يسعى الشيخ محمد بن راشد حاكم دبي لتقديم صورة عامة لنفسه بوصفه شاعرًا وصاحب رؤية في ريادة الأعمال، ولكن الأحكام القضائية ومقاطع الفيديو التي تلاحقه تقدم صورة قاتمة لسيرته، حسب ما جاء في تقرير لصحيفة «الجارديان» البريطانية أعدَّه مايكل صافي من العاصمة اللبنانية بيروت.

ويستدعي الكاتب في مستهل تقريره درسًا تعلمه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي، أثناء طفولته في مخيم صحراوي؛ عندما كان ينهض من فراشه لثلاثٍ أو أربع مرات كل ليلة، وهو يشعر بألم حاد، ويبدو أن حاكم دبي المستقبلي آنذاك كان الوحيد في المخيم الذي كثيرًا ما أيقظته لدغات العقرب.

درس من الطبيعة

سرعان ما أدرك الطفل آنذاك أن ما يحدث ليس من قبيل المصادفة؛ فقد كان أحد شيوخ القبائل ينثر العقارب في فراش الصبي الذي كان عمره يناهز ثماني سنوات. وكان ذلك بمثابة درس في تعلم النجاة والبقاء على قيد الحياة في الصحراء – يتمثل الدرس في لزوم التحقق من خلو أماكن النوم من الحشرات كل ليلة – إلى جانب كونه تطعيمًا وتحصينًا. وحتى يومنا هذا يدَّعي الشيخ محمد أنه محصَّن ضد سُمِّ العقارب.

Embed from Getty Images

وكتب الشيخ عن هذه الواقعة «ليس كل ما يُؤلمك هو شر… أحيانًا فيه الخير وفيه الحماية لك». إنها واحدة من الأساطير الأصلية لرجل استطاع تحويل مدينة ساحلية متواضعة حكمتها أسرته إلى مدينة دبي الكبيرة المتلألئة الفائقة الحداثة، وهي مدينة لم تستطع معالمها الرائعة، مثل منتجع تزلج داخلي وأطول برج في العالم، حجب خلافاتها. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، أصبح الشيخ محمد نفسه في قلب تلك العواصف.

صورة متناقضة

وأشار التقرير إلى أن لقطات سرية سجَّلتها ابنته، الشيخة لطيفة بنت محمد آل مكتوم، ونشرتها منافذ إخبارية متعددة هذا الأسبوع، أثارت القلق من جديد بشأن مصير الأميرة (البالغة من العمر 35 عامًا)، والتي قالت فيها إنها تعيش سجينة في فيلا تخضع للرقابة. وتوقفت الرسائل فجأة في العام الماضي.

ولفت التقرير إلى أن مقاطع الفيديو المؤلمة هذه تَتنَاقَض مع الصورة التي يقدمها الشيخ محمد لنفسه باعتباره صاحب رؤية في ريادة الأعمال وشاعرًا وفارسًا وقائدًا عربيًّا تقدميًّا. وعلى الرغم من أنه أحد أغنى أفراد الأسر المالكة في العالم، بثروة تُقدر بنحو 4 مليارات دولار (2.86 مليار جنيه إسترليني)، ويُدير أمور مدينة تقع في قلب الرأسمالية العالمية، إلا أنه من المثير للدهشة أنه لا يُعرَف سوى القليل عن تلك الشخصية التي وصفها قاضٍ بريطاني العام الماضي بأن صاحبها: «فردٌ شديد الخصوصية».

ونوَّه التقرير إلى أن أغلب المعلومات العامة المتوفرة عن الشيخ محمد قد كتبها بيده: ثلاث مذكرات، ومجموعة شعرية واسعة النطاق، وكتاب صدر عام 2017 بعنوان: «تأملات في السعادة والإيجابية».

ثم هناك أيضًا لمحات أكثر قتامة عن الرجل، وقد ظهرت تلك اللمحات لأول مرة قبل عقدين من الزمن في مكالمة هاتفية يائسة أجرتها شابة، شمسة بنت محمد آل مكتوم، مع محامٍ بريطاني، تدَّعي فيها أن والدها الشيخ قد أبعدها عنه. وبعد أسابيع قليلة اخْتُطِفت من أحد شوارع مدينة كامبريدج واختفت عن الأنظار. وفي أوائل عام 2018 نُشر مقطع فيديو لابنة ثانية، لطيفة، تقول إنها تُخطط لمحاولة هروبها، وتضيف: «فإذا كنتَ تشاهد هذا الفيديو، فهذا ليس بالأمر الجيد؛ فذلك يعني أني قد مِتُّ أو أعاني وضعًا سيئًا للغاية».

وفي السنوات الثلاث التي تلت ذلك، ومع ظهور المزيد من مقاطع الفيديو التي تلاحقه والأحكام القضائية، أصبحت الصورة القاتمة لسيرة الشيخ محمد أكثر وضوحًا.

تحول الإمارة

وألمح التقرير إلى أن دبي لم تكن دائما شِعَارًا للثروة. إذ ولد الشيخ محمد (71 عامًا) قبل أن تُقام في الإمارة أول مستشفى أو مدرسة حكومية أو مطار، ولم تكن قد تحررت بعد من قيود الاستعمار البريطاني. وقال الشيخ محمد في مقابلة لـ«بي بي سي» عام 2014: «عندما وُلدت، لم يكن هناك كهرباء ولا ماء في ذلك الوقت».

ويسرد الشيخ في المقابلة طفولته التي قضاها في تعلم البقاء على قيد الحياة وسط المناظر الطبيعية الصحراوية القاسية، متتبعًا الغزلان وطيور الحُبَارَى والكَرَوان والجِمَال، التي تعلَّم أن آثار حوافِرها فريدة كبصمات الأصابع، وهي «إستراتيجية لازمة للحصول على الطعام في الصحراء»، كما تعلم من والده على حد قوله.

Embed from Getty Images

لم تكن الإمارة التي سيرثها الشيخ محمد قد اكتشفت النفط بعد، لكن إستراتيجية دبي الخاصة للبقاء في الصحراء بدأت تتشكل بالفعل؛ فعندما رفعت مدن الموانئ القريبة التعريفات الجمركية على التجارة، ألغى حكام دبي في أوائل القرن العشرين القيود الجمركية، الأمر الذي جذب إليها التجار من إيران والهند الذين جعلوا المدينة مُرَادِفة لكل من اللؤلؤ والذهب.

وقال الشيخ محمد وهو يراقب ذلك إنه استوعب درسًا مهمًا: «إن قادة اليوم هم العمالقة الصامتون الذين يملكون المال، وليس الساسة الذين يصدرون الضجيج».

ونوَّه التقرير إلى أن مغازلة هؤلاء العمالقة استلزم تعلم طرقهم؛ ففي عام 1966 أرسله والده إلى الجامعة في كامبريدج. ويتذكر: «الروائح الغريبة والمثيرة للاهتمام» لعشائِه الأول، ولحم الضأن والبازلاء والبطاطس المهروسة، فضلًا عن الأمور المستحدثة الجديدة مثل بقايا اللحم وغيرها من الأطعمة التي تُوضع في الثلاجة، ومن ثم تُسخن وتُقدم تلك الأطعمة مرةً أخرى في عشاء اليوم التالي. يقول ابن راشد: «أكلتُ بينما كانت تتملكني الهواجس»، موضحًا أنه: «في دبي كنا دائمًا نأكل الطعام طازجًا، ولم يكن هناك مجال لترك بقايا طعام نظرًا لكثرة المجتمعين عليه».

وعندما دَخلتْ دبي في اتحاد مع الإمارات المحيطة بها لتشكيل دولة الإمارات العربية المتحدة، عُهد إلى الأمير الشاب بإنشاء أول جيش ووزارة للدفاع في البلاد، لكنه كان شغوفًا على نحو لا يقاوم بالطيران، ولم يستطع التخلص من فكرة ظلت تُداعب خياله منذ نعومة أظافره، وهو يقف في مطار هيثرو الصاخب. وكتب: «مستقبلنا يكمن في أن نجعل من دبي وجهة سفر عالمية».

حقوق إنسان

منذ 11 شهر
افتتاحية «الجارديان»: ماذا يمكن أن تقدم قوانين بريطانيا لأميرة دبي المختطفة؟

ورغم اعتراضات الخبراء الاستشاريين والمكائد المرتبطة بصناعة الطيران، على مدى العقود الأربعة التي تلَت ذلك، استطاع الشيخ محمد فعل ذلك، إذ قاد تحول دبي إلى مركز الطيران الأكثر ازدحامًا في العالم وتأسيس صناعة سياحية وخدمات مهنية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.

وإلى جانب قصة النجاح المنقَّحة تلك في مواجهة الصعاب، يخصص نائب رئيس الإمارات ثلاثة فصول من كتابه الأخير للحديث عن لطيفة أخرى: إنها والدته. ويرسم لها صورة مثالية فهي: «الحب الأول» و«قلبي وروحي»، و«الشخص الأكثر روعة، ودعمًا، والألطف خُلقًا والأطيب قلبًا والأكثر استثنائية في حياتي». وقد أفجعته وفاتها في عام 1983.

وبحسب التقرير، تحظى أزواجه بتغطية أقل نسبيًّا في الرواية الرسمية، وقد وُثِّقت قصة واحدة فقط لزوجه السادسة والأصغر سنًّا وهي الأميرة هيا. وبعد تعثر زواجهما، قالت هيا (البالغة من العمر 46 عامًا) إنها باتت قلقة على مصير شمسة ولطيفة. وبعد مدة وجيزة، قالت إنها بدأت تعثر على أسلحة متروكة في منزلها ورسالة تحذر: «سوف نأخذ ابنك ــ ابنتك لنا ــ حياتك انتهت».

تأثير ضئيل

وأضاف الكاتب أن محكمة في المملكة المتحدة وجدت في العام الماضي أن هذه الادِّعاءات وغيرها من مزاعم التهديد والمضايقة، إلى جانب مزاعم أن الشيخ محمد رتَّب عمليات الإعادة القسرية لـلطيفة وشمسة، هي الرواية الأكثر ترجيحًا وصِحة في نظر المحكمة. ويبدو أن الحكم وشيوع تلك المزاعم لم يكن لهما تأثير يُذكر حتى الآن على العلاقات الدفاعية والتجارية بين الإمارات ولندن، وكذلك على مستوى علاقات الشيخ محمد الشخصية الواسعة في المملكة المتحدة.

ونقلت الصحيفة عن كريستيان كوتس أولريتشسن، زميل مشارك متخصص في شؤون الخليج في تشاتام هاوس، قوله: «لقد اندمج (محمد بن راشد) على نحو وثيق في أعلى مستويات المجتمع من خلال سباقات الخيل»، مضيفًا أنه «يتحرك في أعلى الدوائر مع أفراد العائلة المالكة في المملكة المتحدة، وقد يمنحه هذا الاحترام إلى حد ما».

Embed from Getty Images

وفي أحدث مذكرات الشيخ محمد، التي نُشرت في عام 2019، ما بين تكريم والديه وأجداده، وسرد تاريخ عن دبي، هناك ومضة غير عادية لجانب أصعب. قال الشيخ إنه قد يكون مُحصَّنًا ضد لدغات عقارب الصحراء، لكنها لم تكن النوع الوحيد من العقارب.

وكتب: «يُقال إن العقارب البشرية تنثر سُمَّها على الأرض في شكل متآمرين ومثيري شائعات، يُدنسون النفوس ويدمرون العلاقات ويخربون الأرواح ويبثون الفُرقة»، مضيفًا أن «النوم وسط عقارب الصحراء يكون أحيانًا أهون من العيش مع العقارب البشرية»، حسب ما يختم الكاتب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد