في هذه السلسلة الخاصة، بعنوان «الثورات الجنسية»، تُناقش BBC «الأسئلة الكبرى» المتعلّقة بالجنس والنشاط الجنسي في عالمنا اليوم.

بعد أكثر من 60 عامًا من نشر العالم «ألفريد كنزي» أعماله الرائدة حول السلوك الجنسي للذكور الإناث، والتي مثّلت كسرًا للقيود على النقاش المفتوح حول التعددية الجنسية، يتقبل معظم الناس في العالم اليوم الطرق المختلفة التي يتم التعبير بها عن الجنس والهوية الجنسية، والتي يُرمز إليها بقوس القزح؛ العديد من الألوان المختلفة التي تنسجم سويًا في بناءٍ واحد. في هذه السلسلة الخاصة، بعنوان «الثورات الجنسية»، تُناقش BBC «الأسئلة الكبرى» المتعلّقة بالجنس والنشاط الجنسي في عالمنا اليوم.

1- ماذا يحدّد نوعنا؟

Untitled.png1

النقاش مطروح حول العوامل التي تحدد نوع الإنسان منذ عقودٍ طويلة. على السطح، قد يبدو الأمر بسيطًا: كروموزومان X يجعلانك أنثى، حيثُ يغيب التستوستيرون وتتكون المبايض. كروموزوم X وآخر Y يجعلانك ذكرًا بفعل التستوستيرون. ربّما كان هذا صحيحًا بالنسبة للنوع الجسدي، لكن يبدو أن النوع السيكولوجي يتحدّد لاحقًا، وهو ما يفسّر شعور بعض الذكور بأنهم في الأصل إناث والعكس، ولجوئهم في حالات نادرة إلى جراحة تغيير النوع.

في التسعينيات، انتقل الاهتمام إلى الفروق بين العقل الذكري والعقل الأنثوي بعد صدور كتاب «الرجال من المريخ والنساء من الزهرة». يعترف المقال بوجود اختلافاتٍ بين العقلين الذكري والأنثوي، لكن كثيرًا ما يُبالغ الناس في أهمية هذه الاختلافات الطفيفة؛ والتي منها أنّ عقل الذكر أكبر حجمًا قليلًا من عقل الأنثى، وأنّ الطبقة الخارجية أكثر سمكًا في الأنثى عن الذكر.

ومع وجود بعض الدراسات التي أكّدت وجود هذه الاختلافات، خاصة بدراسة أدمغة المتحولين جنسيًا، فإنها ليست دليلًا كاملًا على أنّ الهوية الجنسية أمرٌ يولد الإنسان به، فالعقل يتميّز بقدرة فطرية على إعادة تشكيل نفسه استجابة للخبرات والمؤثرات الخارجية، وهو ما قاد إلى اعتقاد بأن الأطفال صفحات بيضاء من حيث الهوية الجنسية يُمكن تشكيلها وفقًا للظروف الخارجية.

لكن بعض الحالات تحدّت هذا الاعتقاد، منها طفلٌ فقد عضوه الذكري في جراحة عندما كان عمره 8 أشهر، وارتأى الأطباء أنه من الأفضل أن يكون أنثى بدلًا من ذكر. وبالفعل، أجريت عملية تغيير النوع للفتى في السابعة عشر من عمره، وأعطي هرمونات أنثوية. لكن إحساسه بأنه ذكر لم ينفك عنه، وأدى في النهاية إلى عودته إلى نوعه الأصلي.

ربما نفهم بعض العوامل التي تحدد النوع الجنسي، لكننا بعيدون عن تكوين صورة كاملة عن الأمر. يجادل المقال أنه ربّما حان الوقت للتخلي عن رؤيتنا الثنائية للنوع، ونتعامل معه باعتباره طيفٌ واسع يتدرج من الذكورة إلى الأنوثة، كأي سمة سيكولوجية أخرى، مثل الميل إلى التوحد.

2- «أنا مثلي.. لكني لم أولد مثليًا»

اختار الصحفي المثلي «براندون أمبروزينو» العبارة السابقة عنوانًا لمقاله. يتحدّى «أمبروزينو» الفرضية السائدة في المجتمع عن كون المثلية ليست اختيارًا للمرء، أو ما يسمّيه بنظرية «ليدي جاجا» في أغنيتها Born This Way، وأن التوجه الجنسي هو أمر يولد الإنسان به، وهو ما حاولت إثباته عدة دراسات وجدت بالفعل أدلّة على وجود جينات ربّما تلعب دورها في كون الشخص مثليًا أم لا. يؤكد «أمبروزينو» أنّه اختار مثليته بعد علاقاتٍ بالجنس الآخر، وأنّه لا يعتبرها مجرد عثرات في اكتشاف توجهه الجنسي الحقيقي، بل جزءًا من تطوّره ونضوجه الجنسي والفكري. مثل النوع، التوجّه الجنسي وليد عوامل كثيرة محتملة، جينية وهرمونية ومجتمعية وثقافية.

ينتقد «أمبروزينو» العدائية التي يُقابل بها كل من يعتقد أن المثلية، بالنسبة لبعض الناس على الأقل، اختيار، خاصة من أوساط المثليين الذين يرون هذا الاعتقاد سلاحًا في يد الذين يحاولون سلبهم حقوقهم المدنية. «باتريك جرانكا»، أستاذ علم النفس المساعد بجامعة تينيسي، قال إنّ بعض من يعتقدون بأن المثلية شيء فطري وراثي يحتفظون بنظراتهم السلبية إلى المثليين. ويقول الكاتب «جين وورد» أنّ كونها حجّة ملائمة سياسيًا لا يعني أنّها صحيحة.

بل إن «أمبروزينو» يرى أنّ مثل هذا الاعتقاد مضرٌ للمثليين وليس نافعًا لهم، إذ أنّهم لا يصلون إلى التصالح مع أنفسهم، بل يقولون إنّهم بالتأكيد كانوا يريدون أن يكونوا «أسوياء»، لكن لا حيلة لهم. يقول «وورد»: «تخيّل لو كانت السردية السائدة بين الملونين كالتالي: بالطبع كنا نريد أن يكون لوننا أبيض.. أليس هذا ما يريده الجميع؟ هذه عنصرية بالغة، ولا يمكننا القبول بمثل هذا السرد».

3- «اللاجنسية»: التوجه الجنسي الذي لا يتحدث عنه أحد

قبل 2004، حين نشر الأكاديمي الكندي «أنتوني بوجارت» ورقته البحثية حول «اللاجنسية» Asexuality، لم يكن الحديث عنها شيئًا منتشرًا مثل التوجهات الجنسية الأخرى، مثل المثلية وثنائية الجنس.يقول «مايكل دور»، عالم الرياضيات البالغ من العمر 33 عامًا، أنّه لم ينتبه إلى اختلافه عن رفاقه من الشبان إلا في سن الرابعة عشرة، حين لاحظ عدم انجذابه إلى تقبيل الفتيات أو إلى المواد الإباحية، وعدم مشاركتهم الحديث عنها. يُنبّه المقال إلى الفرق بين اللاجنسية والتبتّل؛ الأخير اختيارٌ شخصي يتعهد به الشخص على نفسه. هو ليس عجزًا جنسيًا مرضيًا كذلك. اللاجنسيون ليسوا أشخاصًا معيبين أو ناقصين؛ هم ببساطة مجرّدون من الرغبة الجنسية تجاه كل إنسان، أو تقلّ عندهم هذه الرغبة عن المعتاد.

يعتقد الكثير من الناس أن الحياة الجنسية للشخص تحدد مقدار صحته وسعادته، وأن الغريزة الجنسية هي «واحد من ثلاثة أو أربعة محركات أساسية لكل ما نفعله ونحلم به»، كما كتب «فيليب ويلي». لذا فمن الطبيعي أن تبدو فكرة أن يكون الشخص مجردًا من الرغبة الجنسية غريبة نوعًا وغير مفهومة بالكلية، وأن يخجل اللاجنسيون من التعبير عن أنفسهم. دراسة حديث بجامعة ييل سرد فيها 169 لاجنسيًا تجربتهم، وصف فيها أكثرهم عدم التصديق الذي لاقوه من الأهل والأصدقاء. منهم من قيل له إنّها «مرحلة عابرة» ستنتهي بلقاء «الشخص المناسب»، ومنهم من ردّ قائلًا: «أنت لست شجرة». في عالمٍ تتمحور الكثير من جوانبه حول الجنس، يواجه اللاجنسيون «التمييز، أو على الأقل قدرًا من الانفصال عن العالم» على حدّ قول «بوجارت».

مثل جميع التوجهات الجنسية، اللاجنسية طيفٌ واسع يتدرج من حيث النشاط الجنسي، ومن حيث التوجه الرومانسي كذلك، إذ يقع بعض اللاجنسيين في حبّ الجنس الآخر، أو الجنس المماثل، أو الاثنين، أو لا يحتاجون إلى العلاقة الرومانسية من الأصل.

4- هل العلاقات التعددية مستقبل الرومانسية؟

دائمًا كان الحب هكذا: يقع الرجل في غرام امرأة، يتزوجا، يعيشان في «تبات ونبات»، ينجبان الأولاد والبنات. يبقيان معًا إلى الأبد. أليس كذلك؟

وفقًا للمقال، لم يكن الأمر كذلك على الدوام. فالعلاقات التعددية كانت جزءًا طبيعيًا من حياة أسلافنا الصيادين، ولم تزدهر العلاقات الأحادية إلا مع استقرارهم، لأسباب عديدة، منها الجانب الاقتصادي، حيث سمحت بتوريثٍ أسهل وتقسيم للممتلكات بين الأبناء. ثمّ جاءت المثالية الفكتورية في القرن التاسع عشر، لتُسيطر على العلاقات الأحادية لحساب الحب الرومانسي.

لكن العلاقات التعددية مسموح بها في 83% من مجتمعات العالم اليوم. لا توجد صورة ثابتة للعلاقة التعددية، فكل مجموعة «شركاء» في العلاقة لهم طريقتهم الخاصة. البعض يعيشون في منزل واحد، والبعض الآخر يخوضون علاقاتٍ طويلة المدى وأخرى قصيرة المدى في آن واحد. لكن المُشترك بينها هو الانفتاح، الثقة، والتقبل، وغيابٍ للغيرة.

بالطبع لا يخلو الأمر من وصمة اجتماعية. أبرز الاتهامات التي يوجهها المجتمع للمنغمسين في علاقة تعددية أن الأمر أولًا وأخيرًا متعلق بممارسة الجنس. لكن وفقًا لمشاركين في علاقات تعددية، فالأمر لا يخلو من التزامات عاطفية وأخلاقية تجعل الأمر يتطلب الكثير من العناء والجهد، بالتأكيد هناك طرقٌ أسهل لممارسة مزيد من الجنس. أمّا فيما يتعلّق بالأطفال فإن الصعوبات التي يواجهونها، وفقًا للمقال، لا تختلف كثيرًا عن الصعوبات في أي عائلة، بل إن الأطفال ربما يستفيدون من كثرة البالغين الموجودين بالمنزل.

وبعد تقنين زواج المثليين في الولايات المتّحدة، يسعى النشطاء إلى تقنين الزواج التعددي، لحل الكثير من المشاكل التي تواجه التعدديين حاليًا، مثل رعاية الأطفال، وعدم وجود قوانين تُجرّم التمييز ضدهم.
هذه 4 مقالاتٍ مختارة من سلسلة BBC، التي لا تزال مستمرة في طرح مزيد من النقاشات، في محاولة لاكتساب فهمٍ أعمق لحياة الإنسان الجنسية، بصفتها عاملًا أساسيًا يؤثر في جوانب الحياة الأخرى تأثيرًا هائلًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد