اشتهر المغرب منذ عقود بأنَّه وطنٌ تسوده المُخدرات والدعارة، وهي الصورة التي ترى الصحافية والكاتبة ليزا فورمان أنَّها نتاجٌ لتصرُّفات التهامي الكلاوي. فمن هو هذا الحاكم وكيف حكم المغرب؟

ذكرت ليزا في تقريرها لموقع «ديلي بيست» الأمريكي أنَّ الكلاوي كان باشا مراكش بين عامي 1912 و1956، وأُشيع أنَّه أغنى رجلٍ في العالم آنذاك. إذ أدار شبكة دعارة ضخمة، لدرجة أنَّ عدد النساء في شبكته داخل مراكش وصل إلى 27 ألف امرأة، وكن يُشكِّلن نسبة 10% من سُكَّان المدينة.

تعرَّفت ليزا إلى الكلاوي وقصره المهيب إبان تأليف رواية تدور أحداثها في المغرب. وقالت إنَّ مجلة «فانيتي فير» الأمريكية ذكرت في مقالها الصادر عام 2015 أنَّ «وصول تلك العائلة إلى السُلطة كان أشبه بالسماح للمافيا بإدارة لاس فيجاس».

كيف أصبح ملك المغرب «الناجي الوحيد» في شمال أفريقيا؟

ماضٍ على وشك الاندثار

استغرقت ليزا عشرات الرحلات إلى المغرب من أجل الوصول إلى قصر «قصبة تلوات» الأسطوري، و«القصبة» هي كلمة أمازيغية تعني مكان التجمُّع واللقاء، وهي محل إقامة عائلة التهامي الكلاوي الأسطوري، الذي صمَّموه ليُصبح أجمل قصرٍ في العالم. ويُشاع أنَّه كان يحتوي على أفخم أشكال العمارة الإسلامية داخل المغرب. وتعتقد ليزا أن الكلاوي جهَّز المنزل باستخدام نقود البغاء الخاصة به.

ذكرت ليزا أن الوصول إلى القصبة ليس أمرًا سهل المنال للجميع، لكنَّها تنصح أي زائرٍ للمغرب بزيارة القصر قبل أن ينهار ويتحوَّل إلى تراب. إذ يختبئ داخل جبال الأطلس الكبيرة في المغرب، ويقع على طريق القوافل القديم المُؤدِّي إلى الصحراء الكُبرى، وهو الطريق الذي كانت تُشرِفُ عليه عائلة الكلاوي وتَُمُرُّ عبره البضائع الثمينة مثل الذهب والعاج المنقول من الجنوب إلى حُكَّام الشمال.

أدَرَّ ذلك الطريق الكثير من الأموال على الكلاوي الذي استغل موقعه، وحقيقة أنَّه كان مسؤولًا عن البربر في الجبال المحلية التي لا يستطيع الفرنسيون فرض سيطرتهم عليها، مما جعله باشا مراكش تحت الحكم الفرنسي خلال تلك الفترة. وكان مكروهًا لأنَّه خان شعبه وأقام الحفلات الفخمة للترفيه عن الضيوف الأجانب رفيعي المستوى داخل القصر. لذا ترك الجميع هذا القصر ليتعفَّن في ما بعد.

الطريق إلى القصبة

غادرت ليزا كاليفورنيا مُتَّجهةً إلى أوروبا، لكنها كانت تبحث عن مكانٍ أدفأ لقضاء فصل الشتاء، لذا وجدت نفسها داخل المغرب في أكثر من مُناسبة. وألَّفت كتابًا عن البربر، شعب المغرب الذي خان التهامي الكلاوي قطاعاتٍ كبيرةٍ منه مُقابل الحصول على لقب الباشا الذي منحه له الفرنسيون.

أمضت ليزا السنوات الأخيرة في اجتياز طريق القوافل القديم، الطريق الذي سيطرت عليه العائلة، قبل أن تصل في نهاية المطاف إلى القصبة المُتداعية. ويُقال إنَّ عملية بناء القصر شارك فيها أكثر من ألف عامل و300 حرفي. لكنَّ منزل «القصبة» الأسطوري أوشك على الانهيار، ورحلة الوصول إليه هي رحلةٌ شاقة تَمُرُّ عبر طريق القوافل القديم الذي يخترق قمم جبال الأطلس الرائعة.

Embed from Getty Images

تبدأ الرحلة من الجدران الحمراء لمدينة مراكش، قلب المغرب النابض، وصولًا إلى الكثبان الرملية المُتلألئة جنوبًا في الصحراء الكبرى. ويخترق الطريق المُعبَّد الآن التلال وقمم الجبال المُمتدَّة والمُزخرفة بالأشجار.

وأفاد التقرير أنَّ الفرنسيين أغلقوا طرق القوافل حين حكموا المغرب، خلال النصف الأوَّل من القرن العشرين. وليس الأمر مُستحبًا الآن، كما كان في الماضي. لكن كل شيءٍ تغيَّر. فخلال إحدى زياراتها، شاهدت ليزا البغال تُهرول بطول المسارات المُتهالكة على جانبي الطريق، حيث تنتشر الثياب المغسولة خارج المنازل نصف المبنية.

هناك تُباع أواني الفخار والسجاجيد المصنوعة يدويًا والمزينة بالرموز المحلية، والمنسوجة من الصوف والحرير. وشاهدت أيضًا الرجال الذين يرتدون الجلابيب التقليدية وهم يستقلُّون الحافلات المُتهالكة التي تنقلهم ذهابًا وإيابًا.

وبحسب ليزا، فإنَّ العابر بطول الطريق سيُشاهد استراحاتٍ تحتوي على مناضد مُؤقتة خارج المقاهي القاحلة، بالإضافة إلى قطع اللحم النيئ المُجهَّز للشواء والمُتدلِّي في مهب الريح. وأوضحت أنَّ الأيام الذهبية لعائلة التهامي الكلاوي قد ولَّت إلى غير رجعة.

وذكرت أنَّ القصبة تتربَّع على قمة الجبل الكامن في قلب المرتفعات الشاهقة المغربية، وكانت موقعًا للسهرات الأسطورية التي تحضرها النخبة العالمية، على غرار قلعة هيرست الفخمة المملوكة لقُطب الصحافة ويليام راندولف هيرست في كاليفورنيا. وسيطر أمراء حرب عائلة الكلاوي على طريق التجارة المُهم من قصرهم.

وبحسب التقرير، بُنِيَت القصبة في موقعها الحالي خلال ستينات القرن التاسع عشر. وأُعيد تصميمها ببذخٍ أوائل القرن العشرين، حين قضى 300 عامل ثلاثة أعوامٍ في تزيين الأسقف والجدران التي جرى ترميم بعضها مؤخرًا.

روايةٌ تقود إلى القصر

مرَّت ليزا خلال العديد من رحلاتها بجبل توبقال، أعلى قِمم شمال أفريقيا، دون أن تعلم بوجود القصبة. لكنَّ القصبة لفتت انتباهها قبل بضع سنوات أثناء جلوسها داخل «دار خليفة»، قصر كازابلانكا الذي اشتهر بفضل كتاب «دار الخليفة» لمالكه طاهر شاه.

Embed from Getty Images

وأوضحت ليزا أنَّها انتهت إلى القصبة أثناء تأليف روايتها داخل حديقة «دار الخليفة»، وتكشَّفت حبكة الرواية داخل عقلها لتبلُغ ذروة أحداثها في قصر القصبة الأسطوري، الذي لم تَكُن قد زارته حتى ذلك الوقت. ورأت الكاتبة ضرورةً في زيارة القصبة، قبل أن ينهار ذلك القصر ويتحوَّل إلى تراب. وأخبرها شاه أنَّ القصر آيلٌ للسقوط، لدرجة أنَّ غُرفه التي لا حصر لها بدأت في التلاشي بمرور الوقت.

تاريخ التهامي الكلاوي.. أو تاريخ الرجل المكروه

بحسب التقرير، يُعدُّ القصبة واحدًا من أماكن الترفيه المُتعدِّدة التي اصطحب التهامي الكلاوي زُوَّاره إليها. لكنَّ الطابق العُلوي من القصر كان يختلف تمامًا عن طابقه السُفلي، إذ خُصِّص الطابق العلوي لاحتفالات الضيوف، في حين امتلأت أقبيته بالخونة الذي عُلِّقت رؤوسهم على الأبواب عادةً بحسب الأسطورة. وما تزال بعض تلك الأقبية موجودةً حتى يومنا هذا.

وكان الناس يكرهون التهامي الكلاوي لدرجة أنَّهم اصطادوا مُساعديه وأحرقوهم بمُجرَّد وفاته. وصادرت الحكومة ممتلكاته، ثُم تركت قصر القصبة الأسطوري ليأكله العفن.

ووصفت ليزا القصر بأنَّه يبدو اليوم من الخارج وكأنَّه واحدٌ من بيوت الرعب في أفلام «ديزني». إذ انهارت الغرف واحدةً تلو الأخرى، منذ أن هُجِرَت عام 1956. وتنتصب الجدران المُسنَّنة وأكوام الأنقاض التي يتجوَّل بينها الأطفال والبغال، في تناقضٍ صارخٍ مع عشرات الغرف التي ما تزال قائمةً برونقها الأصلي، في قلب هذا المُجمَّع السكني العجيب.

التهامي الكلاوي

وروت الكاتبة أنَّها حين عقدت العزم على زيارة القصبة، استقللت سيارة أجرة من مراكش ودفعت لسائقها 100 دولار مُقابل قضاء اليوم معها. ووجدت حارسين يقفان خارج القصر بمُجرَّد وصولها، فدفعت رسوم الدخول الزهيدة ودخلت بمفردها. ولم تدفع الكثير من المال مُقابل امتياز استكشاف الغرف الكامنة خلف الأبواب الخشبية المُزخرفة بدقة، فأصبحت ملكةً على ما تبقى من آثار القصبة لعدَّة ساعاتٍ في ذلك اليوم.

وبحسب التقرير، نادرًا ما يُقرِّر شخصٌ اجتياز طريق القوافل الرئيسي مُتَّجهًا إلى أطلال القصبة. إذ يستغرق الوصول إلى القصبة ساعةً كاملةً بالسيارة على طريقٍ وعرةٍ وبعيدةٍ عن الطريق الرئيسي. لذا شعرت ليزا بالخوف أثناء صعود السلالم المُتهالكة واجتياز الممرات الطويلة الخالية، قبل أن تصل إلى حرم القصبة الداخلي. وشاهدت طائرًا يدخل من سطح القصر، قبل أن يُحلِّق خارجًا من النافذة المكسورة التي تكشف مشهدًا خلابًا تحت أضواء الشمس الساطعة.

واستكشفت ليزا الحرملك، وهو مساحةٌ شاسعةٌ وطويلة لنساء القصر بجوار غرفة النوم الرئيسية. قبل أن تتأمَّل براعة الأعمال الخشبية، وانحناءات الأقواس الرخامية، والبلاط الرائع، والأبواب المنقوشة بدقة، والتي تقود إلى سلسلة من الحجرات الداخلية. وقضت وقتًا أطول في النظر إلى ألوان الجدران العميقة، قبل أن تستقر أمام حافة النافذة لتستمد الدفء من أشعة الشمس أثناء الكتابة. وحاولت تخيُّل شكل الحياة اليومية داخل هذا القصر في الماضي.

تجوَّل سائق سيارة الأجرة لبضع ساعاتٍ، قبل أن يعود ليكسر الصمت المُخيِّم على المكان، استمتعت ليزا خلالها بسحر العُزلة داخل هذه المساحة المشؤومة. ووصفت الكاتبة التجربة بأنَّها أشبه بتذوُّق قطعةٍ من التاريخ للمرة الأولى، واستكشاف عرين رجلٍ خان شعبه. وهذه ذكرياتٌ لن يرغب السائق أو حكومته في الحفاظ عليها.

لكن ليزا قرَّرت استغلال ذلك القصر ليكون مسرح أحداث روايتها الخيالية، والتي يلقى خلالها مُراسلٌ فرنسيٌ مصرعه إبان كشفه لتقاليد البربر السرية، التي ساعد التهامي الكلاوي باشا على طمس تاريخها من هذا الموقع تحديدًا. وأصبحت الرواية في نهاية المطاف أشبه بمهمةٍ لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه.

تلمسان الجزائرية.. «قرطبة أفريقيا» التي كان يخشاها العثمانيون

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات