يبدو أن الثنائيات التنافسية وتوازنات القوى في العالم ستواصل فرض ظلالها على مجريات الأحداث والواقع. وإن كان العالم شاهدًا على ثنائيات عالمية على شاكلة أمريكا- روسيا، وهي ثنائية نتجت من الحرب العالمية الثانية، وأمريكا- الصين، التي أنتجتها النيوليبرالية، وأخرى إقليمية على شاكلة السعودية- إيران، التي تتباين جذورها بين تاريخية وعقائدية. يبدو أن ثنائية تنافسية إقليمية أخرى تتشكل في الظل بين مصر وإيران، وبكلمة سر واحدة: غزة.

نشر موقع «المونيتور» مقالًا يعرض تنافسية تدور خلف الكواليس بين مصر وإيران من أجل النفوذ في غزة. وبالرغم من عدم وضوح رايتي المعركة، تشن كلتا القوتين المحوريتين في الشرق الأوسط حربًا مريرة من أجل ضمان نفوذها في غزة، إذ تقدم كل منهما مسارات مختلفة اختلافًا جذريًّا لأزمة قطاع غزة المحاصر.

ويشير المقال إلى أن إيران تعمّق علاقتها بحماس، مما يثير احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية ثانية مع إسرائيل، ليكتمل بذلك عقد التهديدات التي يفرضها حلفاء إيران، ممثلين في حزب الله في جنوبي لبنان وسوريا في الشمال. إذ إن زيادة تقارب العلاقات بين غزة وطهران قد يحمل خطرًا ينذر بانهيار الهدنة الصعبة بين حماس وإسرائيل، التي بدأت منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2018.

أما مصر، الدولة المجاورة لغزة، فهي تقدم طريقًا بديلة أكثر عملية. إذ تقود القاهرة حملةً دبلوماسية لعقد مصالحة بين حماس، التي تحكم قطاع غزة، والسلطة الفلسطينية، التي تشرف على الضفة الغربية وتدعي أحقيتها في حكم غزة. وتتواصل مصر أيضًا مع إسرائيل لمنع مواجهة عسكرية أخرى بسبب قتل إسرائيل عضوًا من حركة حماس بطريق الخطأ بداية الشهر الحالي يوليو (تموز).

سلط الموقع الضوء على الاتفاق الظاهر بين علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية، وقادة حماس. ففي الأسبوع الماضي، استقبل خامنئي وفدًا رفيع المستوى من أعضاء حركة حماس في طهران. واتسمت الأجواء العامة للقاء بالدفء والود. وقال خامنئي إن القضية الفلسطينية «مسألة دينية»، و«هي أول وأهم قضية بالنسبة للعالم الإسلامي، وإن إيران لم تتردد يومًا في دعمها للمقاومة الفلسطينية».

Embed from Getty Images

لم تقل استجابة صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، حرارةً في التعبير عن الود بين الحركة والجمهورية الإسلامية. قال العاروري: «أي عمل عدواني ضد إيران هو بالفعل عمل عدواني ضد فلسطين وحركة المقاومة، وأننا نعتبر أنفسنا في مقدمة الداعمين لإيران».

الحقيقة قد تبدو مغايرة

كتب الصحافي الإسرائيلي شلومي إلدار في مقال سابق بموقع «المونيتور»: «ربما تكون الكلمات مهمةً بالنسبة لحماس في وضعها الحالي حتى وإن لم يكن لها علاقة بالواقع».

ويسرد المقال تسلسلًا زمنيًّا لتطورات العلاقة بين الطرفين. فقد قطعت حماس علاقاتها مع سوريا، وهي حليف مقرب لإيران، في 2012 عندما اندلعت مظاهرات شعبية ضد الحكومة السورية. وتسبب هذا القرار في اضطراب العلاقات بين حماس وطهران، لكنها لم تنقطع تمامًا يومًا ما.

بحسب ما أوضحه الصحافي الفلسطيني أحمد ملحم في مقال سابق بموقع «المونيتور»، صاحب تولي إسماعيل هنية قيادة المكتب السياسي للحركة في 2017، إعادة النظر من جانب حماس في نهجها المتعلق بالتعامل مع إيران وسوريا.

برز هنية، الذي ولد في مخيم الشاطئ بغزة وقضى وقتًا في السجون الإسرائيلية، في دور السياسي الأكثر نفوذًا بين أعضاء حركة حماس في قطاع غزة، إذ تولى منصب مدير مكتب الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حماس وقائدها الروحي، وأصبح رئيس وزراء بعد فوز حماس في انتخابات 2006.

ويرى المقال أن إيران تراهن على يأس الفلسطينيين وإحباطهم اليوم، وخاصةً في غزة، لكي تقرّب حماس أكثر إلى معسكر «المقاومة» ضد إسرائيل. ولا سيما أن نفوذ إيران يزدهر في المواجهات لا المساومات. ويحظى التوجه الأكثر تشددًا تجاه إسرائيل بتأييد شعبي خاصةً في غزة. ويعكس استطلاع رأي حديث أن قطاعًا واسعًا من الفلسطينيين يشعرون أن الدول العربية تخلت عنهم، ويشعرون بالمرارة تجاه مبادرة الرئيس دونالد ترامب للسلام.

تجدر الإشارة إلى أن إيران ظلت ثابتة على خطابها الداعم للفلسطينيين، واستهجان مبادرة الولايات المتحدة للسلام، واستعدادها لإرسال المال والسلاح، بما فيها الصواريخ والقطع الملحقة بها، إلى حماس وفصائل الجهاد الإسلامي.

Embed from Getty Images

بيد أن الاقتراب أكثر من إيران يحمل في طياته مخاطر كثيرة، بحسب المقال. إذ تعتبر إسرائيل والولايات المتحدة حماس والجهاد الإسلامي جماعات إرهابية. ومن المستبعد أن تفكر إسرائيل في اتخاذ خطوات لتخفيف الأوضاع المتأزمة في قطاع غزة إذا طورت حماس علاقتها بإيران إلى مستوى آخر.

فضلًا عن أن التحالف مع إيران لن يؤدي إلا إلى تعميق عزلة حماس بين الدول العربية الأخرى؛ إذ كثّفت السعودية، على الأخص، حملتها ضد قادة حركة حماس.

وأورد الموقع ما قاله محمود مرداوي، عضو مكتب العلاقات الوطنية في حركة حماس، في حديثه إلى عدنان أبو عامر، الكاتب في موقع «المونيتور»، ربما في محاولة محتملة للتغطية على لقاء طهران: «تدعم إيران حماس، لكنها لا تسعى للحصول على مساعدة من الحركة في صراعها مع الولايات المتحدة رغم موقف حماس الداعم لها».

إيران تحظى بجاذبية حتى مع السلطة الفلسطينية

يبرز الموقع مساعي رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبي مازن أيضًا من أجل كسب حلفاء جدد والحصول على تمويل، ويشمل هذا الحصول على دعم من العراق، حسبما أوضح داود كتاب، ومن الكويت، حسبما أوضح أبو عامر. وقاطع العراق والكويت ورشة «االسلام من أجل الرخاء»، وهي فعالية رعتها الولايات المتحدة في يونيو (حزيران)، وبالطبع قاطعتها إيران أيضًا.

كتب أبو عامر في مقال سابق أن زيارة نبيل شعث، مستشار عباس للعلاقات الخارجية ورئيس دائرة شؤون اللاجئين التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، إلى بغداد في الفترة من 23 إلى 27 يونيو تحمل أيضًا بعض الرسائل إلى إيران.

وقال شعث في بغداد: «الفلسطينيون ليس لديهم مشكلة مع إيران، إذ إنها كانت تدعم دومًا النضال الفلسطيني. نسعى إلى تقوية علاقاتنا مع طهران، ولا نعتبرها عدوًا لنا. العدو هو إسرائيل. لكننا لا نتدخل في الخلافات العربية الإيرانية».

وأوضح موقع «المونيتور» أن هذا الحديث أيضًا هو واقع الأمر بدرجة كبيرة. فلا شك أن علاقة السلطة الفلسطينية مع إسرائيل في وضع متدن، وثمة خلافات بينها وبين الداعمين الدوليين والعرب.

Embed from Getty Images

لكن إيران تبدو في نهاية المطاف حليفًا بعيد الاحتمال بالنسبة للسلطة الفلسطينية. ولعل الهدف وراء رسالة شعث يكمن في الحفاظ على العلاقات الخارجية للسلطة الفلسطينية جيدة في العموم، ولا سيما عندما يكون في العراق، وربما إضعاف مساعي حماس لتقوية علاقتها بإيران. لكن رسائل شعث -بحسب المقال- تشير أيضًا إلى مدى تدهور أزمة الدبلوماسية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة.

مساعي مصر نحو غزة لتولي زمام المبادرة الدبلوماسية

يأتي على الجانب الآخر نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي مدد حالة الطوارئ في أنحاء البلاد، على خلفية التهديدات الأمنية في شمال سيناء. ويبذل المسؤولون الدبلوماسيون في نظام السيسي مجهودًا كبيرًا لعقد مصالحة بين حماس والسلطة الفلسطينية، وتخفيف معاناة سكان غزة تحت الحصار.

ويعرج المقال على تصريحات سابقة لمصدر مصري في حديثه إلى رشا أبو جلال، الكاتبة الصحافية في موقع «المونيتور». فقد قال المصدر إن الخطة المصرية تشمل أن تنقل حماس سلطة غزة إلى السلطة الفلسطينية، بعد تشكيل حكومة وطنية تشمل حماس والفصائل الأخرى، وعقد انتخابات، على أن تتولى السلطة الفلسطينية، باعتبارها سلطة حاكمة، مسؤولية دفع رواتب الموظفين الحكوميين واستعادة الكهرباء والخدمات الأساسية الأخرى.

ستكون هذه خطوة كبيرة نظرًا إلى أن غزة تخضع لحصار إسرائيل ومصر منذ 2007، عندما تولت حماس سلطة إدارة القطاع من قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية.

واستنتجت الكاتبة أن «الشعب الفلسطيني لا يبدو منشغلًا كثيرًا بجهود المصالحة هذه، ربما لأنه شهد فشل العديد من هذه جهود في الماضي. لكنه ينتظر بفارغ الصبر أن تعقد مصالحة حقيقية بين حركتي حماس وفتح لوضع حد لعصر مظلم».

وأشار الموقع أيضًا إلى مساعي المبعوثين المصريين من أجل منع التصعيد العسكري بسبب قتل إسرائيل عضو في حركة حماس بطريق الخطأ في 11 يوليو (تموز) الجاري على الحدود بين إسرائيل وغزة. وصرحت إسرائيل بأن القتل حدث بطريق الخطأ. إذ تحاول مصر منع أي تصعيد، بينما تسعى إلى تحويل هذه الأزمة إلى فرصة.

يؤكد الصحافي الفلسطيني أحمد أبو عامر على تلك الرؤية. كتب أبو عامر في مقاله المنشور في موقع «المونيتور»: «حمّلت إسرائيل… الوفد المصري مجموعة من الحوافز الاقتصادية التي ستقدمها إلى قطاع غزة خلال الأيام المقبلة وهي تتمثل في الإسراع بإدخال مواد البناء والمعدات اللازمة لبناء مستشفى في شمال قطاع غزة، إضافة إلى السماح بإدخال الأموال القطرية لبناء المنطقة الصناعية في شرق غزة، وكذلك الإسراع في تشغيل خط 161 الناقل للكهرباء من إسرائيل إلى قطاع غزة».

Embed from Getty Images

ويوضح إلدار وعدنان أبو عمار أن ذهاب العاروري بدلًا من هنية للقاء خامنئي في طهران كان بسبب مصر. إذ كان هنية يأمل في قيادة جولة لجمع أموال في إيران، وتركيا، وقطر، وهي دول تدرج جميعها على القائمة السوداء لمصر. لكن مصر منعت هنية من مغادرة غزة، لذا أوكلت المهمة إلى العاروري المقيم في بيروت.

الحد من نفوذ القوى الهامشية التي يزدهر خلالها النفوذ الإيراني

يشير الموقع إلى أن القضية الفلسطينية ظلت حجرًا رئيسيًا في الخطاب الإيراني منذ اندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية، لكن نفوذ طهران تزايد فقط بين القوى الموجودة على الهامش، أي بين الفصائل الأكثر تطرفًا في حماس والجهاد الإسلامي. وعلى الجانب الآخر، تريد مصر وإسرائيل والغرب الحد من نفوذ تلك القوى الهامشية، لا توسيع وجودها.

ويختتم المقال بأن هذا يتطلب الحصول على دعم من أجل الجهود الدبلوماسية التي تسعى إلى تخفيف معاناة شعب غزة. وإلا سيظل الطريق إلى طهران مفتوحًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد