قال هال براندز في مقال له على موقع شبكة «بلومبرج» إن الولايات المتحدة بدأت في مراجعة قضية ذات أهمية أساسية لدورها في العالم. وستكشف هذه المراجعة –التي ستبدأ مع إعلان البيت الأبيض الميزانية للعام الجديد– عن مقدار ما ستنفقه أمريكا على الدفاع، لكن القضية الحقيقية هي ما إذا كان بإمكان واشنطن مواصلة لعب دورها القيادي التقليدي في الشؤون الدولية.
ويضيف براندز أن الولايات المتحدة مصدر استقرار للنظام الدولي، وذلك من خلال تفوقها العسكري. ومع ذلك، فإن أمريكا تقترب اليوم من «العجز الاستراتيجي»، وهي النقطة التي تتجاوز فيها التزاماتها قدراتها وقدرتها على الدفاع عن الحلفاء وردع الخصوم. والطريقة الوحيدة لتجنب المخاطر التي يستتبعها هذا الوضع هي تكريس موارد أكبر للجيش.
ولكن لسوء الحظ –يستدرك براندز– فإن الجهود المبذولة في هذا الاتجاه عُرقلت منذ فترة طويلة بسبب سوء الفهم المستمر حول الإنفاق الدفاعي الأمريكي. ثمة سبع أساطير على وجه الخصوص يجب تبديدها لإنجاح المراجعة المرتقبة.
تنفق أمريكا كثيرًا على الدفاع. هذا صحيح، فما يقرب من 600 مليار دولار من الميزانية مخصصة للإنفاق العسكري، لكن الهيمنة العسكرية الأمريكية لا ترقى إلى مستوى هذا الرقم الضخم، كما يشير براندز. فقد انخفض الإنفاق الدفاعي من 768 مليار دولار في عام 2010 إلى 595 مليار دولار في عام 2015، وهو أسرع تراجع خلال عقود عديدة. علاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة تواجه مجموعة متزايدة من التهديدات مثل: الصين، وروسيا، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وإيران، وكوريا الشمالية.

اقرأ أيضًا: مترجم: لماذا فقدت أمريكا إرادة الانتصار في الحروب؟

ويشدد براندز على أن البنتاجون ليس لديه القدرة على مواجهة كل هذه التحديات. فقد أظهرت تقييمات حديثة أجرتها مؤسسة راند أن الولايات المتحدة سوف تعاني من أجل الدفاع عن تايوان ضد الصين، وأن واشنطن وحلف شمال الأطلسي سيقفان عاجزين إذا غزت روسيا منطقة البلطيق. لعل الولايات المتحدة ما تزال متفوقة على أي منافس آخر، لكن قوتها العسكرية غير كافية لدعم استراتيجيتها العالمية.

شحنة أسلحة أمريكية إلى أوروبا

يرى بعض المحللين أن أمريكا لا تتحمل المزيد من الإنفاق على الدفاع –يضيف براندز– وأن زيادة الإنفاق الدفاعي سيفرض أعباءً لا تطاق على الاقتصاد الأمريكي، ويتسبب في ارتفاع الدين القومي. لكن براندز يؤكد أن هذا الرأي يتجاهل التاريخ ويبالغ في دور الإنفاق العسكري في عجز الميزانية الأمريكية. إذ تنفق الولايات المتحدة حوالي 3% من إجمالي الناتج المحلي على الدفاع مقابل 10% إلى 12% خلال الخمسينيات. ومن الصعب القول إن أمريكا عاجزة اقتصاديًّا عن الإنفاق أكثر على الجيش.

ينوه براندز بأن البعض يشير إلى أن زيادة الإنفاق الدفاعي غير مبررة من الناحية المالية؛ إذ إن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي وصلت إلى 76%. غير أن الإنفاق الدفاعي يستهلك 16% من الإنفاق الاتحادي، مقابل 49% على قطاعات أخرى مثل الضمان الاجتماعي. وإذا اتخذت إدارة ترامب قرارات صعبة سياسيًّا في ما يتعلق بالإصلاحات الضريبية، يمكنها حينئذٍ زيادة الإنفاق على الدفاع، وإعادة هيكلة نظامها المالي. وإذا لم يحدث ذلك، فإن العجز سينفجر بغض النظر عن مقدار إنفاق البلاد على الجيش.

ويؤكد براندز أن البنتاجون يهدر الكثير من الموارد بسبب البيروقراطية والاحتيال. فقد ذكرت دراسة حديثة أن البنتاجون يمكن أن يوفر 125 مليار دولار من خلال ممارسات تجارية أفضل.

يتعين على البنتاجون تحسين إدارته، ولكن المشكلة هي أن إهدار الموارد والاحتيال أمر لا مفر منه في أي منظمة كبيرة. وعلاوة على ذلك –يضيف براندز– فإن ما يبدو أنه تبديد لمراقب ما قد يكون برنامجًا مفيدًا لمراقب آخر. وعلى الرغم من أن الممارسات التجارية الأفضل يمكن أن تقلل من أوجه القصور، لا يمكن لأي برنامج إصلاح عملي أن يلغي فجوة الالتزامات التي تواجهها أمريكا حاليًا. وكما خلص تقرير لجنة الدفاع الوطني في عام 2014 «فإن التوفير الناتج من التصدي للإهدار وعدم الكفاءة لن يعالج النقص الحاد في التمويل بالوزارة على المدى القصير».

اقرأ أيضًا: مترجم: لماذا تتجنب كل الدول دخول حرب مع إسرائيل؟ 5 أسلحة هي السبب.. تعرف إليها

ثمة إشاعة كاذبة أخرى تزعم أن الجيش الأمريكي يمكنه أن يبتكر طريقة للخروج من العجز الاستراتيجي. فقد وصف مسؤولو البنتاجون وخبراء الدفاع الفكرة القائلة إن استراتيجية «الإزاحة الثالثة» –التي تركز على تطوير أسلحة التكنولوجيا الفائقة للتصدي لقدرات موسكو وبكين المتزايدة على منع القوات الأمريكية من الوصول إلى المناطق المتنازع عليها– يمكنها أن تحافظ على ميزانية الدفاع منخفضة.

يشدد براندز على أن الابتكار التكنولوجي ضروري للحفاظ على الردع الأمريكي في أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ، ومع ذلك فليس هناك في الوقت الحالي ما يكفي من التمويل لتطوير تكنولوجيات جديدة بالقدر الكافي. وقد أقرّ وكيل وزارة الدفاع، فرانك كندال، في عام 2016، بأن بلاده لا تمتلك الأموال اللازمة للمضي قدمًا في برامج التطوير التكنولوجي.

تدريبات مشتركة بين جيشي الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية

ويؤكد براندز أن القواعد الأمريكية في الخارج ليست السبب في ارتفاع الإنفاق الدفاعي. فمنذ الحرب العالمية الثانية، نشرت الولايات المتحدة مئات الآلاف من القوات لردع الصراعات، وتمكين الاستجابة السريعة للأزمات. وخلال حملة عام 2016، زعم ترامب مرارًا أن عمليات النشر هذه لا يمكن تحملها.

ونظرًا لأن حلفاء الولايات المتحدة يقدمون مليارات الدولارات في دعم الدول المضيفة، فباستخدام الطائرات الأمريكية، يمكن للسفن والموظفين في الخارج ألا يكلفوا أمريكا الكثير. يقدر مكتب الميزانية في الكونجرس أن جلب جميع قوات الجيش تقريبًا المتمركزة في الخارج من شأنه أن يحقق وفرة سنوية تقل عن 1.5 مليار دولار، أي 0.25% من ميزانية الدفاع الإجمالية. إن الوجود في الخارج يمكن تحمله، وهو استثمار فعال من حيث التكلفة في الحفاظ على السلام الدولي والنفوذ الأمريكي.

لن تؤدي زيادة الإنفاق الدفاعي إلى إثارة سباقات التسلح –يشدد براندز– إذ إن سباقات التسلح جارية بالفعل. زادت الصين من إنفاقها العسكري أضعافًا مضاعفة منذ عقدين تقريبًا. وحتى مع اقتصادها المتداعي، أنفقت روسيا الأموال لمجاراة قوة الولايات المتحدة التقليدية وحلفائها. وتختبر إيران –إلى جانب برنامجها النووي– صواريخ جديدة، وتفعل كل ما في وسعها لتغيير توازن القوى في الخليج الفارسي. إن الفشل في مواجهة هذا السباق، والحد من فرص نجاح الخصوم، سيكون المسار الأكثر زعزعة للاستقرار.

اقرأ أيضًا: «واشنطن بوست»: أمريكا تحارب أمريكا.. هكذا ساعدت الأسلحة الأمريكية «داعش»

إن إنفاق المزيد على الدفاع سيعفي حلفاء الولايات المتحدة من دخول سباق التسلح. صحيح أن حلفاء الولايات المتحدة لا ينفقون ما يكفي على الدفاع، وأن تعزيز الاستقرار في شرق آسيا أو أوروبا الشرقية سوف يتطلب منهم بذل المزيد من الجهد. ولكن تاريخيًّا، كانت الولايات المتحدة أكثر فعالية في حث حلفائها على بذل المزيد من الجهد عندما زادت أيضًا مساهماتها في الدفاع المشترك.

ففي أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، زاد الإنفاق العسكري للناتو بالتزامن مع حدوث زيادة كبيرة في نفقات الدفاع الأمريكية. وبالمثل، فإن برنامج الدفاع الطويل الأجل للناتو في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينيات، انبثقت عنه جهود متزايدة من جانب واشنطن وحلفائها على السواء. وعلى عكس الحكمة التقليدية، تحصل واشنطن عادة على أفضل أداء من حلفائها عندما يشعرون بالثقة في التزام الولايات المتحدة.

يختتم براندز بالقول إن المراقبين قد يختلفون حول مقدار الإنفاق اللازم من جهة واشنطن على الدفاع، وما هو مزيج القدرات التي يجب أن تشتريها. ولكن إذا كان على الولايات المتحدة أن تجري نقاشًا واقعيًّا بشأن الدفاع –وأن تواجه المشاكل والإمكانات الحالية لقيادتها العالمية– يجب عليها أولًا أن تبدد هذه الخرافات السبع سالفة الذكر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد