6 أشخاص يرقدون جثثًا هامدة في المياه القذرة

كانت الساعة الخامسة فجرًا، حين سقطت سيارتهم من على جسر في مالي، دولة غربي أفريقيا. رقصت السيارة في الهواء لثوانٍ، ثم تحطَّمت في نهر النيجر. ثلاثة من القتلى ينتمون للقوات الخاصة الأمريكية. السائق، وهو نقيب ملقب بـ «ويسكي دان» كان قائدًا لفريق غامض من العملاء السريين، لم يتم أبدًا ذكر فريقه في الإعلام، حتى الحكومي منه.

أحد الركاب كان عضوًا في وحدة أخرى أكثر سرية. القتلى الثلاثة الآخرين لم يكونوا من العملاء أو حتى أمريكيين، كنَّ مواطنات مغربيات، نادلات، أو فتيات ليل. توفي الستة بعد ليلة حافلة باللهو في عاصمة مالي، باماكو. طبقًا لتقرير المحققين الجنائيين في الجيش الأمريكي، فقد أمضى العملاء ليلتهم يتنقلون بين النوادي والبارات يأكلون ويشربون الفودكا التي تتدفق عليهم بغزارة. حوالي الخامسة فجرًا بتاريخ 20 أبريل، ركب الستة سيارتهم اللاند كروزر، للاستمتاع بنقطة ساخنة أخرى.

بعد حوالي 8 دقائق، حادث «دان» امرأة على هاتفه المحمول ليسألها إن كانت غاضبةً منه، ثم أعطى الهاتف لإحدى المغربيات معه لتخبرها ألَّا تغضب، وأنهم عائدون لأخذها معهم، المرأة على الطرف الآخر من الهاتف سمعت حينها صراخًا، ثم أُغلق الهاتف للأبد.

المعلومات التي يراد لها أن تختفي

Chadian and Nigerien Armies against Boko Haram

في السنوات التي تلت الحادث، ظلَّت «أفريكوم» صامتةً لا تتحدث عن ملابسات الواقعة الغامضة. أفريكوم هي واحدة من ضمن 6 وحدات قتالية تابعة للقوات المسلحة الأمريكية موزعة جغرافيًا حول العالم، ومقر قيادتها العليا في ثكنة في شتوتغارت، ألمانيا. تقوم الوحدة بمهام مشتركة مع الاتحاد الأفريقي والمنظمات الأمنية الأفريقية. هي مسؤولة عن كل مهام الدفاع والتدريب والتعاون الأمني في القارة. بدأت أفريكوم عملياتها في أكتوبر 2007، وأصبحت رسميًا وحدة مستقلة في أكتوبر 2008.

لم تكن تلك المرة الأولى التي يموت فيها قائد أمريكي في ظروف غامضة في أفريقيا، كما أنها لم تكن المرة الأولى – ولن تكون الأخيرة – التي يشك فيها المحققون في سلوك القادة الأمريكيين ليقودهم شكهم إلى تحقيق جنائي. في الواقع بعد توسُّع العمليات العسكرية في أفريقيا لتحقق رقمًا قياسيًا هو 674 مهمة في 2014 وحدها، تزايدت التقارير بخصوص السلوكيات غير الملائمة لعملاء أفريكوم. تتراوح التقارير يبن الإفراط في الشرب، إدمان المخدرات، ممارسة الجنس مع فتيات الليل، الاعتداءات الجنسية وأشكال أخرى من العنف. بعض التجاوزات تم إخفاؤها لأسابيع أو أشهر، أو حتى أعوام.

«يحوز جيشنا سمعةً طيبةً مبنيةً على التزام عميق بالقيم الأساسية المتجذرة في أعماق شخصياتنا.» هكذا يتحدث العميد واين جريجسبي الابن، وهو الرئيس السابق لقيادة أفريكوم. لكن الوثائق القانونية وتقارير البنتاغون وملفات التحقيقات الجنائية – والتي لم يكن قد كشف عن معظمها من قبل ولم يتم الحصول على كثير منها إلا بموجب قانون حرية المعلومات – تظهر بوضوح أن عملاء أفريكوم يتصرفون عادةً بشكل يتعارض تماما مع تلك «القيم الأساسية» التي يفترض أنها متجذرة في أعماق شخصياتهم.

«كمواطن وجندي أقدر أهمية وجود وعي شعبي ليبقى الحكم خاضعًا للمساءلة، وأيضًا للمحافظة على الثقة المتبادلة بين الجيش والأمة التي يخدمها.» يقول القائد العام لأفريكوم الجنرال ديفيد رودريجز في مؤتمر صحفي العام الماضي. لكن على الرغم من هذا التقدير فإن التحقق من الفضائح المذكورة في تلك الوثائق بالتواصل مع المكتب الإعلامي لأفريكوم فقط للتأكد من مدى صحتها ثبت أنه مستحيل.

حاولتُ مئات المرات الاتصال بالقائد العام للتعليق والإيضاح بشأن الوثائق. لكنني قوبلت بالرفض باستمرار. العشرات من المكالمات الهاتفية للشؤون العامة لم يتم الرد عليها وعشرات الرسائل الإلكترونية بقيت بلا رد أيضًا. اتصلتُ بالمتحدث الإعلامي لأفريكوم 32 مرة من رقمي المعروف فلم يرد عليّ، لكنَّني حين استخدمتُ رقمًا آخر ردَّ الرجل؛ وبمجرد أن عرف من أنا ادَّعى أن ثمَّة مشكلة في الشبكة وأغلق الخط فورًا.

هذه الاستراتيجية بطبيعة الحال تعكس جهود القيادة للحفاظ على سرية الأمور المحرجة. الإخفاء أو العبارات المقتضبة هو كلّ ما نحصل عليه في حالات كهذه. على سبيل المثال تعليقاً على حادث باماكو صدر بيان صحفي من 5 جمل، لا يحتوي على أسامي الضحايا الأمريكيين أو الأفارقة، بل حتى لم يذكروا أن المتوفين كانوا تابعين للقوات الخاصة ليكتفوا بذكر أنهم «عسكريون». بقيت بعض الأسماء سرية لأشهر بعد الحادث، إلى أن تسربت إلى واشنطن بوست وانتشرت.

فشل المتحدث الإعلامي لأفريكوم إذًا في الإجابة عن الاستفسارات أو تقديم أي إيضاحات بخصوص الحادث. التقرير الأخير الذي صدر عن التحريات الجنائية للجيش والذي تم الحصول عليه بموجب قانون حرية المعلومات، قرر أن موت الأمريكيين الثلاثة والنساء المغربيات كان بفعل حادث. لكن المراجعة النهائية للتقرير وجدت الجنرال دان مذنبًا لتهاونه في اللهو والشرب، والذي أدى إلى وفاتهم جميعًا.

الجرائم الجنسية لأفريكوم

التحريات الجنائية بعد الحادث في مالي حققت في علاقات عسكريي أفريكوم بالنساء الأفريقيات. لدى الجيش الأمريكي في الواقع قواعد لتنظيم العلاقات العاطفية والنشاط الجنسي. لكن أفراد أفريكوم لا يبدو أنهم يُخضعون أنفسهم لتلك القيود. حين سألتُ المتحدث الإعلامي لأفريكوم بنجامين بنسون إذا كان لديه معلومات عن مشاكل سببها السلوك الجنسي لأفراده، لم يجب أبدًا.

في الأعوام الأخيرة واجه الجيش الأمريكي اتهامات كثيرة بخصوص جرائم جنسية واسعة النطاق لعسكرييه. في تحقيق للبنتاجون قُدِّر عدد أفراد القوات المسلحة الذين تعرضوا لاعتداء جنسي عام 2012 فقط بـ 26 ألف شخص. على الرغم من أن واحدًا فقط من كل عشرة يقوم بالإبلاغ عن الانتهاك. ارتفعت هذه النسب في عامي 2013 و 2014 ووصلت حتى 50%. لكن يبقى من المستحيل معرفة تفاصيل الجرائم كلها لأن الضحايا في الغالب يفضلون الصمت. لكن الوثائق التي نشرها موقع TomDispatch )برقيات توم( اعتمادًا على قانون حرية المعلومات، تظهر أن ثمة مشكلة حقيقية بهذا الخصوص.

في أغسطس 2011 على سبيل المثال، قام أحد جنود البحرية بإجراء العديد من المكالمات العشوائية لغرف الفندق الذي يقيم فيه في ألمانيا، تتبُعُ المكالمات أظهر أن بعضها احتوى على دعوة لممارسة الجنس. بعد أسبوع من هذه المكالمات، قام الجندي والذي كان يعمل استشاريًا لدى المخابرات المركزية الـ CIA من قبل، قام بالتحرش جنسيًا بفتىً في الـ 14 من عمره.

في العام ذاته، وفقًا لتقرير وزارة الدفاع الأمريكية ارتكب أحد الضباط في قاعدة أمريكية في جيبوتي انتهاكات جنسية ضد إحدى مرؤوساته. بناءً على التقرير لم يعاقب الضابط إلا بتخفيض راتبه وغرامة قدرها نصف راتبه لمدة شهرين و45 يومًا من الخدمة الإضافية. لكن حتى العقوبتين الأخيرتين تمّ تعليقهما لحين البتّ فيهما إداريًا.

في نفس المكان في جيبوتي عام 2011 تحدثت إحدى المجندات عن تعرضها للاغتصاب من قبل زميل لها، ولم يحصل الرجل على أي عقوبة، في الواقع تم إعلان الضحية مذنبة لفشلها في إطاعة الأوامر.

في جيبوتي أيضًا ذكرت مجندة أخرى تعرضها لتجاوزات جنسية مشابهة. طبقًا لوثائق القوات الجوية، فإن ثمة اتهامات أيضًا بخصوص الشروع في جرائم اغتصاب في المغرب، لواط قسري في إثيوبيا وحيازة مواد إباحية لأطفال في جيبوتي، كلها جرائم ارتكبت عام 2012 فقط.

لم تصدر وزارة الدفاع حتى الآن تقريرها عن الاعتداءات الجنسية في 2014، كما فشلت أفريكوم في إصدار أي إحصائيات خاصة بها. لكن بالنظر إلى أن معظم الجرائم لا يتم الإبلاغ عنها، فإن أي أرقام تظهر ستكون بلا شك أقل بكثير من الواقع.

جرائم أخرى: مخدرات، عنف، وأسلحة

صباح الـ 10 من أبريل عام 2010، كان أحد محققي البحرية يدخل غرفة في فندق بمنتجع الرمال البيضاء في مومباسا، كينيا. كانت هناك زجاجتان فارغتان من الخمر، ومنتجات للعناية الشخصية النسائية، وواقيات ذكرية غير مستعملة، ومسحوق تصنع منه مخدرات غير قانونية. معلومات ذكرت أيضًا في الوثائق التي حصل عليها موقع توم ديسباتش بموجب قانون حرية المعلومات. قبل ثلاثة أيام كان يرقد في تلك الغرفة الرقيب روبيرتو دياز بوريا مع فتاة ليل اصطحبها من حانة قريبة كانت مقرًا للمخدرات والدعارة كما يقول المحليون، في الصباح وجد روبيرتو ميتًا. بعد فترة وطبقًا لتحقيقات الجيش، ظهر أن سبب وفاة الرقيب هو تسمم للإفراط في الشرب وتناول الهرويين والكوكايين. لم يقل أحد من أين حصل روبيرتو على مخدراته، لكن التقرير يقول أنه كان ثمة إجماع بين الشهود على سهولة الحصول على أنواع المخدرات في الوحدة التي كان يعمل بها.

ليست كينيا استثناءً بالطبع، تقارير أخرى أثبتت حوادث مشابهة في إثيوبيا وبوركينافاسو والكاميرون في نفس العام. لم يجب المتحدثون الإعلاميون لأفريكوم على تساؤلاتنا بخصوص أي من الحوادث. المتحدث العام إريك إليوت قال أن القوات كانت تقوم بمهام إنسانية في المنطقة. في الحقيقة هذا ما تقوله الوثائق أيضًا، تثبت جميعها أن الوحدات في أفريقيا تقدم جميعها بالفعل أشكالًا مختلفة من المساعدات أو التدريب أو مهام مفيدة أخرى، لكنّ الوثائق تقول أيضًا أن قوات أفريكوم تفعل أشياء أخرى بجانب تلك الخدمات المفيدة.

في الـ 19 من أبريل 2013، أطلق ضابط ثمل النار على زملائه في وحدة تابعة لأفريكوم في كينيا، لم يتم تغطية الحادثة إعلاميًا كالعادة، لكن التحقيقات المتتابعة أظهرت أنه ليس حادثًا فريدًا من نوعه، وأن كينيا ليست استثناءً في حوادث العنف أو حمل السلاح ضد الزملاء أيضًا.

مخالفات مالية

لا تقتصر جرائم أفريكوم على الجنس والمخدرات والأسلحة، ثمة متاعب قانونية أخرى تواجههم. بدءًا من الرأس الأول فيها، وحتى الأفراد. تم خفض رتبة رئيس أفريكوم الجنرال ويليام وارد، وذلك بعد تحقيقات موسعة عام 2012 قام بإجرائها مكتب وزارة الدفاع. وجد المفتش العام أن الجنرال وارد استخدم طائرات عسكرية في السفر لأسباب شخصية، وأنه أنفق أموال دافعي الضرائب ببذخ على الفنادق. ظهرت قصة وارد للعلن، لكن من يعرف أمام كل قصة انتهاك جنسي أو عنف أو استغلال للأموال في أفريكوم كم قصة لم تظهر بعد؟

لسنوات، ومع التزايد الكبيرة في أعداد العسكريين الأمريكيين الذين ينتقلون إلى أفريقيا، اعتادت أفريكوم التستر الكامل على كل جوانب مهماتها تقريبًا، من مواقع انتشار القوات وحتى خطط التوسع. ليس مستغربًا إذًا أن تفعل نفس الشيء عندما يتعلق الأمر بالأسئلة التي تخص فضائح عسكرييها. بما أن أموال دافعي الضرائب تمول انتهاكات أفريكوم، فإن على المتحدث الرسمي لهم أن يتوقع عودة اتصالات الصحفيين به قريبًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد