم سياسية.

أما في العراق، فإنَّ جذور نظام تقاسم السلطة الطائفي والعرقي حديثة. إذ جاء بعد الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003 وإزاحة صدام حسين من السلطة. وكانت سلسلة من قرارات ما بعد الحرب، اتخذتها القيادة العراقية الجديدة والولايات المتحدة، حاسمة في تشكيل مستقبل البلاد. كان أبرز هذه القرارات تفكيك الجيش، وحل حزب البعث، وإنشاء لجنة لصياغة دستور جديد. اختير أعضاء هذه اللجنة بصفتهم ممثلين لطوائفهم الدينية والعرقية من قبل سلطات الاحتلال الأمريكي ومؤيديهم من العراقيين.

وعلى الرغم من الإقرار التقدمي لهذا الدستور لحقوق الإنسانية الأساسية وحرية كل المجموعات العرقية والطائفية، فإنه لم يجسد رؤية قومية موحدة لسياسة ما بعد البعث. فاعتبر هذا الدستور عاكسًا لمصالح من كتبوه، لا سيما ممثلي الأكراد والشيعة الذين كانوا قد عارضوا نظام صدام حسين ذي الهيمنة السنية.

اقرأ أيضًا: كيف تغير الصراعات الطائفية ديموغرافية العراق باستمرار؟

أكد منهج صياغة الدستور الجديد أنَّ الطوائف والعرقيات قد أصبحت العنصر الجديد الذي سوف ينبني عليه عراق ما بعد صدام. وذهب هذا النظام الطائفي لتقاسم السلطة إلى أبعد مما ذهب إليه النظام اللبناني؛ إذ لم يكتفِ بتخصيص المناصب الحكومية الكبيرة تبعًا للطائفة، لكن كان لكل نائب نائبان من مجموعات عرقية طائفية أخرى. فمنصب الرئاسة، المخصص للأكراد، كان له نائبان. أحدهما: سني، والآخر: شيعي. ومنصب رئاسة الوزراء المخصص للشيعة، كان له نائبان. أحدهما: كردي، والآخر: سني. ومنصب رئاسة البرلمان المخصص للسنة، كان له نائبان. أحدهما: كردي، والآخر: شيعي. وتكرر هذا النمط في المناصب الحكومية على مستويات متعددة. في الوقت ذاته اعتُرف رسميًا بإقليم كردستان إقليمًا مستقلًا ذا حكومة خاصة لها رئيس وبرلمان.

وكما هو الحال في لبنان، فقد فتح نظام سياسات الهوية هذا الباب لزيادة النفوذ الخارجي، لا سيما نفوذ إيران. فقد سمح المسؤولون الأمريكيون والإيرانيون الذين يحكمون العراق لهذه النخبة بالسيادة واستغلال النظام لتقويض عملية صنع القرار وتحويل الحياة السياسية والمؤسسات إلى امتداد للإقطاعيات الخاصة للسياسيين.

وتجلى هذا الأمر في عهد رئيس الوزراء نوري المالكي الذي أضرت سياساته الإقصائية بأنظمة الحكم المركزية والمحلية، وجعلت الخدمات الحكومية فئوية، وأدت إلى تآكل ثقة الناس في مؤسسات الدولة.

نتائج الطائفية

أدى تقليص السياسة إلى قضايا الدين والهوية بالعراق ولبنان إلى إنشاء أنظمة سمحت بسوء الحكم وترسيخ الممارسات غير الديمقراطية وسياسات المحسوبية، والفساد ما قوض من فكرة خدمة هذه الدولة لمصالح مواطنيها. صممت القوانين الانتخابية في كلا البلدين بهدف ضمان استمرار انتخاب النخبة الطائفية ما أدى إلى تمكين السياسيين من اختطاف تمثيل طوائفهم.

شدد الزعماء الطائفيون أو العرقيون على المظالم التاريخية وعلى هذا الشعور العميق بالتهميش بين الطوائف من أجل تدعيم سلطتهم. ولما كان ينظر إلى كبار السياسيين أو المعينين من قبلهم على أنهم ممثلون لطوائفهم، فلم يكن ثمة محاسبة تقريبًا؛ إذ من الممكن أن ينظر إلى أي رد فعل على ضعف أداء هذه النخب على أنه موجه لطوائفهم.

وفي الوقت ذاته، كان يُرفض مجرد اقتراح إنشاء حكومة تكنوقراط، بها أفراد أو خبراء مؤهلون فقط، تحت ذريعة أنها لن تكون سياسية، ومن ثم لن تكون تمثيلية.

امتدت الطائفية في كلا البلدين إلى المجالين الاقتصادي والمالي؛ فساعدت على الوصول إلى مستويات هائلة من الفساد. إذ أدى تدني إجراءات الرقابة، في العراق، خلال فترة ما بعد 2003 إلى مستويات غير مسبوقة من السرقة؛ إذ اختلست النخبة السياسية والموظفون الحكوميون والشركات الأمريكية مليارات الدولارات.

عام 2016 صنفت العراق في المركز 166 من أصل 177 دولة في مؤشر الشفافية الدولية العالمي. وشهد النظام اللبناني أيضًا مستويات غير مسبوقة من المحسوبية. وتصنف لبنان حاليًا في المركز 136 من أصل 176 دولة في مؤشر الفساد الدولي.

على الرغم من أنَّ نظام تقاسم السلطة الطائفي يبدو ضامنًا لانتفاع كل الطوائف على قدم المساواة، إلا أنَّ ميل العراق ولبنان للجوء إلى الهويات تحت القومية لم يفد أي طائفة من الطوائف. لو نظرنا للصورة العامة فسوف نجد أنَّ الجميع قد خسروا. ذلك أنَّ هذا النظام يديره ائتلافات من قلة حاكمة تستمد نفوذها بشكل أساسي من قدرتها على استخدام مؤسسات الدولة لتوزيع الخدمات على مؤيديها، وهو الأمر الذي عادة ما يتم على حساب أغلبية المواطنين.

اقرأ أيضًا: «مترجم»: من الصراع إلى الاستقرار.. كيف أصبحت لبنان الأكثر استقرارًا في بلاد الشام؟

ونتيجة لذلك يواجه الكثير من اللبنانيين والعراقيين مستويات من الظلم والفقر بصرف النظر عن طائفتهم أو عرقيتهم. وقد أدت أوجه عدم المساواة تلك إلى تعميق الخلافات الطائفية؛ ما أدى بدوره إلى تعزيز دور الزعماء الطائفيين.

ويحول انتشار المصالح الطائفية في الحكومة دون تطوير أية استراتيجية حقيقية للتنمية الوطنية. وإنما تميل الاستثمارات في البنية التحتية وتخصيصات الميزانية إلى أن تكون مبنية على الحصص الطائفية والأولويات الانتخابية. يعني هذا، بصورة عملية، أنَّ بناء مستشفى، مثلاُ، في جزء من البلاد يستدعي بناء مستشفى آخر في جزء آخر من البلاد، بصرف النظر عما إذا كانت هذه المنطقة بحاجة فعلًا إلى هذا المستشفى الجديد أم لا.

قس على هذا مسألة خلق الوظائف المقيدة إلى حد كبير بهيمنة الروابط السياسية في الاقتصاد. فالشركات ذات الروابط السياسية لا تكتفي بأن تؤدي دورًا مهمًا في تحويل خلق فرص العمل إلى وسيلة للترويج السياسي، لكنها أيضًا تحد من النمو في الوظائف بين المنافسين.

لقد أصبحت مثالب أنظمة تقاسُم السلطة الطائفية هذه بادية للعيان حتى بين أولئك الذين استفادوا منها. على الرغم أنها قد وضعت في الأساس لتضمن منح دور لجميع الطوائف في عملية صنع القرار الوطني، فإنها قد أصبحت آليات تسمح للنخب الطائفية السياسية بنهب الدولة، دون خوف من المحاسبة.

وقد أدى عدم التوازن في توزيع الثروة والخدمات إلى توليد استياء بين العديد من العراقيين واللبنانيين. ووصل هذا الاستياء إلى نقطة الغليان في صيف عام 2015.

صيف طويل ساخن في العراق ولبنان

بحلول صيف عام 2015، كان المواطنون اللبنانيون والعراقيون قد سئموا من تدهور مستوى حياتهم. في الـ16 من شهور يوليو (تموز) سمعت أصوات الاعتراض في مدينة البصرة، أهم مدن جنوب العراق، التي تحتوي على بعض من أكبر حقول النفط في البلاد، ويسكنها 2.6 مليون إنسان، عندما خرج الآلاف إلى الشوارع اعتراضًا على انقطاعات الكهرباء في وسط حرارة الصيف القائظ.

زادت المظاهرات، التي بدأت في الأحياء الفقيرة، بعد موت أحد المتظاهرين، فأمر رئيس الوزراء حيدر العبادي سريعًا بإنشاء لجنة للتحقيق فيما ما جرى. ومع ذلك فقد زاد انتشار المظاهرات، وطالب المواطنون باستقالة كل من وزير الكهرباء ومحافظ البصرة وإنهاء الفساد المستشري المؤثر على كل جوانب حياتهم. وسرعان ما رفع المتظاهرون سقف طلباتهم من المطالبة بالخدمات الأساسية إلى المطالبة بإصلاح الحكومة، وإلغاء نظام الحصص العرقية في الجهاز القضائي، والفصل بين الدين والسياسة ومراجعة نظام تقاسم السلطة الطائفي.

في الشهر ذاته اندلعت مظاهرات مشابهة في بيروت بسبب تفاقم أزمة القمامة، عندما احتشد المتظاهرون حول شعار «طلعت ريحتكم» في إشارة إلى السياسيين اللبنانيين.

كان من بين متظاهري صيف 2015 من دفعتهم رغبة في تحدي الوضع الراهن، لا الترويج لبرنامج سياسي بعينه. بالنسبة للعراقيين واللبنانيين، فقد كانت الرغبة الأساسية متمثلة في محاسبة سياسييهم على المستوى الكارثي الذي وصلت إليه حياتهم. لم تتحد أفعالهم سلطة الدولة فحسب، وإنما أيضًا شرعية الأحزاب السياسية التي ينظر إليها باعتبارها محتلة ومتحكمة في هذه الدولة. وبينما نادي الكثيرون بإنهاء نظام تقاسم السلطة الطائفي، فإنَّ أحدًا لم يقدم أية خطة لتحقيق هذا الهدف. غير أنَّ حركات جديدة نشئت في لبنان لإعادة توجيه هذا الزخم من الشارع إلى المضمار السياسي، وإن ظلت مركزة على قضية تقديم الخدمات.

اقرأ أيضًا: بعد «طلعت ريحتكم».. 5 أسئلة تشرح لك انتفاضة اللبنانيين مرةً أخرى

بيت متعدد الشقق: التعبئة المدنية في لبنان

لم تأت مظاهرات 2015 من الفراغ، خصوصًا في لبنان. إذ لطالما كان النشاط المدني من الملامح المركزية في المجتمع اللبناني، وحظيت لبنان بشبكة متطورة من منظمات المجتمع المدني، ونقابات العمال، والنقابات المهنية والأحزاب السياسية.

اتخذت حركة «طلعت ريحتكم» منحى مثيرًا للاهتمام وذا دلالة على مرونة المجتمع المدني في لبنان ويصلح مؤشرًا على الطرق التي يمكن بها للحركات الاعتراضية أن تسعى إلى المشاركة البناءة في النظام السياسي، عندما وجدت مطالب الحملة بالتغيير صدى لها في انتخابات البلديات في شهر مايو (أيار) 2016.

وجدت الناخبون في بيروت خيارًا بديلًا عن قائمة المرشحين المدعومة من النخب السياسية. إذ تحدت مجموعة متعددة الطوائف من المهنيين والنشطاء المدنيين هذه النخب فكونوا قائمة سموها «بيروت مدينتي». تحدت هذه القائمة قائمة «لائحة البيارتة»، التي كونتها القوى السياسية الأساسية في بيروت ودعمها رئيس تيار المستقبل، سعد الحريري، الذي بدأ في دورته الثانية لمنصب رئيس الوزراء في أواخر عام 2016.

ركزت لائحة بيروت مدينتي على المسائل العملية، أي كيفية تحسين الظروف المحلية في العاصمة. وناقش برنامج اللائحة المكتوب في 32 صفحة مشكلات بيروت فاقترح تحسين وسائل المواصلات العامة، وزيادة المساحات الخضراء، وتوفير إسكان رخيص، والحفاظ على التراث الثقافي، والمساهمة في التطوير الاجتماعي الاقتصادي للمدينة، وتوسيع مبادرات إعادة التدوير.

والشيء المهم أنَّ لائحة «بيروت مدينتي» وعدت بتحسين طريقة إدارة الأمور في العاصمة. ومع أنَّ اللائحة لم تفز في الانتخابات، إذ حصلت على حوالي 30٪ فقط من الأصوات، فإنَّ هذه تعد نسبة كبيرة خصوصًا لو عرفنا أنَّ «لائحة البيارتة» المدعومة من أصحاب النفوذ حصلت على 40٪ من الأصوات.

أدت حركات التظاهر في كل من لبنان والعراق ضد سلوك القادة الطائفيين، للحظة وجيزة في 2015، شعورًا بالتمكين واحتماليات لا نهاية لها لإمكانيات التغيير. على أنَّ تحديات الابتعاد عن أنظمة تقاسم السلطة المبنية على الهوية دائمًا ما كانت هائلة،

والأهم أنَّ «بيروت مدينتي» قد أظهرت أنَّ من الممكن تحدي الزعماء الطائفيين في لبنان من خلال الاستغلال البارع للمساحات التي تركها النظام الطائفي والتركيز على ما يراه الناس مهمًا. وقد تكرر هذا النهج إلى حد ما في أماكن أخرى في البلاد، بما في ذلك طرابلس وبعلبك وحتى في الضواحي الجنوبية من بيروت التي يتحكم فيها حزب الله.

فوقفت قوائم مستقلة ضد القوائم المدعومة من السياسيين الطائفيين وأحزابهم، وقد أظهرت النتيجة، مرة أخرى، أنَّ سيطرة النخبة على النظام السياسي ليست محكمة.

شباب العراق في مواجهة المنطقة الخضراء

تاريخيًا، تقلص نشاط الحراك المدني ومنظمات المجتمع المدني بشدة بين عامي 1953 و2003 على يد ثلاثة أنظمة عسكرية، لا سيما نظام البعث الذي تولى السلطة عام 1968. ما أجبر العراقيين على اللجوء إلى صور التضامن الأساسية، ألا وهي الروابط العائلية والقبلية أو حتى الدينية.

وكانت المظاهرات الحاشدة التي اندلعت في صيف 2015 مدفوعة بالشعور بالحيف. وكان هذا الأمر أصدق ما يكون في حالة مدينة البصرة، التي استمرت في المعاناة من أوجه قصور في البنى التحتية وأمور أخرى. وامتدت هذه المظاهرات إلى بغداد ووصلت إلى مدن ذات أغلبية شيعية في العراق، مثل النجف وكربلاء. وطالب المتظاهرون، إلى جانب المزيد من الكهرباء، بالضروريات الأخرى مثل تحسين نوعية المياه والمطالبة بتحسين عملية جمع القمامة.

ومع ذلك، فالحقيقة أنه على الرغم من استياء النشطاء العراقيين من الزعماء السياسيين في بلدهم، حتى في المناطق ذات الأغلبية الشيعية، فهم لم يسعوا إلى خلق منصة موحدة لمطالب قومية تتعامل مع مشكلات كل المواطنين. وقد جعل انعزال الكثير من المتظاهرين الشباب في قطاعات طائفية من توسيع نطاق جهودهم في الحشد إلى مستوى قومي أمرًا بالغ الصعوبة، ما لم يكن محالًا. وعلاوة على ذلك، فقط كانت الطبيعية المتناثرة للمتظاهرين تعني غياب الاتساق فيما يتعلق بمطالب المتظاهرين.

اقرأ أيضًا: الثقب الأسود في العراق والشام.. وتمدد العنف وبقاء العنف المضاد

آفاق الحركات المدنية في الدول الطائفية

أدت حركات التظاهر في كل من لبنان والعراق ضد سلوك القادة الطائفيين، للحظة وجيزة في 2015، شعورًا بالتمكين واحتماليات لا نهاية لها لإمكانيات التغيير. على أنَّ تحديات الابتعاد عن أنظمة تقاسم السلطة المبنية على الهوية دائمًا ما كانت هائلة، لا سيما في وسط العاصفة الطائفية التي تعيد تشكيل المنطقة.

يواجه كلا البلدين تحديات تنموية عاجلة إلى جانب الحاجة لمعالجة أوجه القصور المؤسسية وتحقيق النمو، لكنهما مكبلان بصعوبات الوصول إلى إجماع. وعلاوة على ذلك، فإنَّ التفاعل بين المؤسسات السياسية عادة ما ينتج صراعًا صفريًا في المنافسة على السلطة والموارد. ومع أنَّ الحلول التقنية لمعظم هذه التحديات متاحة، إلا أنَّ فرص الإصلاح الضائعة قد نتج عنها تدهور البنى التحتية وعجز المؤسسات العامة عن توفير خدمات ملائمة.

إنَّ السؤال المركزي الذي يواجه النشطاء المدنيين في كلا البلدين هو أية استراتيجيات ممكنة اليوم؟ خصوصًا في ظل قدرة نظامي البلدين على امتصاص الصدمات. هل ينبغي للنشطاء العمل من داخل الأنظمة الموجودة كما فعلت لائحة بيروت مدينتي، أم ينبغي لهم حصر أنفسهم في التظاهر في الشوارع؟ كيف يمكنهم المصالحة بين التعامل مع النظام السياسي المهيمن ورفضهم التام لسياساته المعتادة؟ كيف سوف يتمكنون من تحويل المشاعر المعادية للمؤسسة إلى قوة للتغيير؟

قدمت لنا حركة بيروت مدينتي درسًا قيمًا في هذا الصدد إذ سعت إلى تجديد دور البلديات باعتبارها المجال الأساسي لتمثيل المواطنين وطريقة لربطهم بدولتهم عندما ركزت على ديناميكيات الحكم. وسلط أولئك النشطاء أيضًا الضوء على آفاق السياسة التشاركية التي يمكن للمواطنين من خلالها أن يشاركوا بفعالية في تشكيل مدينتهم. وما تزال شبكات النشطاء والأفراد والجماعات الساعية لجلب التغيير الاجتماعي مستمرة في التوسع في لبنان. حتى في الوقت الذي يتظاهرون فيه، فإنهم مستمرون في بناء شراكات عملية مع الجهات الفاعلية الاجتماعية الأخرى بما في ذلك أعضاء من الجهاز القضائي.

مما لا شك فيه أنَّ النشطاء المدنيين بحاجة إلى العمل على استعادة الإيمان بأهمية مؤسسات الدولة وإعادة توثيق روابط الثقة بين الطوائف. يمكن لأولئك النشطاء أن يعملوا من أجل تحقيق اشراك أكبر للجمهور المغترب عن السياسة اليومية عبر تثبيت أنفسهم في المجتمعات المحلية، والنضال لحل مظالم هذه المجتمعات. لو فعلوا ذلك فربما يصبحون قادرين أيضًا على معالجة بعض ديناميكيات المركز والأطراف التي اتخذت أبعادًا طائفية.

في الوقت الذي يركز فيه بعض النشطاء الجدد على مسائل محلية للغاية، فإنَّ نشطاء آخرين يسعون لبناء روابط بين المجموعات الاجتماعية المتناثرة. ومع ذلك، فدون بناء تحالفات واسعة النطاق مع الفاعلين التقدميين الآخرين، فإنَّ معالجة التحديات السياسية في هذا الجو من الاستقطاب المتزايد سوف تكون أمرًا بعيد المنال.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد