تضم العاصمة الألمانية برلين جالية عربية كبيرة مُقارنةً بالكثير من المدن والعواصم الأوروبية. وتتميَّز هذا الجالية عن غيرها فكريًا وثقافيًا، ولكنها ما تزال بحاجةٍ للحصول على اسمٍ وشكلٍ ونوعٍ من التفويض بحسب عمرو علي، مُحلِّل سياسات الشرق الأوسط وأُستاذ علم الاجتماع المُساعد بالجامعة الأمريكية في القاهرة. نَشَرَ علي مقالًا مُطوَّلًا حول تلك الجالية على موقع «أوبن ديموكراسي» البريطاني، مُسلِّطًا الضوء على المُشكلات التي تُواجه تلك الجالية وأساليب حلِّها.

أوضح علي أنَّ نزع المُستقبل العربي من قبضة الإفلاس السياسي والمستنقعات الأخلاقية داخل العالم العربي ربما يبدو حُلمًا غريبًا وبعيد المنال. ولكنه شكَّك في ما إذا كُنا مُجبَرين على رؤية الأمور بهذه الصورة، وطرح أيضًا السؤال التالي: هل سينجح الهجوم المُستمر على الواقع في الحيلولة دون إعادة إحياء الفكر السياسي، في ظل عدم استقرار المُجتمعات، واستثارة المقاومة، وانطلاق جوقةٍ من الأصوات، وأمواج الجثث التي تبحث عن العدالة، ومجموعة العواطف التي تُستثار رغم انعدام شهيتها؟

أفاد علي أنَّ أعمال الشرِّ عطَّلت تقدُّم تلك العملية التي تحقَّقت عام 2011. والآن أصبحنا بحاجةٍ إلى «روح الجماعة» من أجل الإبحار تجاه نقطة الانطلاق في رحلة الخلاص السياسي الطويلة: حيث تنبع روح الجماعة من الأفكار السياسية الجديدة، والممارسات الجماعية، والروايات المُقنعة التي يُعاد بناؤها وإحياؤها حاليًا داخل مدينةٍ آمنةٍ نائية.

«ميدل إيست آي»: كيف خسر العالم العربي معركة الديمقراطية على مدار 150 عامًا؟

ويرى علي أنَّ برلين هي المكان الذي يُدرِكُ فيه العرب -الذين وصلوا مُؤخرًا- فجأةً (وليس دائمًا) أنَّ عادة الترقُّب والقلق الدائم التي ورثوها عن أرض الوطن تتراجع أهميتها تدريجيًا. إذ ينطلق فجرٌ جديدٌ طوال الوقت وإبان اجتماع الأقران داخل هذه المدينة الجديدة، لأنَّ برلين ليست مُجرَّد مدينة. بل هي أشبه بمعملٍ سياسي يفرض نوعًا جديدًا من البدايات، وهي البدايات التي تُحوِّل الأنظار صوب الأمور الأهم من الفرد، وتخلق إدراكًا بإمكانية كسر الضباب الرمادي الذي يُغلِّف المستقبل لدرجةٍ تُثير الغثيان.

وأورد المقال أنَّ برلين كانت ناضجةً استراتيجيًا وسياسيًا بما يُهيِّئها لتبرز بصفتها عاصمةً للمنفى في أعقاب الثورات العربية التي اندلعت عام 2011، وذلك على خلفية تداعياتها المأساوية التي لا حصر لها. وظهر مُجتمعٌ فكريٌ عربيٌ واعٍ ومُتنامٍ الآن بعد مضي بعض الوقت، ولهذا يرغب علي في استكشاف أبعاده السياسية التي تستوجب التوضيح.

وأكَّد علي أنَّ هُناك مدينةً بعينها ستُؤدِّي دور مركز جذبٍ وملاذٍ للمُفكِّرين المنفيين، حين تُؤدِّي عاصفة التاريخ إلى اندلاع أزمةٍ سياسية تكتونية، بدايةً من الثورات والحروب ووصولًا إلى الاضطهاد البَيِّنْ. وأدَّت مدينة نيويورك هذا الدور بالنسبة للمُفكِّرين اليهود الفارين من أوروبا في أعقاب الثلاثينيات، في حين أدَّت باريس الدور نفسه بالنسبة للمفكِّرين الأمريكيين الجنوبيين الذين فرُّوا من ديكتاتوريات بلدانهم في السبعينيات والثمانينيات.

وأورد المقال أنَّ مجتمع المُفكِّرين العرب في برلين يحتاج إلى فهم ذاته فهمًا أفضل في مُواجهة تلك السوابق التاريخية، وأن يتخلَّى عن وضع الطيار الآلي، وأن يتجاوب بنشاطٍ مع الأسئلة السياسية التي تُواجهه. وهذا المُجتمع في حاجةٍ ماسة واقعيًا إلى الحصول على اسم، وشكل، وهيئة، ونوعٍ من التفويض. ورُبما يشمل الأمر مدرسةً فكرية، أو فلسفةً سياسية، أو حركة فِكرية تخصَّبت كافة أجزائها معًا عبر انخراطٍ أعمق مع العالم العربي، مع التطلُّع الجاد إلى النتائج المُحتملة بعيدة الأمد.

ولا يتعلَّق الأمر بالإشارة إلى الثورات والانتفاضات، بحسب المقال، أو العودة إلى الحديث القديم حول الإصلاحات المُؤسسية. بل يتوجَّب التحرُّك بعيدًا عن هذه التحوُّلات المجازية المُرهقة، وبعيدًا عن ديناميات السلطة القابلة للقياس الكمي -والتي لا تتطرَّق إلى بواطن الأمور- مع الاتجاه نحو مستوى وجودي يدعم المجال العربي العابر للحدود.

وهذه هي المنطقة الوحيدة التي يُنعِشُ داخلها تيار الحياة البشرية لغةً من الوعي، ومُبادرةً مُتكرِّرة تُساعد في توسيع مساحات الكرامة لدى الإخوة البشريين. لكن هذه المنطقة تدمَّرت الآن نتيجة سيلٍ من البُؤس الأخلاقي والأزمات الروحية.

الحُرية الرحَّالة

يرى علي أنَّ موقعنا هو حيثُ تكمن إثارة الإمكانات السياسية بين خواص برلين الروحية من جهة، والمُجتمع العربي الذي ينضج بعيدًا عن مسارات الشتات «الاعتيادية» من جهةٍ أُخرى.

وأورد المقال العبارة الشعبية التالية: «وُلِدتُ في تونس، وترعرعت في مصر، ونزفت دمي في ليبيا. ضُرِبتُ في اليمن، مُرورًا بالبحرين. وسأكبُر داخل العالم العربي حتى أبلغ فلسطين. اسمي هو الحرية»، قائلًا إنَّها انتشرت بمختلف أشكالها، في كافة أنحاء العالم العربي خلال شهر فبراير (شباط) عام 2011، حين بلغ الأمل في الثورة ذروته إثر سقوط زين العابدين بن علي في تونس وحسني مُبارك في مصر. وبدت الحُرية آنذاك وكأنها رحَّالةٌ تحمل معها العدوى أثناء تجوالها عابرةً للحدود العربية.

Embed from Getty Images

ولم تَكُن الحرية الرحَّالة قد عبرت الحدود السورية آنذاك، بحسب المقال، لكن لحظة سوريا الثورية اندلعت في مارس (آذار) عام 2011، ودفع السوريون في النهاية أغلى أثمان النشوة العابرة التي تبخَّرت في مدار التغيير الكوني الفعلي. وتحوَّلت الحُرية الرحَّالة إلى وحشٍ بائس، في ظل الرحيل القسري لمئات الآلاف من الأشخاص عن بلادهم. وتحوَّل البحر المُتوسِّط، الذي لطالما احتُفِيَ به نظرًا لجماله وبهائه، إلى قبرٍ كئيبٍ للأشخاص الذين فرُّوا من بلادهم بحثًا عن الأمان.

أفاد المقال أنَّ هناك سيلًا من الأكاديميين والكُتَّاب والشعراء والكُتَّاب المسرحيين والفنَّانين والنشطاء وغيرهم من سيول اللاجئين العاديين، من كافة أنحاء العالم العربي، الذين انجذبوا إلى برلين بوصفها الملجأ والملاذ.

وحدث هذا الأمر على خلفية الوجود التركي الراسخ منذ فترةٍ طويلة (بدأت باتفاقية العامل المُهاجر عام 1961)، ودفعة اللاجئين التي استقبلتها المُستشارة أنجيلا ميركل عام 2015، والتي صاغت شكل التحوُّل العربي جزئيًا في أعقاب عام 2011.

ويرى علي أنَّ المُحيط العربي الفريد بدأ في التبلوُر في ظل الظروف الجغرافية والاجتماعية والثقافي التي تطلَّبت إعادة بناء الرؤى والممارسات. واحترق كيان المنفى، الذي بُنِيَ على الجمر وسوَّى خلافاته فوق رماد الجمهور العربي المنكوب، داخل جحيم الثورات المُضادة والقمع والحروب والإرهاب والانقلابات والاضطرابات الإقليمية.

وهذا هو الجمهور الذي سعت الأنظمة الاستبدادية جاهدةً لاحتوائه، وهو الجمهور نفسه الذي صارع الأشخاص العاديون بشجاعةٍ كبيرة من أجل إعادته إلى طريق الصواب. إذ أضرم محمد البوعزيزي التونسي النار في نفسه أواخر عام 2010، وفُتِحَت آفاق المُطالبات والصراعات منذ ذلك الحين.

ووقع القادمون الجُدد إلى برلين تحت وطأة الالتزامات السياسية الجديدة تجاه بلدانهم الأصلية، بحسب المقال. وغادروا في نهاية المطاف وهم يحملون شعورًا بالذنب تجاه الأعمال التي لم تكتمل بعد. إذ أحدثت الانتفاضات العربية فجوةً بين القضايا «المُنتهية» والقضايا التي ما تزال «عالقة».

وتحوَّل الأفراد من العبودية إلى الحرية التي كسرت قيود العمل والضرورة البيولوجية. ونتج عن ذلك إطلاق العنان للخيال الذي يرى البشر المُتطلِّعين إلى الحرية ويُظهر قُدرتهم على البدء من جديد، قبل أن تتعثَّر الرحلة اللاحقة بوزن الحذاء العسكري وتُسكِتَها مطرقة قاضي المحكمة.

لكن العظمة الفردية والشغف بالحريات العامة ازدهر خلال هذه الفجوة الزمنية التاريخية، بحسب المقال، وإبان الشخصية الجديدة التي تشكَّلت بواسطة الغاز المُسيل للدموع والشوارع والاحتجاجات والمقاهي. وفقد أولئك الأفراد قدرة «التعرُّف على أنفسهم في الحقبة التي سبقت عام 2011»، وسط هذا التحوُّل الرائع.

وبالتالي، أتى الوصول إلى برلين مصحوبًا بوعيٍ سياسيٍ غير مُكتمل، علاوةً على القلق الذي يُقاوم العودة إلى «حالة انعدام الوزن والترابط التي أصابت شؤونهم الشخصية» بحسب تعبير حنة آرنت، الفيلسوفة اليهودية الألمانية. ويَدُلُّ هذا على طيفٍ من الحقبة قبل السياسية التي تفصل الفرد عن وكالة المجموعة، وتمحو سيرته الذاتية من التاريخ. وهذا يعني أنَّ شبح حقبة ما قبل 2011 ما يزال يُطارد المُجتمع العربي المُستقر في برلين ويتعلَّم كيفية الحركة بين أراضي الضيافة والعداء.

Embed from Getty Images

وأورد المقال أنَّ هذا المجتمع الجديد تنقَّل بين الدعم والتعاون مع المُؤسَّسات الألمانية، والمُجتمع المدني، والجامعات، والمساحات الثقافية، والسياسات اليسارية، والكنائس، والمساجد، والمُجتمع التركي الكبير، والشعور الألماني المُتقلِّب بالمسؤولية تجاه أزمة اللاجئين.

وأفاد أيضًا أنَّ المجتمع العربي يُعاني -على الجانب الآخر- من تهديدات العنصرية المحلية، وتنامي الحركة اليمينية المُتشدِّدة في صورة حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وكذلك من السفارات العربية، ووكالات الأمن الأجنبية، وقطاعات رجعية من مُهاجري الشتات. والأدهى أنَّ التوعُّك المُعاصر، في صورة «جحيم النفس»، أدَّى إلى إصابة أعضاء هذا المُجتمع بالحيرة والإحباط.

وهكذا وصف بيونج شول هان، الفيلسوف الكوري الجنوبي المُقيم في برلين، باقتدار، عالمًا من التكرار المُتواصل للخبرات المُتشابهة التي تتنكَّر في صورة الحداثة أو التجدِّيد. وبالتالي، فنحن نشهد صراع الحب -بكُلِّ ما يحويه من سِمَات التزام، وحميمية، وعاطفة، ومسؤولية- من أجل التضخُّم بين الصفوف، بدايةً من العلاقات وانتهاءً ببناء المجتمعات وسط عالمٍ من «حرية الاختيار اللامُتناهية، والخيارات المُفرطة، والإلزام بالكمال».

وأكًَّد علي أنَّ الأمر لا يقتصر على التفتُّت الناجم عن الاضطرابات التي أثارها المنفى والانتقال، بل يُصارع الفرد في العموم من أجل إيضاح موقفه من العالم الذي أصبح صاخبًا وضبابيًا بمُعدَّلاتٍ مُتزايدة. وهو العالم الذي خلط العلاقة التي كانت مُتصلةً بين الزمان والمكان، ويقع الآن تحت وطأة العاصفة النيوليبرالية التي تُحوِّل المُواطنين المسؤولين إلى مُستهلكين بالغي الفردية ويسعون لخدمة مصالحهم الشخصية فقط، ويُنتِجُ هذا العالم أيضًا قطعًا بلاستيكية مُوحَّدة الحجم لتُلائِم كافة السلوكيات المُتكرِّرة التي تعوق أشكال الوحدة والروح الجماعية الأعمق.

وبدأ المُجتمع العربي في التكشُّف رغم التحدِّيات التي تُواجهه، بحسب المقال، وفي ظل البيئات الاجتماعية-السياسية المُعقَّدة والتشابُكات واسعة النطاق التي لم يسبق لها مثيلٌ في التاريخ المُعاصر. وحدثت غالبية الهجرات العربية القسرية في كل بلدٍ أو عصرٍ على حدة، مثل الليبيين الذين فرُّوا من نظام القذافي في السبعينيات، أو اللبنانيين الذين فرُّوا من الحرب الأهلية في الثمانينيات.

علاوةً على أنَّ الانتقال العربي العابر للحدود إلى الخليج كان مدفوعًا في المقام الأوَّل بالعوامل الاقتصادية، ناهيك عن إقامتهم التي ارتبطت بالإقلاع عن أي تلميحٍ سياسي. وعلى النقيض، نشهد حاليًا أول هجرةٍ عربية جماعية مُتزامنة تتألَّف من شرعيات مُتداخلة -تتجاوز الثقافة والدين والجنسية والاقتصاد- وُلِدَت من رَحِم الربيع العربي.

وأفاد المقال أنَّ أعجوبة المنفى الجديدة اختمرت وسط تدفُّقٍ ثقافي من الأسئلة التي بدأت تُثار مُؤخرًا. إذ كتب إدوارد سعيد أنَّ المنفى هُنا يعني «الصدع غير القابل للرأب بين الإنسان وموطنه الأصلي، وبين النفس ومنزلها الحقيقي». علاوةً على حدوث المنفى بغض النظر عن نفي الشخص من موطنه، أو العيش في مأزقٍ قانوني، أو الدراسة في الجامعة، أو حتى الأشخاص الذين حصلوا على الجنسية الألمانية مُؤخرًا. ونتحدث هُنا عن المنفى بوصفه حالةً عقلية، تُشعِرُك بالغُربة على يد منظومةٍ لم تَعُد قادرةً على استيعاب مُثُلِكَ العُليا المُكتسبة أو الفطرية، حتى لو لم تتعرَّض للاضطهاد السياسي في حال عودتك لوطنك الأصلي.

وذكر علي أنَّه حضر عرض فيلمٍ سوري بعنوان «قصصٌ حقيقية عن الحب، والحياة، والموت، وأحيانًا الثورة» في منطقة كروزبرج ببرلين أواخر عام 2015. وهُناك توجَّه مُواطنٌ سوريٌ من الحضور بالسؤال التالي إلى نضال حسن، المُخرج المُشارك للفيلم، أثناء جلسة الأسئلة والأجوبة: «ما الذي نستطيع فعله نحن الفنانون السوريون الآن نظرًا لوجودنا في المنفى؟». فأجابه حسن باهتمام: «كُنا نعيش في المنفى ونحن داخل سوريا … وعلينا الآن أن نُواصل تغيير العالم من خلال سلوكياتنا».

ومن ناحيةٍ أخرى؛ كتبت دينا وهبة، باحثة الدكتوراه المصرية في جامعة برلين الحرة، الكلمات الشاعرية التالية حول وعي المنفى: «أخرج، وأنظر حولي، لأُدرِكَ مدى جمال الحياة. أشعر بالذنب لوجودي هنا، في حين يقبع بعض أصدقائي داخل الزنازين المُظلمة. وأشعر بالذنب أيضًا لأنَّني هُنا ولا أستطيع الاستمتاع بكُل هذا الجمال. إذ اجتاز الخوف المُعرقِلُ البحر المُتوسط وسيطر على عقلي. إنَّ الخوف لأمرٌ غريب الشأن. لا أستطيع العودة إلى وطني، ولا أستطيع تأسيس وطنٍ جديدٍ هُنا أيضًا».

ومن هذا المنطلق، يرى علي أنَّ الشعور بالمنفى في برلين يزداد عُمقًا نتيجة الطيف العاطفي واسع النطاق: بدايةً من مُتلازمة ذنب النجاة التي تستهلك طاقة الإنسان تمامًا نتيجة تخلِّيه عن رفاقه الذين تركهم على أرض الوطن، ووصولًا إلى النزهة الممتعة وسط مُنتزه تيرجارتن، والتي يُمكن أن تُؤدي إلى إيقاظ المشاعر المُزعجة بداخلك مثل: «أتمنى لو كان لدينا هذا النوع من المساحات الشاسعة الخالية من التحرُّش لالتقاط الأنفاس في القاهرة».

تقارب النقاط وتحوُّلها إلى خطوطٍ ذات معنى

ذكر علي أنَّ برلين العربية ازدهرت بدايةً من عام 2011، وأنشأت جيوبًا نشطة للإبداع والفكر. ولكن هُناك حلقةٌ مفقودة وسط هذه اللحظات المُفرطة في الحاضر: وهي المساحات الديناميكية بدءًا من المسرح والأوساط الجامعية وانتهاءً بالتطوُّع في المُجتمع المدني، وتتجزَّأ تلك المساحات ولا تتحدَّث في ما بينها كثيرًا، ناهيك عن ذكر الانفصال عن المُجتمع العربي الأوسع. وستشعر لا محالة بأنَّ الجهود الإبداعية والفكرية تذهب سُدى، بدلًا من أن يستغلَّها تيارٌ سياسيٌ كبير وقادر على استخلاص هذه الخبرات والمضي قُدُمًا تجاه روايةٍ بارزة.

وليست هذه المُشكلة -في حال كُنَّا نستطيع وصفها بالمُشكلة- غريبةً عن التناقضات المُتأصِّلة في المدينة، بحسب المقال. والغريب هو أنَّها تُردِّد ما ورد في مقال سيغفريد كراكور عام 1932، بعنوان «التكرار».

إذ كتب الناقد الثقافي ومُنظِّر الأفلام أنَّ برلين «هي مدينةٌ مُعاصرة، علاوةً على أنَّ عصريتها تحوَّلت إلى مصدرٍ للفخر … ووجود سُكَّانها هو أشبه بسلسلةٍ من النقاط وليس خطًا مُتِّصلًا … ويختبر الكثيرون هذه الحياة تحديدًا مُتنقِّلين بين العناوين بوصفها مُثيرةً، لأنَّهم يتربَّحون جزئيًا من حقيقة أنَّ وجودهم السابق يتلاشى في لحظة اختفائه، ويُؤمنون جزئيًا بأنَّهم يعيشون حياتهم مرتين حين يعيشون في الحاضر بكُلِّ كيانهم».

وأورد المقال أنَّ المُفارقة هُنا تكمُن في أنَّ القوة التي تُشكِّل زوبعة برلين، والتي تُطلِقُ العنان للطاقات العربية الفكرية والإبداعية، تتحلَّل أيضًا بالمُصادفة لأنَّ حاضرها الانفعالي يكسر الماضي والمُستقبل. وهذا يعني أنَّ المنفى ربما يُتابع الحاضر بوصفه وسيلةً للهرب أو تخدير الصدمة أو عرقلة السودواية التي تطارد الماضي، إلى جانب القلق الذي يحوم حول المُستقبل.

ولكن هذا يعني عادةً أنَّ النفس تُركِّز على الاهتمام بالمصالح الفردية، إلى جانب الحاضر المُثير الذي لا يتعدَّى كونه مجرَّد ستارٍ مُبهج من التقدُّم الجماعي.

وعلَّق ديفيد فريزبي، عالم الاجتماع الراحل، على أفكار كراكور قائلًا إنَّ صُلب الموضوع يكمُن في التالي: «إنَّ هذه النقطة الحاضرية نفسها لن تظَلَّ جُزءًا من الحاضر. بل هي دائمًا على وشك التلاشي. ويُقصد بذلك البحث اللانهائي عن التحوُّل الدائم للوعي بالوقت في الوجود الحضري».

ومن هُنا تظهر الحاجة إلى مُطاردة المشروع المُقبل أو السعي وراء الجهة المانحة التالية، وهو الأمر الذي يرى علي أنَّه ليس مدفوعًا بالإثارة بقدر كونه فرضًا على رُوَّاد أعمال النفس المُعاصرين. ويتحوَّل الفرد إلى «سيدٍ وعبد في الوقت ذاته»، في ظل استغلاله لنفسه في مشروعه الخاص.

وترتبط الإثارة رغم ذلك بالحاضر الذي لا ينتهي أبدًا، بحسب المقال. وبهذا تُثار التساؤلات التالية: كيف يستطيع المرء قطع سيل الحواضر اللانهائي و«إعادة تدويرها»؟ وكيف يستطيع المرء التطرُّق إلى الحاضر المُفعم بالحيوية الذي يبدو مُشتَّتًا بين البناء على الماضي والانتقال إلى المُستقبل نوعًا ما؟

ويستدرك متسائلًا: كيف يُعرقِلُ المرء الفخ الذي يقع في شراكه البرليني العربي؟ وكيف يُمكن تعديل سلسلة الفرد من النقاط المُتفرِّقة التي ألمح إليها كراكور، والمضي قُدُمًا باتجاه خطٍ هادف يُنشِّط علاقة المنفى بالنسبة لمسار حياتهم، وفهمهم الوجودي في الجسد السياسي الذي يدفع بروايةٍ أكبر من رواية الفرد نفسه؟

ويرى علي أنَّ مُقارنة برلين بالمدن الأخرى تُعَدُّ واحدةً من الطرق التي تُساعد على فهْمِ هذا الجسد السياسي وتقدير تدخُّلِه في هذا المُجتمع الجديد، إلى جانب مُحاولات أعضائها لإضفاء معنى على أدوارهم وبيئتهم السياسية الجديدة التي تُشكِّلهم. ويعمل هذا الأمر على كشف المُشكلة الخفية بطريقةٍ حكيمة: لماذا لا يُمكن اعتبار المُدن الغربية الأُخرى ذات التعداد الكبير من السُكَّان العرب بمثابة مركزٍ للمنفى الفكري؟

شذوذ برلين

ذكر المقال أنَّ مُدنًا مثل لندن وباريس ونيويورك كانت هي الأقرب لأن تكون المراكز الفكرية العربية في أعقاب عام 2011، نظرًا لأعداد العرب الكبيرة داخلها. لكنها تخلَّفت جميعًا عن الركب لتسبقها برلين.

ولا يُمكن تفسير الأمر من ناحية التنوُّع الديناميكي والإنتاج الثقافي فقط، إذ لا تفتقر تلك المُدن الثلاث إلى هذه الأمور. بل يبدو أنَّ جميعها تُعاني غيابًا نسبيًا للمُكوِّنات التي تُؤدِّي إلى ازدهار مجتمع المنفى السياسي المُتكامل الذي نشهده في برلين.

Embed from Getty Images

أولًا، يبدو أنَّ هُناك وجهة نظرٍ مُشتركة بين المجموعات العربية والمُسلمة بأنَّ لندن تُهيمن عليها جماعة «الإخوان المُسلمون» والإسلاميين عمومًا، بحسب المقال، في حين تُتيح برلين مساحةً أكبر للتعدُّدية. لكن العقبة الكُبرى داخل لندن، في واقع الأمر، هي ارتفاع تكلفة المعيشة بها. إذ يجب على المرء أن يُفكِّر مرتين قبل شراء تذكرة مترو أنفاق لندن مثلًا.

وعلى النقيض، تُعَدُّ تذاكر مترو برلين وقطار برلين زهيدة الثمن، وهو الأمر الذي يَدُلُّ على أهمية التنقل في بناء المُجتمعات. وتراجعت أهمية مدينة لندن العظيمة في عيون الكثيرين نتيجة تداعيات انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، مما زاد صعوبة الحصول على تأشيرة الدخول.

وأفاد المقال أنَّ العامة ينظرون إلى باريس بوصفها حكرًا على العالم الناطق بالفرنسية، رغم شهرتها في أوساط المُفكِّرين الجزائريين والتوانسة والمغاربة واللبنانيين والسوريين. علاوةً على أنَّ الإرث التاريخي للاستعمار سيُلوِّث أيَّ مُبادرةٍ قادمةٍ من لندن أو باريس.

وفي الولايات المُتحدة، تحوَّل دخول البلاد إلى عبء نتيجة الشبكة الأمنية، في ظل انشغال نيويورك بالسياسة الخارجية الأمريكية والإدارة الحالية. إلى جانب انخفاض جاذبيتها بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وبُعدها عن العالم العربي.

وأكَّد علي أنَّ هُناك ميولًا ثقافية تتكشَّف داخل جميع تلك المُدن في أعقاب عام 2011، وهو السبب الذي يزيد أهمية تشجيع تكوين مُجتمعاتٍ مُشابهة. لكن الديناميات الثقافية والسياسية التي تجسَّدت داخل برلين، مدعومةً بزخم وإبداع الدعم المُؤسسي والشعبي واسع النطاق، تستدعي منها ومن كيان المنفى العربي الالتزام بحوارٍ مُشترك. وفي حال استمعت بإنصات؛ فستجد أنَّ صدى التاريخ العربي يدوي داخل برلين أكثر من أي مدينةٍ أوروبية أخرى.

ومن هذا المُنطلق، يُشير الكثيرون إلى إسطنبول بوصفها مركز المنفى العربي، بحسب المقال، وتستطيع إسطنبول الاستحواذ على هذا اللقب من برلين بكل سهولة -لولا بعض العوامل التي يتغاضى عنها الناس. إذ أنَّ الأنشطة العربية مسموحٌ بها إلى حدٍ كبير في حال كانت مُتوافقةً أيديولوجيًا، أو غير مُتضاربة، مع حكومة أردوغان غير الليبرالية. وربما يُثار سؤالٌ حول المُشكلة الحقيقية هُنا؛ طالما أنَّ هُناك مُضيف كريم يسمح للمُجتمع العربي بالازدهار -وهو مُجتمعٌ لن يهتم إلَّا بالشؤون الخارجية.

بادئ ذي بدء، ينحرف هذا النهج الأناني عن الواقع القاتم الذي يشهد الرقابة على الأكاديميين والصحفيين الأتراك أو سجنهم، وهي مسألةٌ خطيرة يجب أن تُثير القلق في أوساط العرب المُتطلِّعين إلى الديمقراطية من وجهة نظر علي. إذ من المفهوم أن يختلف الامتنان لمدينة إسطنبول الساحرة، التي تُوفِّر المسكن والحرية الكافية للازدهار، عن النفاق المُزعج الذي يتمثَّل في الدعاية للمدينة بوصفها مركزًا للفكر الحُرُّ، مع تجاهل المُواطنين الأتراك الذين يُستهدفون لمُجرَّد التعبير عن أفكارٍ تحيد عن الخط الرسمي.

إذ تفقد القيم الأساسية قيمتها وتتحوَّل إلى مُجرَّد هواية، حين تتم التضحية بها بهذه الطريقة المُؤسفة. وبهذا ستُؤدِّي البيئة القاسية، التي انكشف تأثيرها على البشرة التركية، إلى تشويه التطوُّر الفكري العربي وتزيد صعوبة حصد تمثيلٍ أفضل لأصوات المنفى وعمليات التفكير.

وأورد المقال تساؤلًا عما إذا كانت علاقات تركيا المُتشابكة داخل المنطقة لا تُزوِّد إسطنبول بالمسافة الجغرافية والعقلية الكافية لحمايتها من التدقيق؛ وذلك في ضوء جريمة القتل الوحشية لجمال خاشقجي، الصحفي السعودي، داخل القنصلية السعودية في إسطنبول. ولك أن تتخيَّل حجم العواقب التي ستقع على عاتق ولي العهد السعودي، في حال وقعت تلك الفعلة الشنيعة داخل السفارة السعودية في برلين. وربما أدَّى وزن ألمانيا والاتحاد الأوروبي إلى إلغاء أو تأجيل عملية الاغتيال المُدبَّرة.

قتلوه بدمٍ بارد.. ملف «ساسة بوست» عن مقتل جمال خاشقجي الذي هزّ العالم

وأوضح علي أنَّ المقصود هُنا ليس تجاهل الإمكانات الهائلة للمجتمع العربي في إسطنبول. إذ أنَّ خاشقجي شخصيًا رأى في المدينة «قاعدةً للشرق الأوسط الجديد». ولكن الأزمة تكمُن في أنَّ التجسيد السياسي الحالي تصحبه العديد من نوبات الحذر التي تتطلَّب فهمًا، ونقاشًا أفضل، وتفكيرًا بعناية. وبالتالي، يتوقَّع علي بزوغ اثنين من مدارس الفكر العربية في المستقبل البعيد -في حال استمرار التطوُّرات الحالية-، الأولى في برلين والثانية في إسطنبول.

لكن برلين تختلف عن إسطنبول ولندن وباريس ونيويورك، وهي المُدن التي لا تستطيع الزعم بأنَّها «مُحايدةٌ» تاريخيًا، إذ تُؤدِّي برلين دورها على أكمل وجه نظرًا لارتباطها بخلفيةٍ مُتميِّزة: وهي أنَّ النهج العربي تجاه ألمانيا يعتمد على فكرة أنَّها لم تَكُن دولةً مُستعمرة أو مُحتلة للأراضي العربية على الإطلاق. ولم يحظ الفيلق الأفريقي الألماني (1941-43) باهتمامٍ كبير في التأريخ العربي. رغم أنَّ هذا الأمر يجب ألا يُشتِّت انتباهنا عن الروابط المُظلمة التي أقامتها بعض النُخَب العربية مع ألمانيا النازية، من وجهة نظر علي.

وبعبارةٍ أُخرى، لم تَكُن ألمانيا دولةً مُستعمرة على غرار فرنسا أو بريطانيا العُظمى، ولا تمتلك سياسةً خارجية عدوانية مثل الولايات المُتحدة، ناهيك عن أنَّها لا تُثير التناقضات مثل تركيا. لذا تنبع المواقف العربية من هذا الإعجاب السلبي الذي نادرًا ما يتعرَّض للتشكيك في وجهة النظر الشعبية العربية للعالم. لكن هذا الأمر يُغطِّي على المساعي الاستعمارية الخفية التي تفتقر إلى الأداء المسرحي، بحسب علي.

إذ أنَّ الشركات الألمانية -مثل سيمنز وتيسين كروب- تورَّطت منذ فترةٍ طويلة في «الديناميات الاقتصادية للإخضاع الاقتصادي»، وهي الديناميات التي تُعمِّق التخلُّف المُزمن والفساد و«المفهوم التكنولوجي المُشوَّه عن الحداثة» في مصر، على حد تعبير عمر روبرت هاملتون. لكن ألمانيا تُفلت من كل ذلك دون ضرر، وتحظى بالثناء لكونها بلد التنظيم والانضباط والكفاءة وسيارات مرسيدس بنز.

ونادرًا ما تُوقِظ ألمانيا فكرة الانقسام أو العداء الذي يُثير حفيظة المسؤولين الأمنيين أو النُشطاء العرب، وفقًا لما ورد في المقال. وتكمُن مُفارقة سُلطَتها في أنَّ الجرائم الوحشية التي ارتكبتها ألمانيا خلال النصف الأول من القرن العشرين لم تمس الأراضي العربية. ومن حُسن حظ ألمانيا أنَّ الأوساط الأكاديمية العربية والخيال العربي لا يشجُبان الاستشراق الألماني، رغم أنَّه ليس مفهومًا غريبًا على الأكاديميين العرب.

لدرجة أنَّ الدعم الألماني القوي لإسرائيل لا يُثير غضب العرب بقدر دعم الولايات المُتحدة والمملكة المتحدة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى وجهة النظر الشعبية السليمة بأنَّ ألمانيا تفعل ذلك كرهًا ومدفوعةً بالذنب التاريخي. ولهذا تُفلِت ألمانيا من العقاب إفلاتًا مشروطًا نوعًا ما، إن لم يَكُن على مضض.

المدينة فوق الجميع

وأوضح علي أنَّ تلك المساعي تدور حول برلين، أكثر من ألمانيا عمومًا. إذ أنَّ المدينة تُقرِّب الديناميكيات السياسية لبناء المُجتمعات، علاوةً على بقائها دائمًا بوصفها «بلورةً مُهمة للحضارة الإنسانية وأسباب سخطها». وسيُصبح بالإمكان تسليط الضوء على المُجتمع العربي الحالي الذي تشكَّل عن طريق النمط التاريخي لمواقع وساطة المأوى والمنفى، وذلك عن الطريق التعاطي مع برلين باعتبارها مُختبرًا سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا.

وربما خلَّد كارل شيفلر، الناقد الفني الألماني، جوهر العاصمة الألمانية في عام 1910 بالعبارة التالية: «برلين هي مدينةٌ حُكِمَ عليها بالسعي إلى التحوُّل دائمًا، دون أن تستقر على وضعٍ ثابت». ولكن يبدو أنَّ هُناك بعض المزايا الخفية للأمر الذي رآه شيفلر عيبًا في المدينة، بسبب «افتقارها للكيان الذي تطوَّر محليًا».

إذ أوضح بيتر شنايدر، الكاتب الألماني، أنَّ كلمة «werden» الألمانية -التي تعني «الصيرورة»- تتضمَّن مفاهيم مثل «على أعتاب الصيرورة» و«صاعدة وواعدة» و«برلين الجديدة»، وتُمثِّل تلك المفاهيم الجهد المُعرقل من أجل التحوُّل -دون الوصول إلى الوجهة.

Embed from Getty Images

وأفاد المقال أنَّ هذه المواضيع المحورية تلقى صدى قويًا يتوافق مع التصوُّر الذاتي عن فكرة إعادة بناء، وتحوُّل، وصيرورة المجتمع الفكري العربي المُتنامي. إذ تُوفِّر برلين، بعيوبها وظاهريتها وعدم كمالها، إحساسًا بالحرية والنُمُو الذي لا تستطيع لندن أو باريس توفيره أبدًا. وفي حال «تمت استعادة كافة المساحات بالكامل»، سيُؤدِّي ذلك إلى استبعاد بعض الناس، وسينتاب الجميع شعورٌ بأنَّ كافة المساحات مشغولة.

وفي حال مجَّد كراكور «حاضرية» برلين الشديدة والمُتلاشية، ورثى لها في الوقت ذاته، فإنَّ شيفلر استعادها عن غير قصد. وأشار إلى عالمٍ من الاحتمالات التي يُمكن للحاضرية أن تنشرها في نهاية المطاف وتُحوِّلها إلى شيءٍ آخر، بفضل حقيقة قُدرتها أن تُبقِيَ على سُكَّانها المُفكِّرين والمُبدعين وسط شعورٍ دائم بالحركة.

وحين يُقارَن ذلك بالمُدن الأوروبية الأخرى؛ نَجِدُ أنَّ عُنصر المُفاجأة الذي يُرافق السفر يختفي عادةً نظرًا لتجانس السياحة، وتيسيرها، وتحويلها إلى مصدرٍ للدخل، وتسويقها في قوالب بسيطة -مثل الُسكَّان المحليين الناطقين بالإنجليزية، وسهولة الوصول إلى الإنترنت اللاسلكي (الواي فاي)، ومواقع الإقامة الظاهرة على موقع «تريب أدفيزور».

وتُؤدِّي تلك الأمور إلى الدفع بحركة الأفراد وفضولهم باتجاه طُرِقٍ وطقوس يسهل التنبُّؤ بها. ويرى علي أنَّ برلين ليست مُحصنةً ضد هذا الأمر، لكن الحملة والمظهر العام إجمالًا ينبثق عادةً عن الاحتجاجات الأناركية في المدينة، ورسومات الحائط المُناهضة لمُؤسسة الدولة، والأهم هو ثقافة الحيوية والتعدُّدية السياسية.

وتُساعد هذه الظاهرة في إعادة مُعايرة الحواس رجوعًا إلى المآزق المُعاصرة، بحسب علي. وفي حين تمنحك شوارع براغ البراقة -التي تُشبه شوارع ديزني- مساحات رومانسية تقليدية تُخبِرُك بالكثير من الأكاذيب عن الأشياء التي يرغب العالم في سماعها، فإن جيوب برلين البسيطة وعدم كمالها ستُشعلان بداخلك نيران الحقيقة حول طبيعة العالم. ويُمكن أن نتوصَّل نتيجة تلك التوتُّرات السابقة إلى تقدير المشهد السياسي والفكري الحالي في برلين، لأنَّه يُبرز فكرة القيمة الإنسانية، رغم أنَّ قصة برلين في حقبة ما بعد الحرب لم تَكُن مُستقيمةً للغاية، بدءًا بانقسامات الحرب الباردة وإعادة الإعمار، وانتهاءً بإعادة التوحيد.

ويرى علي أنَّ زواج المدينة بالفكر يُعتبر أمرًا بالغ الأهمية في فهم سياسة كيان المنفى العربي الذي يعيش صراعًا جماعيًا للبحث عن الذات، إثر تجاوزه خُطوات الحرية الأولى، وهو الأمر الذي يتضح في النصوص الفكرية واليومية. ويجب زيادة التركيز على المغفرة والتصالح والتفكُّر في أخطاء الماضي، إلى جانب الفكرة القائلة بأنَّ الدولة القومية التي جلبت العديد من الأمراض إلى العالم العربي فقدت معناها.

ولذا، يحتاج مفهوم المدينة إلى قيادة عملية إنهاء استعمار نماذج الدولة القومية واستبدالها بأساليب حوكمةٍ أكثر إنسانية. وبهذا يأتي استكشاف المُجتمع العربي للمغفرة والتصالح والانعكاس بمُساعدة المواضيع التكميلية المُدمجة داخل قانون برلين.

Embed from Getty Images

هُناك مفهوم يحمل اسم «Vergangenheitsbewältigung» بالألمانية، ويعني «الصراع من أجل التغلُّب على سلبيات الماضي»، أي العمل والتكيُّف. وهُنا تُدمَج تجارب الماضي مع الحاضر، بحسب المقال. إذ استُخدِمَت مرةً واحدة بطريقةٍ إيجابية، من أجل وصف الاضطرار للتعامل مع الماضي، ولكنها أصبحت مُتناقضةً بشكلٍ مُتزايد.

ويعني مُصطلح «bewältigen» التغلُّب أو الإخضاع، ويُقصَد به مُواجهة الماضي والتغلُّب عليه أو التخلُّص منه (ويعني أيضًا إتقان المهمة أو تعلُّم أمرٍ ما للمرة الأولى). وأفرط الناس في استخدام المُصطلح، لكنه ما يزال مُصطلحًا مُفيدًا. وربما كان مصطلح «Aussöhnung»، الذي يعني المُصالحة، هو خير تجسيدٍ لذلك.

إذ يُمكن توظيفه لوصفه التكيُّف مع الماضي عن طريق التصالح بين الأنداد أو الأحزاب التي صارعت بعضها البعض، نتيجة ارتباطه بالأنماط التوراتية وندرة استخدامه في المُحادثات اليومية. ولهذا تُمثِّل برلين الخلفية النموذجية ولوحة الصوت للعناصر التي تنضج ببطء داخل المُجتمع السياسي العربي.

إعادة تجميع السياسة

يرى علي أنَّ برلين تحتاج إلى التفكير بفاعلية من أجل تحقيق هذه الغاية، وأن يتعامل الجميع معها باعتبارها مركزًا حيويًا ومساحةً آمنة لصياغة رواياتٍ ومُستقبلًا بديلًا -وهي مساحةٌ تتطلَّب وجودًا ماديًا، وتقليل الاعتماد على المجال الرقمي للشبكات الاجتماعية وتكنولوجيا الاتصال. ويجب التأكِّيد على الوجود المادي أكثر من أشكال التعاون الأخرى، مثل مُؤتمرات «سكايب» المُحبَّبة.

ويأمل الكاتب أنَّ نكون قد تعلَّمنا درس عام 2011: العالم الرقمي له حدوده، والمُجتمعات القائمة داخل الفضاء السيبراني لا تُقارن أبدًا بالتنظيم والتخطيط السياسي على أرض الواقع. ولا شك أنَّ العالم الرقمي له دورٌ تكميلي، لكنه لن يكون بديلًا أبدًا. ويُجادل هان قائلًا: «يتطلَّب الأمر ضميرًا وروحًا مُشتركة لإدماج الناس وسط الحشود. ويفتقر السرب الرقمي إلى ضمير وروح الجماهير. إذ أنَّ الأفراد الذين يجتمعون في صورة سربٍ؛ لا يتحلُّون بروح الجماعة».

وأكَّد علي أنَّ الحديث هُنا يدور حول برلين. ولن يستطيع الشاعر السوري الموهوب في هامبورغ -أو المُخرج المغربي اللامع في ميونيخ- تقديم الكثير، حتى يُسافر بجسده إلى العاصمة الألمانية ويُفصِحَ عن هويته ويُشعِرَ الناس بوجوده. وأوصى الكاتب باتِّباع نصيحة ستيوارت براون، المُؤلِّف الأسترالي، التي نشرها في كتابه «مدينة المنفيين: برلين من الداخل إلى الخارج City of Exiles: Berlin from the outside in»: «التق، اندمج، اظهر».

ولا تُوجَدُ آليةٌ رقمية تستطيع أن تحل محل عالم الظلال. ويجب أن تكون هناك مُقاومةٌ لتأثير التسوية الناجم عن الطوبولوجية الرقمية التي تخدع بتأثير المُساواة الزائف والمساحات المفتوحة السلسة، ولكنها تُهشِّم المسؤولية. ويحدث ذلك عن طريق الترويج للاستبداد، وعدم الالتزام الذي يُقوِّض الوعود والثقة اللازمة لربط المُستقبل.

وأوضح المقال أنَّ هذا الأمر يتناقض مع أركان وزوايا وأنحاء وأزقة العالم الحقيقي، حيث يتعرَّض التلوُّث المعلوماتي وجيوش الساخرين للفلترة واعتراض سبيلهم، مما يسمح بعودة التباطؤ وعمليات الوساطة والثقة إلى الحظيرة الجماعية. ويُمثِّل فك الارتباط المُنظَّم والموزون مع الشبكات الاجتماعية واحدةً من وسائل تجنُّب تكرار مُشكلة تفكُّك جهود الفرد، وتشتُّت أفكاره، وعجزه عن صقل الأمور بدقة وصولًا إلى جوهرها.

ولسنا بحاجةٍ إلى اعتناق مبادئ «اللاضية» بالكامل (وهي حركة اجتماعية ثورية كانت تُحطِّم الآلات خوفًا من إحلالها محل الإنسان في القرن التاسع عشر)، بل يجب أنَّ نكبح جماح السرب الرقمي الذي يُؤدِّي إلى استمرار احتجاز المنفى بين حاضرٍ يمنح شعورًا رائعًا دون المضي قُدمًا في أي اتجاه، وهاويةٍ مفتوحة تستنزف كل الجهود على الجانب الآخر.

وبهذا لا يجب تفسير السياسة بوصفها وجهةً يتعيَّن على السوريين أن ينتظروا داخلها أملًا في يومٍ يعودون فيه إلى الأراضي السورية في حقبة ما بعد الأسد، بحسب المقال، ولا حاجة للتذكير بأنَّ أعتى الديكتاتوريين وأنظمتهم يعجزون عن خداع الموت وقوانين التاريخ. ويُمكن بدلًا من ذلك التفكير والانخراط سياسيًا في الحاضر والتعرُّض لاختبار المجتمع داخل برلين.

Embed from Getty Images

وتطرَّق علي إلى ما حدث قبل بضع سنوات، حين أسَّست مجموعةٌ من السوريين جمعيةً خيرية تهدف إلى «رد الجميل لألمانيا» عن طريق منح الطعام للمُشرَّدين. ويستحق العمل الخيري الثناء دائمًا، لكن العدالة يجب أن تأتي في مُقدمة أهداف الفرد ليتعرَّف إلى المُشكلة السياسية التي تُؤدِّي إلى التشرُّد بشكلٍ أفضل، إلى جانب إدراك المُشكلة إدراكًا أكثر دقة من الإدراك السائد سياسيًا بين الشعب.

وخير برهانٍ على ذلك هو مُعاناة سُكَّان ألمانيا من بلاء الوحدة. ويُمكن تفريغ رأس المال المُجتمعي المُخزَّن داخل المساحات العربية (عن طريق التطوُّع وبرامج البلوغ المُصمَّمة خصيصًا) في تلك الفراغات الألمانية. وتُمثِّل الوحدة ظاهرةً مُتنامية وسط عالمنا المُفرط في الفردية (التي تغزو المُدن العربية تدريجيًا)، إذ تحمل في طيَّاتها تداعيات سياسية من خلال نظرة الناس إلى الأقليات وأنماط التصويت، وبالتالي يجب أن نتعامل مع الوحدة بوصفها مُشكلةً سياسية.

وبهذا نتعرَّف إلى المُشكلة بنجاح، لنتعامل معها، ونتعلَّم دروس جديدة، ونُضيف المزيد من الخبرات والحكمة إلى مُستودع الكيان السياسي العربي.

ويرى علي أنَّ هناك أمرٌ مُقلق حول حضور ندوةٍ رائعة بشأن دراسات الشرق الأوسط في برلين، إذ تُغادر مع معرفةٍ مُتوقَّعة بأنَّها ستسقط في ثُقبٍ أسود. وفي حال إصدار منشورات ومُدوَّنات صوتية، فإنَّها تبلغ نسبةً ضئيلة من الكيان المدني العربي محل التساؤل، وليس القطاع الأعرض من ذلك الكيان.

ويجب تعزيز الحوار المُتواصل مع الجمهور، والنظر إلى الأمر بصفته مُؤتمرًا مُنعقِدًا دائمًا لتوسيع الشبكة من أجل بلوغ الشباب العربي، والمشاركة في التفكير السياسي دون الحاجة إلى تسجيلهم في هياكل تعليم رسمية، وترجمة النظريات الأكاديمية المُعقَّدة وتحويلها إلى جواهر فكرية قابلة للهضم، وهو الأمر البسيطة بدرجة تلخيص أو إعادة كتابة ملاحظات المُؤتمر لتثبيتها على لوحةٍ داخل مقهى عربي في نيوكولن.

ويتطلَّب كيان المنفى الفكري إقامة علاقةٍ وثيقة مع مُوظَّفي المقهى، والحلَّاقين، وغيرها من المهن التي تتميَّز بموقعٍ حيوي وسط مساحات اجتماعية مُشتركة. إذ يحمل المنشور الإعلامي «العتيق» قيمةً أكبر من منشور فيس بوك، لأن فعل تسليمه باليد إلى شخصٍ ما يُعيد المُعاملات الإنسانية التي لا تُقدَّر بثمن، والتي تُسهِّل تحقيق الترابط والالتقاء أكثر من الشبكات الاجتماعية.

ويعتقد علي أيضًا أنَّنا سنكون واهمين بالكامل في حال اعتقدنا أنَّ المسجد والكنيسة لا مكان لهما وسط هذه المساعي. إذ أنَّ أيّ مشروعٍ فردي لمُعايشة أوهام العلمانية هو مشروعٌ مصيره الفشل. ويجب التحرُّك لاجتياز مساحات الثرثرة التي تُؤجِّج الأمور، حول فوكو ومُقارنته مع دولوز، والأصداء المُنطوية عليها. وليست هذه مسألة تسامح مع الإيمان، لأنَّه مُتجذِّرٌ في أعماق المُجتمع العربي. ولكن الأمر يعني ضمنيًا التوصُّل إلى تسويةٍ مع دور الإيمان البنَّاء الذي يستطيع تأديته وسط بيئةٍ أكثر غرابة، وبالتالي، يحتاج الإيمان إلى تأطيرٍ وفهمٍ أفضل بدلًا من أن تغفله التيارات الفكرية.

ويرى علي أنَّه لا يجب اعتبار صوت أجراس الكنيسة المُتكرِّر صوتًا مُزعجًا (بحسب شكاوى الكثير من الألمان وزوَّار ألمانيا)، بل يجب النظر إليه باعتباره دلالةً مُشجِّعة على أنَّ الكنيسة -والنقابات العُمَّالية- تُشكِّل حصنًا في وجه النيوليبرالية التي تنتزع الطابع الإنساني. ويحدث هذا عن طريق إغلاق المتاجر في أيام الأحد من أجل الراحة، وتوفير خصومات للمُستهلكين المهووسين في أيام الجمعة السوداء ويوم الصناديق على غرار نيويورك ولندن.

وعلى نحوٍ مُماثل، لا يَمُرُّ شهر رمضان دون أن يشتكي المُتشائمون من تقليص الشهر الكريم كفاءة المسلمين وسط القوى العاملة.

وتساءل علي هنا، بغض النظر عن هذا التعميم: هل يُمثِّل التباطؤ أمرًا سيئًا وسط هذا العالم المحموم؟ إذ يأتي شهر رمضان ليقول كلمته مُعلنًا: من الأفضل التواصل مع الحدود الخارجية لإنسانيتك عن طريق إعادة توجيه اهتمامك صوب العائلة، والمجتمع، والعمل الخيري، والتضحية، والتعاطف مع الفقير والجائع، لأن هذه الأمور لها معنى أعمق من مفهوم «الناتج المحلي الإجمالي»، وخاصةً وسط نظامٍ مهووسٍ بامتصاص كل قطرة إنتاجية من القوى العاملة وتحويلهم إلى ترسانات خاضعة في قلب آلة الرأسمالية الضخمة.

ونستطيع إضفاء الطابع الإنساني على السياسة من جديد، عن طريق إعادة التفكير بعناية في هذه الأمور وغيرها.

وأكَّد الكاتب ضرورة تذكُّر أنَّ المرء عليه أن يختار العمل بشكلٍ أكثر وضوحًا وسط «الحياة المُستقلة للمجتمع»، على حد تعبير المُفكِّر التشيكي فاتسلاف هافيل، بغض النظر عن تعريفه بصفته مُفكِّرًا أو ناشطًا أو مُعارضًا أو فنانًا أو صانع أفلام.

وهذا يعني ضمنيًا أيَّ شكلٍ من أشكال التعبير، والذي يتراوح بين التأمُّل الذاتي في العالم، وتأسيس مُنظمةٍ مدنية بهدف تجسيد «الحقيقة» أو العيش داخلها. وترعرع خط تفكير هافيل في ظل الحكم الاستبدادي داخل تشيكوسلوفاكيا الشيوعية في السبعينيات، لكنه ما يزال يلقى صدى داخل برلين العربية، ويلقى صدى أكبر إبان الوضع الراهن في العالم العربي الذي يُعاني داخله الكثيرون من أجل أن يحيوا بإبداعٍ وفكر.

وربما ينشأ الحلَّاق العربي والكاتب العربي في برلين من نفس الخلفية التي جلبت لهما مُختلف أنواع الألم، بحسب المقال، ولكن الأخير يحظى بظهورٍ أكبر نظرًا للقبه المُميَّز والصوت الذي يتحدَّث به نيابةً عن الآخرين فعليًا. ولا يحظى تعبير الحلَّاق عن الحقيقة بالكثير من الاهتمام، لأنَّ الكثيرين يرون أنَّه لا يرقى لحدود «الاحترام» المُجتمعية والمعايير الإبداعية. ولا تقتصر ممارسة الإيمان على وصول الفرد إلى الحقيقة، بل تمتدُّ إلى آلياته في التكيُّف.

لكن يُمكن الوصول إلى الحقيقة عن طريق العديد من الوسائل: ففي حال تعامل الحلَّاق السوري مع زبونٍ فلسطيني؛ فسيدخلون في نقاشٍ مُحتمل حول صراعهم المُشترك، مما سيُثير مشاعر الشفقة والتعاطف والتراحم. وربما رفض الحلَّاق الحصول على أموالٍ من العميل مُقابل خدماته، في حال استشعر مروره بضائقةٍ مالية. وربما قرَّر الحلَّاق وضع صورةٍ من حلب قبل الحرب لتُذكِّره بما فُقِدَ ولكنه سيُستعاد يومًا ما من تحت الأنقاض.

ويبدو أنَّ الأمر الذي يُشبه مُتطلَّبات الحياة اليومية البسيطة هو -في الواقع- رغبةٌ في توسيع مساحات الكرامة تصاعديًا أينما وجدها المرء.

والكاتب العربي هو واحدٌ من تجلِّيات الطيف السياسي نفسه الذي أنتج الحلَّاق، وفقًا لعلي. ولكن المصادفة دفعت بمهنة الكاتب لتكون أكثر أشكال التعبير عن المظالم العربية ظهورًا، وسياسيةً، ووضوحًا.

Embed from Getty Images

رغم أنَّ الكاتب يجب أن يتذكَّر دائمًا أنَّه نشأ، بوعي منه أم بدونه، من رحم نفس الخلفية والمخزن الفكري الذي خرج منه بقية أفراد المُجتمع -إلى جانب الاضطرابات التي أثارها الربيع العربي. ومن هنا يستمدُّون قُوَّتهم وشرعيتهم؛ إذ يمتلك هذا المُجتمع مخزونًا ضخمًا من الألم والتعاسة والارتباك والشك.

وسيضحى تأمين مُستقبلٍ راسخ مهمةً أكثر يُسرًا حين يُدرِكُ المُفكِّرون والنُشطاء عبث الانفصال عن الخلفية الثقافية، ويُعاودون الانخراط معها بوصفهم مُواطنون يعيشون في المنفى وسط حوارٍ آخذٍ في التوسُّع وتصحبه التزاماتٌ أخلاقية، وليس بوصفهم زبائن يشترون الشاورما.

ويرى علي أنَّ برلين العربية ستحتاج آنذاك إلى إقامة علاقةٍ تبادلية، تتجاوز المُستوى المُؤسسي، مع المدن العربية. وتُعَدُّ تونس وبيروت المدينتين الأكثر تقبُّلًا للأفكار الجديدة في الوقت الحالي. وستُشكِّل هذه المُدن رأس الجسر الفكري للعالم العربي. ولا ينبغي الافتراض بأنَّه سيسهل التعامل مع تونس وبيروت دون مُعوِّقات، بناءً على مظاهر الحرية السطحية. إذ أنَّ العاصمة اللبنانية مُتقلِّبةٌ للغاية، وهي عرضةٌ لأن تكون ورقةً رابحة بديلة بين المدن العربية.

فيما تعرَّضت مكاسب الحرية التونسية الكُبرى للخيانة بسبب هجرة العقول والعطالة داخل تونس، نتيجةً للفساد المُستشري والعجز عن الدفع بإصلاحاتٍ أعمق. ولكن ما يزال هناك مخزونٌ من الإمكانات الكامنة في هذه العلاقة الجديدة مع المدينتين، ويجب استكشاف تلك الإمكانات.

ويُعَدُّ هذا الترتيب ضروريًا -أو خُطوةً أولية- حتى تعود القاهرة إلى سابق عهدها على مسار النضج السياسي والانفتاح الفكري، من وجهة نظر علي، إذ تُعَدُّ القاهرة المدينة العربية الوحيدة القادرة على تحريك الأفكار بثقَلِها الفكري الهائل. وربما كان هذا النهج مُحاولةً مُتواضعةً للتطرُّق إلى مُشكلةٍ أعمق: وهي الانتقال التاريخي لمركز الجاذبية الأيديولوجي العربي من القاهرة ودمشق وبغداد إلى الرياض، وهي إحدى أسباب مرحلة الهبوط المأساوية في المنطقة مُؤخرًا.

ولا تكمُن المُشكلة في أنَّ المُدن الثلاث فقدت رأسمالها الثقافي، ولكن الرؤية الطائشة لأموال النفط الخليجي كبحت جماح نفوذ تلك المُدن. وتمزَّق جمال الثقافة الخليجية الدائم وتواضعها -وهي الثقافة التي كانت تأتي في طليعة الرعاية البيئية-، إبان انحدارها باتِّجاه حداثةٍ مُفرطة مُتسارعة خالية من السياسة. وما تزال المنطقة تدفع الثمن بمُختلف الوسائل الكارثية نتيجة فشل وطيش المُغامرات الخليجية.

وتتعلَّق كافة هذه المساعي بالعقبات التي تُواجهها، بحسب المقال. إذ يُؤكِّد المتشائمون أنَّ شبح اليمين المُتشدِّد ورُهاب الأجانب سيُعرقل جهود كيان المنفى العربي. وربما تكمُن الفكرة في دمج تيار السياسة العربية المُتطوِّر مع تيار السياسة الألمانية التقدُّمي، بدلًا من الجلوس على مقعد المُتفرِّج، إلى جانب مُواجهة النفاق الألماني الرسمي بوضوح لأنَّه ينشُر خطاب حقوق الإنسان ويبيع الأسلحة الفتَّاكة للديكتاتوريات في الوقت ذاته.

إذ تُعَدُّ مصر أكبر مُستوردي الأسلحة الألمانية في العالم. علاوةً على تداخل مُشكلات العالم تداخلًا أعمق مما يُمكن تخيُّله، ويتطلَّب التطرُّق إلى تلك الاحتياجات العمل على مستوى المُدن -وليس المستوى الوطني- الذي يُعَدُّ في مُتناول الإنسان.

وأورد المقال أنَّ التحدِّي الواضح الآخر يكمُن في نظام التأشيرات. إذ لا يجب التركيز على استيراد المزيد من المفكرين إلى برلين، بل استغلال المُفكِّرين الموجودين والقادرين على الانتقال إليها أو زيارتها أو المرور عبرها، من أجل عدم استنفاذ الطاقات في المتاهة القنصلية. والأهم هو تربية جيلٍ يُفكِّر بأساليب سياسية جديدة.

ويعتقد علي أنَّ التحدِّي الأكبر هُنا هو غياب الزخم العالمي -الذي يظهر على دوراتٍ نادرة فقط- لحشد المُجتمع. ويُمكن قياس الزخم في مُحاضرةٍ عامة مُكتظة عن آخرها بالجمهور المُتناثر فوق السلالم والأرضية، ومُضحِّيًا بالعطش والإزعاج مُقابل الشعور بأنَّه جزءٌ من شيءٍ أكبر، ولكن ذلك الزخم يغيب داخل غرفة تحتوي على عشرات الحاضرين المُعتادين الذين يخضعون لصوت المُتحدِّث الذي يدوي في الغرفة.

من دمار الحرب إلى أضواء النجوميّة.. 4 لاجئين سوريّين أبهرت قصّتهم العالم

ويجب ملء الفواصل الطويلة للغاية بين فترات الزخم بالتفكير، والقراءة، والكتابة، والتجمُّعات المُتَّجهة ببطء نحو المُجتمع. لأنَّ الزخم يأتي دون سابق إنذار، وحينها لن يكون هناك وقتٌ كافٍ لإنهاء قراءة كتاب أو البقاء جالسًا حتى نهاية العرض المسرحي.

وذكر المقال أنَّ التلاعب بالهوية يُمثِّل عقبةً أُخرى من وجهة نظر المُشكِّكين العرب، خاصةً في ما يتعلَّق بالمناصب الرسمية، الذين قد يُلمِحوا إلى أنَّ الأشياء التي ستخرج من مدينةٍ غربية لن تكون بقدر أصالة الأشياء الآتية من مدينةٍ عربية أو مُسلمة -رغم الرواج السياسي المُنبثق عن الكيان العربي. ويُذكِّرنا علي بأنَّنا نتعامل مع أنظمةٍ عربية تشجُب حقوق الإنسان الغربية بوصفها غير قابلة للتطبيق في بلادهم -لسببٍ «لا يُمكن تفسيره»- ويُستثنى من ذلك الشجب الأسلحة الغربية، والنيوليبرالية، والاستهلاكية، وطُرق التعذيب، والشهادات العُليا، وغيرها من الأشياء.

وهي نفس الأنظمة التي تتغنَّى بخطاب القومية الصمَّاء والولاء للوطن، ولكن أصبح من المُعتاد أن نشهد سفر أعدادٍ مُتزايدة من أبناء النخبة إلى مدن مثل لندن وروما من أجل الدراسة والعمل والإقامة، دون نية العودة إلى أرض الوطن.

وأفاد المقال أنَّ عُصاب الهوية يعتمد على العقلية نفسها التي تتقبَّل قيء رأس المال الخليجي عليها، والذي يُحوِّل عالم الثقافة العربي المُزدهر إلى أراضٍ خربة شاسعة، وذلك بسبب فكرةٍ سطحية تقول إنَّ الأمور تسير على ما يُرام لأنَّ التمويل يأتي من بلدٍ مُسلم. وذلك باعتبار أنَّ تدشين مسجدٍ أنيقٍ ومُكيَّف وسط مركز تسوُّقٍ تجاري ضخم سيُصحِّح كافة أخطاء إجلاء المُجتمعات المحلية، وتدمير المساجد القديمة، واستيلاء الدولة على الأراضي اللازمة لبناء مركز التسوُّق بموجب أسوأ الذرائع.

ولا يأتي التقدُّم محمولًا داخل شاحنات الأسمنت. إذ أنَّ تمزيق نظام القيم السياسية في العالم العربي هو سبب وجود برلين العربية في المقام الأول. وتتطرَّق المُدن، التي تُشكِّل رأس الجسر الفكري للعالم العربي، إلى مخاوف الهوية جزئيًا عن طريق التصدِّي للتُهَمِ السطحية التي يُحتمل أن تتكشَّف مُستقبلًا.

ما هي روح العصر العربية؟

نحن نعيش حقبةً ليس لها اسم أو وجه أو روح بحسب المقال -وتتفاقم تلك الحقبة نتيجة القوى النيوليبرالية التي تُجرِّد الناس من كل شيءٍ وتتركهم في مُواجهة وحش الرأسمالية المُتحوِّل. ولا يمتلك هذا الوحش رؤية، أو اتجاه، أو رواية، أو معنى، أو خارطة، أو خاتمة. ولا يعرف سوى الإضافة والتسارع الذي يعمل بناءً على رغبات المُستهلك، والتلاعب العاطفي، والوعود الكاذبة التي تجتر البشر بعيدًا عن عالم الأصالة مرارًا وتكرارًا.

ويرى علي أنَّه ليس من المُفاجئ أن تتبنَّى الديمقراطيات الليبرالية والأنظمة الاستبدادية، على حد السواء، ذلك الوحش المُناهض للسياسة بكُل حماس. ولا شكَّ أنَّ الأمور تزداد سوءًا لدى الأنظمة الاستبدادية في ظل العجز عن كبح جماح طوفان تجريد الإنسانية الاجتماعي-الاقتصادي، نتيجة الإضعاف المُتعمَّد للتعدُّدية السياسية، والمُجتمع المدني، والمُؤسسات، وحرية التعبير.

وهذه أزمةٌ لا تنطوي عليها الآثار الديناميكية المعروفة عن الأزمات، لأنَّها هادئة وسلسة وانسيابية وداخلية. ولكننا لن نستطيع الحدَّ من تهديداتها عديمة الإطار مُستقبلًا دون تسميتها ومنحها شكلًا بعينه، على غرار الأزمات الأخرى. ويرى جاك دريدا أنَّ توصيف أمرٍ ما بأنَّه أزمة «يُؤدِّي إلى احتواء الأمر وترويضه وتحييده … إذ يستولي المرء على ذلك الشيء، مما يُحوِّل الأشياء التي لا يُمكن تصوُّرها إلى مجهولاتٍ يعلمها، ثُم يبدأ المرء في منحها شكلًا، ويشرع في الإبلاغ عنها واحترافها وحسابها وبرمجتها».

ويرى علي أنَّ إحدى طُرق التعامل مع هذا الأمر تتمثِّل في العودة إلى المقال الغامض الذي كتبه سليم البستاني، المُفكِّر اللبناني، عام 1870 في صحيفة «الجنان». وحمل المقال عُنوان «روح العصر»، وصيغ على الأغلب استجابةً لمفهوم «Zeitgeist» الألماني المُوازي. ويُعَدُّ روح العصر موضوعًا أدبيًا وفلسفيًا شكَّلته «قوة ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا)، من حيث ضروراته الأخلاقية المُتعلِّقة بالتحرُّر والحرية والمساواة والعدالة».

وذكر المقال أنَّ البستاني انجذب إلى رياح «التحرُّر» و«التقدُّم الإنساني» الآتية من الغرب، على غرار العديد من مُعاصريه العرب، لكنه ناشد قُرَّاءه أن يُدافعوا عن التقاليد والقيم المحلية لأنَّ المبادئ المُجرَّدة الزاحفة لن تُمثِّل بديلًا مُمكنًا. وازدرى، تحديدًا، العرب الذين يختارون العادات الأوروبية لمُجرَّد أنَّها عاداتٌ أوروبية فقط، وهي ظاهرةٌ تمتد أذرعها الطويلة حتى الآن إلى حقبة ما بعد الاستعمار.

وازداد قلقه حيال العنف العدمي والأناركي السطحي المُتشدِّد، وهو العنف الذي بشَّر بنظيره الإسلامي المُعاصر، والذي سيخرق اعتدال وارتباك زخم روح العصر. ويرتكز زخم روح العصر إلى حدٍ كبير على الذكاء والمنطق السليم واللياقة -كما يتَّضِح من الأدوار البطولية في قصص البستاني- بهدف مُساعدة الفرد، وصقل مهاراته عن طريق القراءة والتعلُّم، وتحسين المُجتمع لإبعاده عن الفساد. وبالتالي فإنَّ روح العصر هي عبارةٌ ربما نحتاج إلى إعادة إحيائها وتشريبها المعاني الجديدة.

Embed from Getty Images

ويرى علي أنَّ مساعي تجديد روح العصر ستزداد سهولةً في حال كانت ألمانيا -أو برلين تحديدًا- ما تزال تمتلك روح العصر المُؤثرة القوية -وهو المُصطلح الذي تضاءل مع الأسف ليقتصر على اتِّجاهات الموضة والأزياء في أفضل الأحوال، وظهور اليمين المُتشدِّد في أسوأها. وأردف علي أنَّ روح العصر الألمانية المُقنِعَة تستطيع توفير خلفية وصوتًا مثاليًا لنظيرتها العربية.

وأدَّى مفهوم روح العصر الألمانية، منذ الحقبة الرومانسية أوائل القرن التاسع عشر، إلى نوعٍ من التنوير أو الروح المُظلمة في المجال العام الألماني. إذ استطاع الألمان التعرُّف على أنفسهم والتعاطف مع دلالاتٍ أيديولوجية -ماركسية ومُعادية للسوفييت ومُوالية للولايات المتحدة- تُوضِح موقفهم في ما يتعلَّق بالمسائل السياسية، خاصةً مع وجود برلين في قلب الحرب الباردة.

وتتجلَّى روح العصر في تجسيدات مُتنوِّعة، بحسب المقال. إذ استطاعت «جماعة الجيش الأحمر» الإرهابية في السبعينيات أن تستدر تعاطف قطاعاتٍ عريضة من مُجتمع ألمانيا الغربية، وخاصةً في أوساط المُفكِّرين والطُلَّاب. ولكن روح العصر الألمانية قادرةٌ أيضًا على دفع الألمان من نفس الطبقات إلى دعم التدابير السلمية، مثل الاحتجاجات المُناهضة للأسلحة النووية وحماية البيئة في الثمانينيات.

وأورد علي كلمات المُعلِّق الإنجليزي، التي استمع إليها أثناء مُشاهدة فيلمٍ وثائقي من السبعينيات عن برلين: «هذه هي برلين الغربية. هي مدينةٌ تتغذَّى على الجسارة، وهي بلدةٌ تعلَّمت العيش في عزلة، والازدهار تحت وطأة التوتُّر. وما تزال في موقع المُواجهة رغم الانفراجة العالمية، إذ تعيش اليوم بيومه نوعًا ما. وهذه ظاهرةٌ مُعاصرة ودرسٌ لجيلنا الحالي».

وبرلين هذه لم يَعُد لها وجود، إذ أدَّى الترحيب بالتهديد الوجودي إلى تخفيف الأشكال الجماعية للروح السياسية. ولا تُمثِّل التظاهرة الحاشدة لمرةٍ واحدة ضد النازية الجديدة روحًا سياسية مُستدامة، بقدر كونها ثقافةً سياسية تتفاعل مع المد النازي. ولا يجب التهاون مع ذلك، لأنَّ الاحتجاجات الحاشدة والخطاب من هذا النوع يضعان برلين في مُقدمة القطيع الغربي الذي ما يزال يُصارع من أجل تشكيل استجابةٍ هادفة لموجة رُهاب الأجانب واليمين المُتشدِّد الغاضب.

وأصدرت «جماعة الجيش الأحمر» اليائسة -آخر الأطفال الألمان السياسيين الذين أثاروا الجدل بتحوُّلهم إلى مُجرمين، وشوَّهوا روح العصر- «ورقةً مناقشة» عام 1992 بعنوان «يجب أن نبحث عن شيءٍ جديد We Must Search for Something New»، وذلك داخل ألمانيا مُوحَّدة ووسط عالمٍ أُحادي جديد سيطرت عليه الولايات المُتحدة وعزَّزت داخله اقتصاديات السوق الحرة على أنقاض الشيوعية.

ولكن الأوان قد فات من وجهة نظر علي، إذ أبحرت سفينة المدينة الفاضلة بالنسبة لـ«جماعة الجيش الأحمر»، والتيارات السياسية الألمانية الأُخرى، بالتزامن مع بقية أنحاء أوروبا -وربما العالم- في حقبة ما بعد الحرب. وبالتالي، أصبح احتكار التكنولوجيا والأسواق هو الأمر «المُهم» و«الجديد».

Embed from Getty Images

وتراجعت الأفكار الكُبرى عمومًا منذ إعادة توحيد ألمانيا، بحسب المقال، وهي المسألة التي تظهر بوادرها في أسلوب الإدارة السريرية الحالية لميركل. ويُظهر هذا الأمر المسافة التي قطعتها البلاد منذ ذلك الحين، وخير دليلٍ على ذلك هو أسلوب القيادة الديناميكي الذي انتهجه فيلي براندت، مُستشار ألمانيا الغربية بين عامي 1969 و1974.

وإحقاقًا للحق، يتجاوب الزُعماء عادةً مع البيئة الدولية في عصورهم، ويصيغون أفعالهم بما يتوافق معها. ولكنهم يُحدِّدون مُستوى الفكر العام بالطبع.

وفي حال سألت ألمانيًا أصيلًا في برلين عن الأشياء التي تُلهِمُ ألمانيا وتُحرِّكها اليوم؛ فستُفاجأ من الوقت الذي ستستغرقه من أجل الحصول على إجابة، وليس من الإجابة نفسها بحسب علي. وكأن هذا السؤال لم يطرأ على باله من قبل.

ومن المفهوم أن ذلك التردُّد في الإجابة يحكمه الحذر التاريخي للألمان الذين تُلهِمُهم اتجاهاتٌ غامضة. ولكن الكثيرين سيعترفون بصدقٍ أيضًا أنَّ المصالح الشخصية الفردية تولَّت عجلة القيادة. وحين تحصل على إجابةٍ لا بأس بها؛ ستجد أنَّها عادةً أقرب إلى مُكافحة التغيُّر المناخي أو مُساعدة اللاجئين.

وبالتالي، أدَّى العجز عن صياغة روايةٍ إنسانية مُتماسكة ومُقنعة إلى وضع روح العصر الألمانية -جزئيًا- تحت رحمة اليمين المُتشدِّد العائد من الجديد.

وتطرَّق المقال إلى ظهور ومضات من الروح الإنسانية الجميلة أحيانًا. إذ تصاعدت الموجة المُناهضة لتزايد تجريد إنسانية اللاجئين في صيف عام 2015، وانضمَّ لها الكثير من الألمان لدعم عملية استقبال اللاجئين الضخمة، مما كشف عن جودة القيادة الانتقالية لدى ميركل التي قالت: «سنُنجز الأمر».

لكن إعادة إحياء روح العصر الألمانية المُؤثرة لم تَدُم أكثر من ستة أشهر، إذ انهارت في الساعات الأولى من عام 2016 داخل كولونيا نتيجة التقارير التي أوردت هجوم لاجئين مخمورين على امرأةٍ ألمانية. وأثار ذلك الأمر نقطةً فات أوانها: وهي أنَّ هُناك إشكاليةٌ كبيرة حول روح العصر والمبادئ التي تُرحِّب باللاجئين، لدرجة أنَّ المساعي انهارت بسهولة إبان اختبارها في حادثةٍ واحدة -رغم خطورة الحادثة.

وسيُواصل العرب الشعور بأنَّهم يتامى فكريًا داخل أوروبا التي فقد مُخيلتها السياسية، بحسب المقال، حتى لو نجحوا بطريقةٍ ما في إعادة روح العصر إلى الأذهان. ومع ذلك، يحتاج كيان المنفي العربي إلى تصوُّر نفسه مُنخرطًا جماعيًا مع القوى التي تُعيق المدَّ اليميني المُتشدِّد، بدلًا من الجلوس على مقعد المُتفرج.

وسينجحون معًا في إعادة إحياء الطبيعة الفُضلى للمُخيلة الألمانية، رغم بساطتها، مما سيُسهم في مناهضة نضوب الفكر السياسي العالمي، ويدفع بالروايات الديمقراطية المُوازية في مُواجهة نشوء الروايات الاستبدادية العربية.

وأثار علي في ختام مقاله السؤال التالي: ما هي روح عصرنا؟ ويرى أيضًا أنَّ إجابة هذا السؤال ليست سهلة. وربما كانت الإجابة مُتباينة ولا تتطلَّب الكثير من الجهد خلال شهر العسل الثوري بين عامي 2011 و2012، ولكنها أضحت منقوصةً اليوم. ولا يهدف الأمر بالتأكيد إلى القبول بالاتجاه المُستمر صوب القمع المُتجذِّر في العالم العربي. وتتطلَّب إجابة السؤال تعمُّقًا أكبر، يتجاوز حدود النقاش حول حلول الأزمة الفلسطينية أو الاستبدادية المصرية.

ويتطلَّب الأمر تفكيرًا على المستوى الوجودي لمستنقعنا الأخلاقي، بحسب المقال. إذ أنَّ شعوبنا خُدِعَت لتحتفي بالمذابح، أو أُخرِسَت بشأن مقتل صحفيٍ داخل قنصلية. ويحول تطبيع حيواتهم على العمليات الحيوية، والعمل دون تحقيقهم للصالح العام الأعلى. ولذا يرى علي ضرورة العودة للأساسيات وإعادة تعريف كل كلمةٍ تتخلل حيواتنا: المواطن، والمدينة، والدولة، والعرب، والمسلمين، والمسيحيين، واليهود، والسنة، والشيعة، والمنفى، والعدالة، والسعادة، والتعليم، وما إلى ذلك.

ويجب السؤال هنا عن سبب أهمية تلك الأمور، إذ يجب أن تُثار الأسئلة حول المسيحيين والنوبيين والبربر والأمازيغ والأقليات الأخرى غير العربية وغير المسلمة داخل المنطقة، وكيفية منحهم المساواة الكريمة. ويتطلَّب الأمر قُدرة تسليط الضوء على اللاجئين من أجل الارتقاء بهم بوصفهم مُنتجًا فكريًا، وليس مُجرَّد مادةٍ للتعاطف أو الإصلاح أو الإرهاب المُحتمل. ويجب أن نُحدِّد طريقةً جديدة لصياغة العالم، من أجل إدراك أفضل مُكوِّنات روح عصرنا. وذلك من أجل مُحاربة واقع «المسخ» الغريب، وإنقاذ أنفسنا من الإرهاب نفسه.

Embed from Getty Images

ويرى علي أنَّه من الأفضل دراسة الواقع المُعاصر من أجل تأسيس دليلٍ فكري جديد، تُستمَدُ روايته من الحقائق التي عاصرها العالم العربي إلى جانب خبرات النزوح والهجرة والحركة والمنفى والتغريب والتسوية في برلين، بدلًا من البحث عن وصفةٍ لمستقبلٍ عربي طوباوي.

ولكن يُثار هُنا سؤالٌ محوري -أين سنتوجَّه في ما بعد؟ هل سنسعى إلى صياغة قصةٍ جديدة وسط مساحةٍ آمنة نسبيًا ومبنيةٍ جزئيًا على افتراض آرنت المنهجي: «ينبثق هذا الفكر نفسه عن حوادث التجربة الحية، ويجب أن يظلَّ مرهونًا بها باعتبارها الدلائل الإرشادية الوحيدة التي تُستقى منها المواقف».

وبعبارةٍ أخرى، فإنَّ تطوير أيَّ إطار عمل فكري يجب أن يكون بمثابة مسعى مُتواصل ومُتجاوب مع تقييمنا وإعادة إعمارنا، وأن يأتي بالتزامن معه مُواجهتنا للظروف المُتغيِّرة إبان تنقُّلنا بين تضاريس الذاكرة الغادرة، والتاريخ، والمُخيلات السياسية، والروايات، والروايات المُضادة.

وكافح البستاني من أجل فهم المُستقبل العربي في ظل الاستعمار، بحسب المقال، لأنَّه واجه أسئلةً مُستعصية مُماثلة في عصره. واستحضر شبح الشك في قصته القصيرة، «بنت العصر»، التي صدرت عام 1875 في أعقاب تدفُّق التأثيرات الأوروبية: «تحدث هذه الأشياء في وقتٍ لم تصفُ معانيه، مثل ضوء الشمس في وقت الفجر.

ولذا فإنَّ عقول الكثير من الناس أيضًا لم تصفُ بعد. لدرجة أنَّ الغرباء (الأوروبيون) يقفون في الظلام نفسه إلى جوار السُكَّان المحليين. وتُبرهن الأوضاع الراهنة على أنَّ البلاد تُعاني تحت وطأة الوضع الثقافي الذي تمُرُّ قيمه بحالةٍ انتقالية غامضة».

وواجه البستاني لحظة حقيقةٍ مُختلفة تساءل خلالها كثيرًا عن نتيجة ذلك الالتباس بالنسبة لإخوته العرب. ويرى علي أنَّنا نُواجه اليوم هذا الالتباس مرةً أخرى، بعد أن واجهناه في أكثر من مناسبة منذ أيام البستاني. والله وحده أعلم بما يحمله لنا الغد، لكن الرحلة سوف تُستَمَدُّ من العاصمة الرمزية التي وُلِدَت عام 2011 والطابع الإنساني الذي تميَّزت به، وذلك من أجل إعادة تنشيطها بطُرُق حديثة تفتح مسارات جديدة.

ووقعت اللحظة الأكثر إثارة في عام 2011 حين تمتَّعت الرغبة والخيال بفترة حُكمٍ حُرة، قبل أن تنسفها الدماء والندم واليأس والإرهاق. وما نحتاج إليه الآن أكثر من أي وقتٍ مضى هو أن نُعيد تحفيز الرغبة والخيال بحكمة، مع حُكمها هذه المرة بواسطة المعرفة والانضباط.

ويُؤمن علي بضرورة إنتاج شخصيات ومُفكِّرين جُدد يستطيعون المُساعدة في الاستفادة من فضول وقسوة وإبداع وبراعة المُجتمع المنكوب، علاوةً على تبنِّي نصوص ناشئة بوصفها أدلة، إلى جانب استيعاب التفكير الفلسفي في قلب المشاريع المُقبلة، وإنتاج كتب تستحق أن تُورَّث للأجيال المُنتظرة، ونحن بحاجةٍ إلى تشجيع تعلُّم اللغة الألمانية وتطوير نهجنا تجاه اللغة العربية، وأن نُدرِكَ باستمرار أنَّ التفكير السياسي مُهيكلٌ حتميًا بواسطة الكلمات التي نستخدمها أو نتهرَّب منها، وبالتالي نحن بحاجةٍ إلى تبسيط المُفردات من أجل مساءلة ومُناقشة تصنيفات السُلطة.

والأهم من ذلك هو أنَّنا بحاجةٍ إلى التعايش مع فنائنا الذي يُجبرنا على إدراك أنَّ إنجازاتنا المهمة هي ميراثُ أعمال الكفاح الماضية، وأنَّ ثمرة جهودنا ربما لن تتعدَّى فترة حياتنا. وليس من المُتوقَّع أن نفعل كل شيء، ولكن لا ينبغي أن نتنازل أيضًا عن مسؤوليتنا التي تستوجب فعل شيءٍ قيِّم للآخرين.

ومن خلال تحليل كلمات كراكور حول المجهولية وانعدام الهدف في افتتاحية المقال؛ يجب أن نعثر على أنفسنا وبعضنا البعض في الشوارع، بدايةً من الإنسان وصولًا إلى الجمهور البشري وانتهاءً بالكيان السياسي المُتحرِّك، ليتحوَّلوا في النهاية إلى بشرٍ جُدُد بأسماء وأهداف وأصوات تتقاطع مع الأمور العادلة والجيدة في المشهد البرليني. وتكشف زيادة الإيقاعات المُختلفة التي تتكامل مع بعضها بعضًا عن معانٍ أكبر من الحياة، بحسب علي، مما يعزف لحنًا خاصًا يستحق الاستماع إليه.

«ميدل إيست آي»: بعد 8 سنوات.. هل لا يزال الربيع العربي حيًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد