نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا لفوك فوكسانوفيتش، الحاصل على درجة الدكتوراة والباحث في العلاقات الدولية بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، تناول فيه كيف تحوَّلت العاصمة الصربية بلجراد إلى مقلب نفايات لمخلفات الطاقة الصينية المتمثلة في مصانع الحديد والصلب ومناجم التعدين، موضحًا أن تداعيات ذلك تأتي بنتائج إيجابية على الاقتصاد، ولكن نتائجها سيئة ومضرة بصحة المواطنين الصرب.

وفي مطلع مقاله يعود الكاتب بالزمن مُتخطيًا رقاب السنين إلى أواخر عام 2015، حين كان الرئيس الصربي ألكسندر فوشيتش – كان رئيسًا للوزراء آنذاك – ضيفًا على برنامج في محطة تلفزيونية وطنية، هي محطة «RTS». وعندما سأله المُضيِّف أوليفيرا يوفيشيفيتش عن سبب اهتمام الصينيين بالاستثمار في صربيا، أجاب فوشيتش بطريقته القوية المعتادة: «سبب هذا أن لديهم مصالح يريدون تحقيقها، وسببه أنهم مضطرون إلى إغلاق جزء من مصانع الحدادة ومصانع الصلب الخاصة بهم. وأعتقد أن السبب وراء ذلك يكمن في الهواء النظيف، الذي ليس لدي ما يكفي من المعرفة عنه، كي أكون صادقًا معك. والسؤال إذًا: لماذا يجب أن أشعر بالقلق حيال ذلك»؟

النفايات السامة.. ثمن باهظ

ولفت الكاتب إلى أنه بعد مرور ستِّ سنوات كان لهذه الكلمات أهمية من نوع خاص؛ إذ إن صربيا، حلقة الوصل الرئيسة في مبادرة الحزام والطريق الصينية، تستورد من الصين المشاريع الاقتصادية الضارة بيئيًّا في وقتٍ تتبنى فيه أيضًا النموذج الصيني للسياسات، والذي تضحي فيه النخبة الحاكمة بالسلامة البيئية والصحة العامة من أجل تحقيق النمو الاقتصادي والبقاء في سُدَّة السلطة.

ويشير الكاتب إلى أن القصة بدأت في الصين عام 1978، عندما قرر الزعيم الصيني دنج شياو بينج انفتاح الصين على السوق الرأسمالية العالمية. وبعد مرور 40 عامًا، مكَّنت الإصلاحات الاقتصادية التي قام بها دينج الصين من أن تصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وانتشال قطاعات كبيرة من مواطنيها من براثن الفقر. ومع ذلك كان ثمن هذا التحوُّل الاقتصادي الذي أعطى الأولوية للتصنيع السريع على الأمن البيئي باهظًا فيما يخص التدهور البيئي والصحة العامة.

واليوم تعاني الصين من تلوثٍ واسع النطاق في الهواء، والماء، والتربة. وفيما يخص الشركات الناشئة، تُدمِن الصين استخدام الفحم في إنتاج الطاقة، ولم يزل يمثل استهلاك الصين للفحم نصف الاستهلاك العالمي. وفي عام 2020 أقامت الصين محطات لتوليد الطاقة بالفحم يساوي عددها ثلاثة أضعاف عدد المحطات التي أُقيمت في بقية العالم مجتمعة. وبحلول عام 2018 زاد نصيب الفرد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ستة أضعاف من عام 1978.

Embed from Getty Images

وفي عام 2019 أطلقت الصين غازات دفيئة أكثر من الغازات الدفيئة التي أطلقها العالم المتقدم بأكمله مجتمعة. ويؤدي التلوث إلى تفاقم مشكلة ندرة المياه العذبة. ونتيجةً لتلوث التربة، لا تفي أكثر من 20% من تربة الأراضي الزراعية من المناطق المنتجة للحبوب بمعايير جودة التربة.

الصين.. سياسات سامة

وشدد الكاتب على أن أحد الدوافع وراء مشروع الحزام والطريق الصيني هو الاستعانة بمصادر خارجية تتمثل في البلدان الأكثر فقرًا والأبعد مسافةً عن الصين، والتي تتجاهل حكوماتها المخاطر، لتتحمل التلوث والتدهور البيئي بدلًا عن الصين.

ويقف الحزب الشيوعي الصيني حائرًا بين الرغبة في الحفاظ على النمو الاقتصادي باعتباره مصدرًا من مصادر الشرعية المحلية، وخطر التدهور البيئي، مع كل ما ينطوي عليه من مخاطر اقتصادية وصحية وسياسية. وأصبح التدهور البيئي هذا عائقًا أمام الاستقرار السياسي للنظام، إذ أصبحت الاحتجاجات البيئية شائعة. وقد وصف يانتشونغ هوانغ، كبير زملاء الصحة العالمية في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، هذه الظاهرة في كتابه الأخير بأنها «سياسات سامة».

وتتخذ القيادة الصينية خطوات للتخفيف من هذه التحديات، بما في ذلك خطوات على الصعيد الدولي. وفي واقع الأمر أحد الدوافع وراء مشروع الحزام والطريق الصيني هو الاستعانة بمصادر خارجية تتمثل في البلدان الأكثر فقرًا والأبعد مسافةً عن الصين؛ لتتحمل التلوث، والتدهور البيئي بدلًا عن الصين، إذ إن هذه البلدان في حاجة ماسة إلى تمويل البنية التحتية، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وستتجاهل حكوماتها المخاطر البيئية.

ويحدث هذا بالفعل في شرق أفريقيا، حيث تستهدف المشاريع الصينية تحديث البنية التحتية الإقليمية المتعلقة بالفحم، ولكنها في الوقت نفسه تزيد من اعتماد المنطقة على الفحم والمخاطر البيئية التي تصاحب استهلاك الفحم.

صربيا شريك مناسب

وأوضح الباحث في مركز بلجراد للسياسات الأمنية أن صربيا كانت شريكًا مناسبًا في هذه الجهود. وبفضل جغرافيتها الحاسمة؛ كونها محورًا رئيسًا بين أوروبا الوسطى والبلقان، كما أنها دولة واقعة على مفترق طرق بين أوروبا وأوراسيا الأوسع، تلقَّت البلاد قدرًا كبيرًا من الموارد والاهتمام الصينيَّين، إذ تحتاج بكين إلى صربيا والبلقان لربط نفسها بالأسواق الأوروبية من خلالهما.

Embed from Getty Images

وفي المدة من عام 2010 حتى عام 2019، استثمرت الصين 1.6 مليار يورو (1.9 مليار دولار) في صربيا، في حين أن قروض البنية التحتية الصينية لصربيا تقدر بأكثر من 7 مليارات يورو. وتكمن المشكلة في أن صربيا وجدت في الصينيين مصدرًا سريعًا وسهلًا للحصول على النقد؛ إذ كانت بكين على استعداد لتحمُّل مسؤولية المنشآت الصناعية القديمة المُثقَلة بالديون، والتي كانت تستنزف الأموال، لكنها كانت – لم تزل – توفر فرص العمل، وسبل العيش لعائلات الطبقة العاملة الصربية.

وفي حين أن الربح كان هدفًا من أهداف الصين من الوصول إلى الموارد الصربية – على سبيل المثال: كان الجزء الأكبر من الصادرات الصربية إلى الصين عام 2020 من النحاس الذي أنتجه مجمع التعدين المملوك للصين في مدينة وبلدية بور الواقعة في شرق صربيا – كان الهدف الرئيس للحكومة الصينية هو بيع فائض التكنولوجيا المتعلقة بالفحم، ونقل القوى العاملة المرتبطة بالفحم إلى خارج البلاد.

وفي عام 2016 وعقب زيارة تاريخية قام بها الرئيس الصيني شي جين بينج إلى صربيا، استحوذت شركة هيستيل الصينية (ثاني أكبر شركة منتجة للصلب في العالم) على مصنع فولاذ متعثر في مدينة سميديريفو الصربية، وكان هذا المصنع يومًا ما مملوكًا لشركة يو إس ستيل (أكبر شركة حديد أمريكية). وفي عام 2018 استحوذت شركة «تسيجين مايننج (Zijin Mining)» الصينية (شركة تعدين متعددة الجنسيات) على حصة بنسبة 63٪ في منجم بور، وهو مجمع تعدين النحاس الوحيد في البلاد، والذي كان مثقلًا بالديون. ولعبت حقيقة أن الشركات الصينية لم تلتزم بالمعايير البيئية الأوروبية الصارمة – والتي يصعب اتباعها في الاقتصاد الصربي المتخلف – دورًا في كل ذلك.

وبعد أن رفض «البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير (EBRD)» تمويل إنشاء محطة «كولوبارا بي» التي تعمل بالفحم في عام 2014، استحوذت الصين على المشروع. وتقف بكين أيضًا وراء مشروع تحديث محطة كوستولاك لتوليد الطاقة بالفحم، باعتبار ذلك جزءًا من اتفاقية عام 2010؛ مما يزيد من اعتماد صربيا على الفحم.

الشعور بالخطر

واستدرك الباحث قائلًا: ومع ذلك يشعر المواطنون الصرب الآن بالعواقب المترتِّبة على كل ذلك. واحتجَّ سكان مدينة سميديريفو، وقرية راديناك المجاورة، حيث يقع مصنع الصلب، على تلوث الهواء والتربة الناجم عن مصنع الصلب المملوك لشركة هيستيل. وكان تساقط الغبار الأحمر أمرًا معتادًا في سميديريفو. وفي سبتمبر (أيلول) 2020 رفعت مدينة بور شكوى جنائية ضد شركة تسيجين مايننج بسبب التلوث الناجم عن تعدين النحاس.

Embed from Getty Images

وأشارت وكالة حماية البيئة الصربية في عام 2019 إلى أن تلوث الهواء في مدن – مثل سميديريفو – يزيد عن معيار الاتحاد الأوروبي (تنص معايير الاتحاد الأوروبي على أنه يجب ألا تتجاوز نسبة تلوث الهواء في المتوسط عن 25 ميكروجرام/م3 في العام الواحد) لمدة 120 يومًا تقريبًا في العام. وتمتلك صربيا أعلى معدل للوفيات المرتبطة بالتلوث في أوروبا، وتحتل المرتبة التاسعة في العالم. كما أعرب البرلمان الأوروبي عن قلقه بشأن المشاريع الاقتصادية الصينية في صربيا، بما في ذلك تلك المشاريع الاقتصادية القائمة على أسس بيئية؛ مما أضاف عقبة أخرى في طريق صربيا نحو عضوية الاتحاد الأوروبي.

دولي

منذ أسبوعين
مترجم: كيف تقف كل من روسيا والصين وإيران ضد أمريكا في كوبا؟

ويبدو أن بلجراد قد تبنَّت نموذج «السياسة السامة» الذي تنتهجه بكين، مُفضلةً النمو الاقتصادي والشرعية السياسية في ظل تجاهل التهديدات البيئية التي تواجه السكان. ويمكن القيام بذلك بسهولة في بيئة سياسية يهيمن فيها فوتشيتش وحزبه التقدمي الصربي على النظام السياسي الصربي لدرجة أن المنظمة الرقابية فريدوم هاوس صنَّفت صربيا باعتبارها نظامًا هجينًا (نوع مختلط من النظام السياسي يجمع بين السمات الاستبدادية والميزات الديمقراطية).

وفي الوقت نفسه يدفع الفضاء الإعلامي الصربي، الذي تهيمن عليه الحكومة، بحماس من أجل تقديم سَرْديات مؤيدة للصين، ويقمع المعلومات المهمة بشأن قضايا، مثل المخاطر البيئية. ويتبنى القادة الصرب بكل غبطة وسرور المشروعات الصينية؛ لأن عدم الشفافية يشجِّع شبكات المحسوبية التي تساعدهم في البقاء بالسلطة. وعلاوةً على ذلك يتوافق وصول رأس المال الصيني مع الدورات الانتخابية؛ مما يمكِّن المسؤولين الصرب من الترويج لأنفسهم أمام الناخبين بأنهم هم الذين يفسحون المجال، ويُعبِّدون الطريق أمام وصول الاستثمارات الصينية إلى البلاد.

رد فعل عَصِيٌّ على القمع

وأفاد الكاتب أن حكومة صربيا تعمل جاهدةً لإخفاء المعلومات المتعلقة بالتلوث، بما في ذلك إقالة رئيس قسم جودة الهواء في وكالة حماية البيئة الصربية لاعتراضه على خطط رامية إلى تغيير عتبة التلوث. وبالإضافة إلى ذلك شجبت رئيسة الوزراء الصربية آنا برنابيتش على مَرأى ومسْمَع من الجميع الإحصاءات الصادرة عن منظمات دولية، مثل التحالف العالمي للصحة والتلوث، أو «Air Visual» التي تَعد صربيا وعاصمتها بلجراد من بين أكثر الأماكن تلوثًا في العالم.

Embed from Getty Images

وفي مدينة زرينجانين، حيث تبني شركة «لينج لونج (Linglong)» الصينية مصنعًا للإطارات، منعت الشرطة الصربية نشطاء البيئة من حضور مناقشة في سبتمبر 2020 عن تأثير المصنع على البيئة.

وفي بعض الحالات كان رد فعل المواطنين أقوى من أن تقمعه الحكومة. وفي أبريل (نيسان) من هذا العام، تجمّع آلاف الأشخاص في بلجراد للاحتجاجات البيئية. وأظهرت الاحتجاجات أن القضايا البيئية يمكن أن تكون سببًا في اتحاد مؤقت بين اليسار واليمين ضد الحكومة. وبعد مرور يومين على تلك الاحتجاجات أغلقت الحكومة منجم خام جاما تحت الأرض، المملوك لشركة تسيجين مايننج، ومصنع إعادة تدوير البلاستيك الصيني «فيتيان سوياي (FeitianSuye)» في قرية بيرليز مؤقتًا لأسباب بيئية.

لقد فات الأوان لإعلان النصر. إذ حصلت شركة تسيجين مايننج بالفعل على تصريح تعدين لتشغيل منجم «كوكارو بيكي (Cukaru Peki)» للنحاس والذهب، بدءًا من أواخر عام 2021. وفي أغسطس (آب)، ستعيد شركة هيستيل تشغيل أحد أفران الصهر في مدينة سميديريفو بعد تقليل الإنتاج إلى النصف العام الماضي بسبب جائحة كوفيد-19. ومع حلول الانتخابات الرئاسية الصربية عام 2022 يحتاج فوشيتش إلى رأس المال الصيني، سواء عن طريق الاستثمارات أو التسهيلات الائتمانية، لحملته الانتخابية.

وفي ختام مقاله أشار الباحث إلى أن المسؤولية النهائية تقع على عاتق الحكومة الصربية، وليس الصين. وفي حين أن تطبيق المعايير البيئية أكثر صعوبة حقًا في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل مثل صربيا، إلا أن هناك أيضًا حدًا لمدى خرق هذه المعايير. وفي نهاية المطاف ستكون إحصاءات الناتج المحلي الإجمالي والعمالة (ازدهار الاقتصاد) بلا قيمة إذا لم يستطع المواطنون الصرب التنفس «بسبب التلوث».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد