في حين تتدافع إسرائيل لتبرير أفعالها، لم تنبس الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ببنت شفة على نحو مخجل. لكن الفلسطينيين لن يصمتوا، وفي سياق مقاله حول اغتيال شيرين أبو عاقلة يقول الكاتب الصحفي ديفيد هيرست، في تقريره الذي نشره موقع «ميدل إيست أي» البريطاني الذي يرأس تحريره؛ أن هناك ثمة ثورة تختمر في الضفة الغربية المحتلة منذ شهور، لافتًا إلى أن السلطة الفلسطينية فقدت سيطرتها على مدينة جنين حيث وحدت المقاومة ضد التوغلات الإسرائيلية الليلية كافة الفصائل الفلسطينية هناك.

ارتباك إسرائيلي

أشار الكاتب في البداية إلى أن الشاباك، جهاز المخابرات الإسرائيلي المحلي، يعاني حالة من الارتباك، ذلك لأن من يُنفذ الهجمات بالأسلحة النارية على الإسرائيليين هم فلسطينيون لا تربطهم صلة تذكر بعضهم ببعض، ناهيك عن وجود أي رابط مع جماعات المقاومة المسلحة. وكذلك لا يوجد دليل على أن هذه الهجمات منظمة أو منسقة. ويبدو أن القاسم المشترك في تلك الهجمات هو الرفض المتنامي للاحتلال.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ أسبوع
شيرين أبو عاقلة.. صوت فلسطين الذي اغتاله الاحتلال

وأضاف الكاتب أن هذه ليست الجولة الدورية من القتال التي تَخْفُت بمجرد أن تخمد نيران معركة ما، أو عندما يصدر الإسرائيليون المزيد من تصاريح العمل للعمال المهاجرين، وتعود الحياة إلى طبيعتها في هذا الجزء من العالم.

أيقونة جديدة لجيل جديد

وأوضح الكاتب أن الأمر بات مختلفًا هذه المرة؛ وذلك لأن هناك جيلًا جديدًا من الفلسطينيين، لم يكن الكثير منهم حتى قد ولِد عندما اندلعت الانتفاضة الأولى أو الثانية، يقف متأهبًا ومشمرًا عن ساعديه استعدادًا للقتال، وهو جيل لا يعرف الخوف وليس له قيادة.

وحتى اليوم، لم يكن لهذا الجيل اسم أو وجه أو أيقونة لقيادته. ولكن الآن أضحى لهم ذلك؛ إنها سيدة فلسطينية تدعى شيرين أبو عاقله. ونوَّه الكاتب إلى أن شيرين، مراسلة الجزيرة المخضرمة، احتشدت وسط مجموعة من الصحافيين بالقرب من دوار خارج مخيم جنين للاجئين يوم الأربعاء. وقد تجمعوا، كما فعلوا في معظم الأيام، لتغطية اقتحام إسرائيلي لمخيم جنين والاشتباكات التي تلي تلك الاقتحامات في أزقة المخيم بين القوات الإسرائيلية والمقاتلين الفلسطينيين.

Embed from Getty Images

ولفت الكاتب إلى أهمية المكان الذي حدث فيه إطلاق النار؛ إذ كان الصحافيون يقفون عند دوار لا يجرؤ المقاتلون الفلسطينيون على المجازفة بالوقوف عنده، لأنهم سيكونون هدفًا سهلًا ودون غطاء للقوات الإسرائيلية. ويقول عديد من الشهود إن تبادل إطلاق النار في الأزقة كان بعيدًا عن مكان تجمع الصحافيين.

رواية شاهدة عيان

وأوضحت رواية شاهدة العيان التي قدمتها الصحافية شذى حنايشة، التي كانت بجوار شيرين عندما أصيبت بالرصاص، للموقع البريطاني أن مجموعة الصحافيين أعلموا القوات الإسرائيلية بوجودهم 10 دقائق قبل أن يتحركوا صعودًا نحو المخيم. ولم تطلق القوات الإسرائيلية طلقات تحذيرية. وأصيب زميلها منتج قناة الجزيرة علي السمودي في ظهره في البداية. وحوصرت شيرين وشذى على الجانب الآخر من الشارع، وظهرهما إلى الحائط الذي اتخذوه ستارًا.

وقالت شذى: «في ذلك الوقت، اخترقت رصاصة أخرى رقبة شيرين، وسقطت على الأرض بجواري. وناديتها باسمها لكنها لم تتحرك. وعندما حاولتُ مد ذراعي للوصول إليها، أطلقت رصاصة أخرى، واضطررت للبقاء مختبئة خلف شجرة. تلك الشجرة أنقذت حياتي، لأنها كانت الشيء الوحيد الذي كان يعوق رؤية الجنود لي».

وأقر الجيش الإسرائيلي بأن جنوده كانوا ينفذون عملية في المنطقة في ذلك الوقت، وسرعان ما حاولوا إلصاق إطلاق النار بالمقاتلين الفلسطينيين. وقال الجيش الإسرائيلي إن تبادل إطلاق النار وقع بين قواته ومقاتلين فلسطينيين وإنه يحقق في ما إذا كان «صحافيون أصيبوا، ربما بنيران فلسطينية».

التناقض الأمريكي بين خاشقجي وأبو عاقلة

وللتدليل على هذا «الزعم» من قبل الاحتلال الإسرائيلي، نشر كل من الجيش والسفارة الأمريكية تغريدة على موقع «تويتر» تحتوي على مقطع فيديو لمسلحين فلسطينيين في جنين يطلقون النار في أحد الأزقة، في إشارة إلى مسؤوليتهم عن مقتل شيرين. وزارت منظمة بتسيلم الإسرائيلية غير الحكومية مكان التقاط تلك اللقطات وقالت إنه من المستحيل إطلاق النار على شيرين من ذلك المكان.

Embed from Getty Images

وأضاف الكاتب أن اندفاع السفارة الأمريكية المتعجل لدعم رواية الجيش الإسرائيلي للأحداث أمر مهم أيضًا، لافتًا إلى أن الصحافي السعودي جمال خاشقجي، الذي قُتل في تركيا على يد فرقة اغتيال أرسلتها الرياض، كان مقيمًا في فرجينيا ولكنه ليس مواطنًا أمريكيًّا. أما شيرين، فلسطينية أمريكية، فكانت مواطنة أمريكية، وهنا يتبدَّى التناقض. فقد أدى مقتل خاشقجي إلى خلاف دبلوماسي كبير بين واشنطن والرياض استمر لأكثر من ثلاث سنوات ولا يزال دون حل. بينما يُشكِّل استشهاد شيرين جزءًا من عملية مشتركة بين أمريكا والجيش الإسرائيلي للطعن في الحقائق المعروفة، حتى قبل أن يُواري جثمانها الثرى.

«لا حاجة للاعتذار»!

وأضاف الكاتب أن الإسرائيليين يعتقدون أنهم لم يرتكبوا ما يستوجب الاعتذار؛ إذ قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي ران كوخافي لراديو الجيش إنه «حتى لو أطلق الجنود النار، أو لا سمح الله أصابوا، شخصًا لم يكن مشاركًا في القتال، فقد حدث هذا في معركة، أثناء معركة بالأسلحة النارية، حيث يوجد هذا الفلسطيني مع مطلقي النار. لذلك يمكن أن يحدث هذا الشيء».

ووصف كوخافي شيرين بأنها «تصور وتعمل لصالح وسيلة إعلامية وسط فلسطينيين (مسلحين) بينما هم مسلحون بـ(كاميرات)، إذا سمحت لي أن أقول ذلك». ويتفق زملاء كوخافي مع هذا الطرح. وقال الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي السابق آفي بينياهو: «لنفترض أن شيرين أبو عاقلة قتلت برصاص الجيش. لا داعي للاعتذار عن ذلك».

وبدوره، لم يَكبُتْ عضو الكنيست الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير عواطفه، إذ غرَّد قائلًا: «أنا أؤيد الجنود الإسرائيليين تأييدًا كاملًا، لأن مراسلي الجزيرة غالبًا ما يعرقلون عملهم من خلال الوقوف عمدًا في منتصف ساحة المعركة».

ويتضح من ذلك، حسب ما يرى الكاتب، أن الجواب هو: «حتى لو كان قناص إسرائيلي هو الذي قتلها، فما المشكلة في إطلاق النار على الصحافيين؟»، وهو رد لا يختلف عن الرد الذي قدمه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بشأن مقتل خاشقجي.

على مرمى رصاصة.. أكثر 50 صحافي سرق الاحتلال أعمارهم- شيرين أبو عاقلة

جثمان شيرين أبو عاقلة

وقال الكاتب إن شيرين ليست أول صحافي يُقتل برصاص القناصة الإسرائيليين. فقبل أسبوعين فقط، قُدِّمت مذكرات قانونية تزعم الاستهداف المنهجي للصحافيين العاملين في فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية. وقد رفعها الاتحاد الدولي للصحافيين ونقابة الصحافيين الفلسطينيين ومركز العدل الدولي للفلسطينيين نيابة عن أربعة صحافيين، هم أحمد أبو حسين وياسر مرتجى ومعاذ عمارنة ونضال آشتية، قتلوا أو أصيبوا بالإعاقة أثناء تغطيتهم للمظاهرات في غزة.

ومن جانبها، قالت نقابة الصحافيين الفلسطينيين في عام 2020 إن ما لا يقل عن 46 صحافيًّا قُتلوا في الأراضي الفلسطينية منذ عام 2000، ولم يُحاسب على هذه الجرائم أي جندي أو ضابط إسرائيلي واحد. وقد ترقى هذه الحوادث إلى جرائم حرب إذا اتُّخذت الإجراءات القانونية.

شهيدة في سبيل القضية الفلسطينية

يلفت الكاتب إلى أنه يمكننا أن نكون واثقين من شيء واحد من الدول التي تبدو مناهضة جدًّا لجرائم الحرب الروسية في أوكرانيا، وهذا الشيء هو أننا سنجد منهم صمتًا مطبقًا تجاه مقتل الفلسطيني الثامن والخمسين هذا العام، كما حدث مع غيره من القتلى الفلسطينيين. إلا أن الجانب الفلسطيني لن يظل صامتًا تمامًا، إذ هرعت كل الفصائل الفلسطينية إلى حمل جثة شيرين أبو عاقلة وجابت بها شوارع جنين بعد دقائق من وفاتها في المستشفى التي نقلت إليها إثر إصابتها بالرصاص. ولم تكن ديانة شيرين مهمة في هذا المقام، إذا صلى عليها المقاتلون المسلمون ودعوا لها في المراسم المسيحية.

وبحسب تعبير هيرست: لقد صعدت أمس روح شيرين أبو عاقلة، الفلسطينية المسيحية والمقدسية، شهيدة في سبيل نصرة القضية الفلسطينية، وكانت شيرين معروفة لملايين الفلسطينيين في جميع أنحاء العالم منذ زمنٍ بعيدٍ على أنها وجه الانتفاضة الفلسطينية الثانية؛ إذ تمكنت شيرين، بصفتها صحافية متمرسة ومخضرمة، ولا تنتمي لأي فصيل سياسي، من تغطية كل الأحداث التي شهدتها الأراضي الفلسطينية منذ ذلك الحين بالمهنية نفسها، التي دفعتها إلى التواجد في ذلك الميدان الذي قُتلت فيه في جنين صباح يوم الأربعاء.

 شيرين أبو عاقلة: بداية الرحلة الصحفية

يشير الكاتب إلى أن شيرين كانت هناك تُغطي الأخبار الفلسطينية منذ نشأة قناة الجزيرة، وفي مقطع فيديو بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس القناة، أوضحت شيرين دوافعها لمواصلة العمل قائلةً: «لن أنسى أبدًا حجم الدمار، ولا الشعور بأن الموت كان أحيانًا على مسافةٍ قريبةٍ، لم نكن نرى بيوتنا.. كنا نحمل كاميراتنا ونتنقل عبر الحواجز العسكرية والطرق الوعرة؛ كنا نبيت في مستشفيات أو عند أناس لم نكن نعرفهم، ورغم الخطر، كنا نُصر على مواصلة العمل».

Embed from Getty Images

وتابعت شيرين: «كان ذلك خلال عام 2002 عندما تعرضت الضفة الغربية لاجتياح لم تعهده منذ احتلال عام 1967، وفي اللحظات الصعبة تغلبت على الخوف، فقد اخترت الصحافة لكي أكون قريبةً من الإنسان، ليس سهلًا ربما أن أغير الواقع، لكنني على الأقل كنت قادرة على إيصال هذا الصوت إلى العالم.. أنا شيرين أبو عاقلة».

ويؤكد الكاتب أن دافع الجيش الإسرائيلي هو نفسه لدى الجيش الروسي في أوكرانيا أو الجيش المصري في سيناء، وهو قمع الصحافة المستقلة ومنعها من توثيق أفعال هذه الجيوش؛ ونظرًا لأنهم جميعًا يعلمون أن تصرفاتهم غير شرعية، فهم يريدون محو أي نسخة من الأحداث التي تناقض روايتهم لها، وعلى هذا النحو، توجد حقيقة واحدة تأتي من هذه العمليات التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي في جنين: وهي روايتهم للأحداث، ويبدو أنهم مصممون لإبقاء الأمر هكذا؛ ونظرًا لأن وجود شيرين أبو عاقلة كان يمنعهم من تحقيق ذلك، اغتالوها.

صمت مخزٍ يُثير السخرية

يوضح الكاتب قائلًا: بيد أن إسرائيل بحاجة إلى غطاء دولي لمواصلة أفعالها تلك، وهذا الغطاء توفره عن طيب خاطر الدول نفسها التي تحارب روسيا بمثل هذا اليقين الأخلاقي في صواب أفعالها، وتتضمن هذه الدول كلًّا من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، التي أعلنت قبل 24 ساعة فحسب خلال خطاب الملكة عن نيتها لتمرير تشريع قانوني يحظر المجالس المحلية وغيرها من المؤسسات العامة من المشاركة في حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات، وهدفها الرئيس من ذلك هو الحركة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ أسبوع
«ميدل إيست آي»: أدلة تدحض مزاعم الرواية الإسرائيلية لاغتيال شيرين أبو عاقلة

لذلك نحظر حركات المقاطعة، ونحظر العمل السلمي، ونوفر الغطاء عندما يقتل القناصة الإسرائيليون الصحافيين عمدًا، ولا يمكن أن يكون هناك ضوء أخضر أكثر بريقًا من هذه القوانين لكي تواصل إسرائيل ما تفعله.

وعلى نحوٍ مماثلٍ، قضت المحكمة الإسرائيلية العليا قبل أسبوع بإمكانية طرد ألف فلسطيني من إحدى المناطق بالضفة الغربية المحتلة والأراضي المخصصة للاستخدام العسكري، وهي واحدة من أكبر عمليات إجلاء الفلسطينيين من منازلهم منذ بدء الاحتلال في عام 1967.

ويبرز الكاتب أن شيرين أبو عاقلة ضحَّت بحياتها لتُظهر للعالم حقيقة ما يحدث على الأراضي الفلسطينية، وهي ليست وحدها في هذا الشأن بأي حالٍ من الأحوال، إذ توجد نساء فلسطينيات باسلات يفعلن الأمر ذاته، ويعد ما يقمن به من أعمال وصمة عار في جبين العالم الغربي الذي يلوح بالقيم الأخلاقية مستخدمًا إياها عندما تناسبه، ويتخلى عنها ويُلقي بها في مقلب النفايات عندما لا تناسبه.

Embed from Getty Images

ويختم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن العالم الغربي يدَّعي أنه يُدافع عن مبادئ الديمقراطية وحرية التعبير خلال معاركه التي يخوضها مع الأعداء، بينما يظل صامتًا بصورة مخزية تثير التهكم والسخرية عن تجاوزات حلفائه؛ فإن وصمة العار التي تنشأ من غض الطرف عن تلك التجاوزات لن يمحوها الزمن، إنه عار لا يُمحى، إن كل وزراء الخارجية الأمريكية الذين يتولون هذا المنصب واحدًا تلو الآخر، سواءً أكان هذا الوزير يمينيًا فظًا أو ليبراليًّا، يتحملون وزر مقتل شيرين أبو عاقلة مثلهم مثل القناص الذي ضغط بإصبعه على الزناد الذي أطلق الرصاص فأرداها قتيلة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد