نُشر تقريرٌ في موقع «إيكونوميست»، يستعرض تجارة جوازات السفر، ويذكر التقرير قصة رئيس الوزراء التايلاندي السابق، ثاكسين شيناوترا، الذي أصبح مواطنًا في دولة الجبل الأسود بعد انقلاب عام 2006، وعلى حد تعبير ثاكسين، فإنّ ذلك كلفه فقط شراء جزيرة في الجبل الأسود، ويوضح التقرير أنّ أحد الأشخاص ادعى أنّ ثاكسين يملك ستة جوازات سفر، وأنّ جوازه النيكاراغو سحب منذ فترة.

ويذكر التقرير أنّ الشاعر الأمريكي روبرت فروست، عرّف الوطن أنّه المكان الذي تذهب إليه عندما تحتاج ذلك، ومن الواضح أنّ ثاكسين وجد أوطانًا كثيرة ومختلفة عن موطن ولادته. تشهد عدد استثمارات المهاجرين ازديادًا واضحًا، وتُباع آلاف جوازات السفر سنويًّا للمهاجرين أصحاب الأموال، وبلغت إقامات التجارة والاستثمار مئات الألوف.

أصبحت سوق المواطنة والإقامة عن طريق الاستثمار كبيرة، ويحتوي على مستشارين، ومحامين، وبنوك، ومحاسبين، ووكلاء عقار فقط لإدارة هذا الاستثمار. وتستغل السوق القيود المفروضة على حامل الجنسية الواحدة، الباحث عن استقرار طويل الأمد، أو حتى تأشيرات إقامة طويلة الأمد.

ويوضج التقرير أنّ هذه السوق أصبحت موضعًا للشبهة؛ لاعتراضها الحقوق والامتيازات التي يعتبرها المواطنون الأصليون مقدسة، وجعل حياة المحتالين والإرهابيين سهلة وميسرة. تعتبر هذه القضية حساسة بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وتلمس أحد أهم المبادئ القومية، ومع ذلك فإن للاتحاد نصيبًا من هذه السوق، فجواز سفر دولة تحمل عضوية الاتحاد الأوروبي يعتبر جوازًا لجميع دول الاتحاد الأوروبي الاثنتين وعشرين، وبتأشيرة شنجن، فإنه يمكنك التنقل بين هذه الدول وأربع دول أخرى.

 سلعة المواطنة

يسهب التقرير بأنّه لسد حاجة سوق التأشيرات طويلة المدى وجوازات السفر؛ فإنّ الدول المهتمة بهذه السوق في ازدياد، ويوجد ما يقارب المائة برنامج حكومي للإقامة الاستثمارية، وتوفر العديد من الدول الجنسية، منها دول الجزرية الكاريبية الخمسة، وفانواتو، والأردن، ومن الاتحاد الأوروبي: النمسا وقبرص ومالطا، وتعتبر أحدث الدخلاء على السوق هي دولة مولدافيا، التي أعلنت أنّها ستعرض برنامجها الرسمي في أكتوبر (تشرين الأول).

ولا تركز السوق على أحد أهم رواده، وهي مملكة تونغا، والتي في عام 1983؛ كانت تبيع جواز سفرها مقابل آلاف الدولارات القليلة، وبعض الأسئلة المطروحة. تستمد أنشطة سوق المواطنة والإقامة عن طريق الاستثمار شرعيتها من القانون المصدر عام 1984 في سانت كيتس ونيفيس، والذي يوفر حقّ المواطنة للأجانب الذين صنعوا استثمارًا حقيقيًّا في الدولة، وصلت نسبة هؤلاء الأشخاص إلى 50 ألف نسمة، ويعيش منتصفهم خارج هذه الدول.

ويذكر التقرير أنّه في عام 1986، قدمت كندا برنامج الإقامة الاستثماري؛ وجذبت بذلك سكان هونج كونج المتوجسين من هيمنة الصين عام 1997، وأوقفت كندا برنامجها الفيدرالي عام 2014، ما عدا ولاية كيوبيك التي تقع شرق كندا. يقول التقرير: إنّ في هذه الأيام تظل الصين السوق الرئيسية لمثل هذه البرامج.

نتائج استفتاء انفصال كيوبيك عن كندا– مصدر الصورة 

اقتدت بعض الدول ببرنامج كندا، ففي عام 1990، قدمت أمريكا تأشيرات إي بي 5، والتي تتطلب استثمارًا لا يقل عن مليون دولار للحصول عليها، أو 500 ألف دولار في الولايات التي يزيد فيها نسبة البطالة. لا يُعرف الحجم الكلي لسوق المواطنة والإقامة عن طريق الاستثمار، ولكنّ قدّر مجلس الهجرة للاستثمار، والذي يعتبر مجموعة ضغط، أنّ 5 آلاف شخص سنويًّا، يحصلون على الجنسية باستثمار يبلغ 3 مليارات، ويمثل العدد الأكبر التجارات التي تعطي حقّ الإقامة.

ويخبر التقرير بأنّ -على سبيل المثال- أمريكا سنويًّا تمنح 10 آلاف تأشيرة من نوع إي بي 5، وتذكر شركة هينلي وشركائه، شركة الاستشارات في سوق المواطنة والإقامة عن طريق الاستثمار لحكومتي مالطا وملدوفا، أنّها سيرت استثمارات خارجية، بلغ قدرها أكثر من 7 مليارات دولار.

يُخبر التقرير بأنّ قسم إدارة المعلومات والتحكم (إي إم سي) في جامعة فيينا للأعمال والاقتصاد، أصدر تقريرًا عن أنّ سوق المواطنة والإقامة عن طريق الاستثمار بلغت طلبًا كبيرًا، ولكنّ بعد إيقاف برنامج كندا، وتعطيل تأشيرة إي بي 5 الأمريكية، ارتفع الطلب على دول كالبرازيل، والهند، وروسيا، وفيتنام.

ويذكر التقرير أنّ تشاد ريتشاد من شركة فراجومين، وهي شركة محاماة في نيويورك متخصصة في الهجرة، يعتقد أنّ الطلب الكبير على الدول الأخرى، سببه البيئة المقيدة على الإجراءات كاللجوء السياسي أو حتى تأشيرات العمل.

ويوضح التقرير أنّ سبب هذه البيئة المقيدة الآن، هي السياق التاريخي للقضية، فعندما كانت الهجرة قضية جدلية في المجتمعات، اعتبرت فكرة حق الإقامة أو الجنسية بسبب دفع الضرائب، فكرة تافهة. ويعتبر العائد الكلي تافهًا مقارنة مع إجمالي حالات الهجرة. ففي عام 2016، ضمن 863 ألف مواطن غير أوروبي الجنسية الأوروبية، وجسدت الهجرة عن طريق الاستثمار مبدأ الحرية المكتسبة من العولمة، وبالتالي فإن المستهدفين في هذه السوق، هم كما وصفتهم رئيسة وزراء بريطانيا، تيريزا ماي، بأنهم «مواطنون بلا مكان».

«واشنطن بوست»: بينما تتفكك أوروبا.. أفريقيا تصدر جواز سفر موحدًا

المتجر السنوي لجوازات السفر

يقول التقرير إنّ حقيقة معظم رواد هذه السوق، أنهم من المحتالين. ونددت أحد العواميد في مجلة تايمز بلندن يونيو (حزيران) قائلة: «إنّه من العار السماح للمجرمين والغشاشين بشراء الإقامات»، ويذكر التقرير أنّه لا توجد دولة أكثر تسيبًا من مملكة تونجا.

أصبح لو تاك جهو الممول الماليزي، بمساعدة شركة إم دي بي1، مواطنًا لدولة سانت كيتس، كما أصبح الملياردير الهندي ميهول شوكسي، باختلاس ملياري دولار من بنك بنجاب الوطني، مواطنًا لدولة أنتيغو وبربودا، التي انتقل إليها يناير (كانون الثاني) العام الماضي.

وتثير بعض مشاريع أعضاء الاتحاد الأوروبي الجدل الكبير أيضًا، ففي عام 2014، أصدر البرلمان الأوروبي قرارًا غير ملزم؛ بأنّ جنسية الاتحاد الأوروبي يجب أن لا يكون لها ثمن. والتفت جميع الأنظار إلى مالطا؛ بعد حادثة تفجير السيارة واغتيال الصحافية دافين كاروانا، التي اتهمت الحكومة بالفساد من خلال قضايا متعددة، وواجهت كاروانا العديد من التهم القانونية (بما في ذلك 47 دعوى تشهير) واجهتها وقت وفاتها، وإحدى هذه الدعاوى كانت من محامين شركة هينلي وشركائه، العقل المدبر لبرنامج المواطنة في مالطا.

الصحافية دافين كاروانا– مصدر الصورة 

ويسهب التقرير في أنّ الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يراقبان مشاريع المواطنة والإقامة عن طريق الاستثمار. وفي نهاية هذا العام، ستنشر المفوضية الأوروبية تقريرًا عن المشاريع المشابهة المقدمة من بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي.

وفي أغسطس (آب)، ذكرت فيرا جوروفا، مفوضة العدالة، للصحيفة الألمانية داي ويلت، أنّ المفوضية كانت قلقة جدًا، وذكرت جوروفا: «لا نريد أي أحصنة طروادة في الاتحاد الأوروبي».

ويعتبر الاتحاد الأوروبي أنّ الدول التي تستخدم التأشيرات المجانية للدخول إلى الاتحاد الأوروبي محفزًا لمهاجري الاستثمارات، وأّنه للآن لم تُعاقب أي دولة المعاقبة البديهية، وهي سحب التأشيرات المجانية، كما فعلت كندا مع سانت كيتس، وأنتيغو، وبربودا وغيرها.

ولكنّ الاتحاد الأوروبي يقدم متطلبات السفر حتى للأجانب الذين لا يحتاجون إلى تأشيرات للدخول.

تشعر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالقلق حيال مثل هذه المشاريع، والتي من الممكن أن تتسبب في التهرب الضريبي، وتسهل عملية غسل الأموال. وتدّعي المنظمة أنّ المتهرب من الضرائب يمكن أن يفلت من قبضة المراقبة؛ من خلال الحصول على جنسية أو إقامة في دولة أخرى، وفتح حساب بنكي في هذه الدولة، من دون ذكر أي ارتباط في بلده الأصلي.

وأجريت مشاورات عامة بداية هذا العام، حول ما يجب القيام به تجاه مشاريع المواطنة والإقامة عن طريق الاستثمار، وتذكر المقالة أنّ أحد هذه الترتيبات تمت في الولايات المتحدة الأمريكية.

ادّعى كريستيان كيلين رئيس شركة هينلي، في منتدى الهجرة للاستثمار السنوي، أنّ إجراءات هذه السوق واضحة ومُرحبّة، ويخبر التقرير أنّ المنتدى صُمم على إظهار السوق بطريقة محترمة.

يذكر التقرير أنّ ادعاء كيلين يستند على حجج ثلاثة:

الأولى هي الفوائد الاقتصادية للدولة التي تعمل على برامج المواطنة والإقامة عن طريق الاستثمار؛ ويذكر بادي بلوير العامل في شركة هينلي: «المهتمون في هذه السوق يستهدفون الدول الصغيرة، ومحدودة القدرات، والتي ترغب في النمو الاقتصادي»، وأنّ هذه الدول لا تجذب الاستثمار بشكل مباشر، ولكنّ تحفز على إحضار الناس الأغنياء والذين من الممكن أن يستثمروا المزيد بشكل عام، لتصبح الدولة في خارطة الاقتصاد المزدهر.

أحد هذه النماذج هي دومينيكا، والتي دمرت نهاية عام 2017 بسبب إعصار ماريا، وجاءت بعد الفوضى الناجمة عن العاصفة الاستوائية إريكا قبل عامين، ويذكر صندوق النقد الدولي أنّ العائد من مشاريع المواطنة والإقامة عن طريق الاستثمار في دومينيكا يبلغ 10% من الناتج المحلي الإجمالي، و16% من أرباح الحكومة. ومن دونها هذه التجارة، فمن الصعب إعادة بناء الدولة.

وإحدى قصص النجاح المعترف بها مالطا، التي خلقت من تجارة الهجرة والاستثمار اقتصادًا قويًا في الآونة الأخيرة، ويعد مخطط مالطا من تصميم شرطة هينلي، وهو تصميم بسيط لبيع جوازات السفر، يتطلب مساهمة غير قابلة للاسترداد، بقيمة 650 ألف يورو.

ورد في التقرير أنّ اشتراط الاستثمار يعتبر طريقة غير مضمونة للزيادة في الأموال، فمن الممكن أن تخرج هذه الأموال من الدولة بعد كل شيء، حتى لو أنّ السيد ثاكسين ذكر أنه لا يملك الوقت لبناء وتطوير جزيرته في الجبل الأسود.

ولكنّ مشاريع المبيعات البحتة غير مفضية سياسيًّا، فحتى بعد إضافة متطلبات شراء أو استئجار العقارات في مالطا، واستثمار 150 ألف يورو في أسهم أو سندات معتمدة، يذكر السيد كيلين أنّ إحدى خبرات شركة هينلي، تكمن في معايرة المبالغ المتضمنة: «ارفع المتطلبات، وستحصل على حكومة مسيطرة من قبل رجال الأعمال»، كقبرص ومالطا.

الحجة الثانية، الفائدة العائدة على المهاجرين أنفسهم، كما يذكر برونو سكوير، الرئيس التنفيذي لمجلس الهجرة للاستثمار، والذي ينادي بأنّ المهاجرين غير محظوظين بجوازات سفر ملائمة، ويرى العديد من عملاء سوق المواطنة والإقامة عن طريق الاستثمار أنّ السوق سهّلت حركتهم في العالم، ولدى بعض هؤلاء المهاجرين، أسباب حقيقية ومشروعة للإقامة في موطن آخر، كالخوف من الاضطهاد السياسي، وتعليم أبنائهم في مدارس ذات مستوى عالٍ، وكلا هذين السببين يحفز الناس للدخول إلى هذه السوق. يذكر التقرير أنّ الصين تقدم نفسها باعتبارها مدافعة عن الليبرالية والعولمة في الوقت الذي يتم مهاجمتهما.

الحجة الثالثة تتحدث عن أولئك الأشخاص الذين يريدون جوازت سفر أو الحصول على الإقامة، لأسباب غير مشروعة، سواء للتهرب من الضرائب أو الشرطة، أو لغسيل الأموال، أو بأسوأ الأحوال لدوافع الإرهاب.

ولمواجهة هذه القضية، نوقشت القضية في منتدى جنيفا؛ عن كيفية التخلص من هؤلاء الأشخاص، وتحدث المفوضون عن العناية اللازمة في تفحص العملاء المتقدمين، ويقول جونثان كاردونا، رئيس مشروع دولة مالطا أنّه تم قبول أكثر من 900 جواز خلال أربع سنوات، ورُفض 22% من الطلبات، فقد بسبب عدم وضوح مصدر دخلهم. وتعتبر نسبة عالية، مما يعني أنّ معايير التقديم صعبة، وتحتوي الكثير من الضبابية.

يذكر التقرير أنّه ليس من مصلحة السوق تصويره على أنّ أنشطته غير قانونية، وبالتالي فإنّ هناك أسبابًا قليلة للشك في إجراءات المعاينة الواجية، فقط تسمح نصف الدول في العالم لمواطنيها بامتلاك جنسيات مزدوجة، والصين ليست واحدة من هذه الدول، وتمتلك قواعد صارمة.

ويبدو أنّه من غير المحتمل إخبار المستثمرين الصينيين الذين أشعروا السلطات بخططهم ،أو أخذوا تصاريح لسحب المال خارج الصين.

يختتم التقرير بأنّ المعاينة اللازمة لا تتم إلا من بعض الدول، وفي وقت إدارة هذه العمليات، من الصعب التحكم بها، ولكنّ مع تزايد عدد الدول المهتمة في سوق المواطنة والإقامة عن طريق الاستثمار، ستشتد المنافسة، فمولدوفا تذكر أنّ أحد مستشاريها يحاول كسب العملاء من خلال تقليل سعر الاستثمار، وتوفير إجراءات سريعة. والسؤال الملح هو كيف نتجنب العواقب الوخيمة من جراء هذه الإجراءات المستعجلة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد