مع ازدياد موجات العداء للإسلام والمسلمين في أمريكا، ووصول ترامب إلى سدة الحكم في أمريكا، نشر موقع VOX (فوكس) تقريرًا عن تاريخ الإسلام الطويل، وغير المشهور، في أمريكا. تناول التقرير أبرز محطات الإسلام في التاريخ الأمريكي وصولاً إلى اللحظة الراهنة، كتبته نائبة قسم الشؤون الخارجية بالموقع جنيفر وليامز، تقول فيه:

يميل معظم الجدل الدائر في أمريكا حول حظر الرئيس ترامب للمهاجرين، واللاجئين إلى افتراض أنَّ الأمريكيين المسلمين معظمهم من المهاجرين، وأنَّ الإسلام ظاهرة حديثة نسبيًّا في أمريكا، إلى جانب طرح أسئلة حول الاندماج والاستيعاب.

في الحقيقة، للإسلام تاريخ طويل في أمريكا، يعود إلى الأيام الأولى لتأسيس البلاد. تشابك الإسلام والأمريكيون المسلمون مع التاريخ الأمريكي على مدار القرنين الماضيين، أو أكثر. ليست هذه القصة مشهورة، ومع أنَّ هذا يرجع، جزئيًّا، إلى قلة عدد المسلمين في الولايات المتحدة في أغلب فترات التاريخ، إلا أنَّ دور الإسلام ما زال يظهر بطرق يستغربها معظم الأمريكيين ــ خصوصًا في تاريخ الرق، وتحرير الرقيق في أمريكا.

ما سوف يلي هو تاريخ موجز للإسلام في الولايات المتحدة من تاريخ إنشائها حتى اليوم، ودليل لمجتمع المسلمين الأمريكيين بعد زيادة أعدادهم.

رأي الآباء المؤسسين في الإسلام والمسلمين في أمريكا

ربما يكون أكثر أدوار الإسلام وضوحًا في أمريكا في عصر الآباء المؤسسين، متمثلاً في كلمات وأفعال المؤسسين أنفسهم، الذين سعوا، قاصدين، لإدماج الإسلام، بينما كانوا يأسسون مبادئ الحرية الدينية.

وقال جيمس هوتسون، رئيس قسم المخطوطات بالمكتبة الأمريكية للكونجرس: «أدمج المؤسسون الأوائل لأمريكا، الإسلام، بوضوح، في رؤيتهم لمستقبل الجمهورية. كانت حرية الدين، كما تصورها المؤسسون، تشمل الإسلام».

أما توماس جيفرسون، الذي اشتهر بامتلاكه نسخة من القرآن، فقد تكلم عن دور الإسلام في أمريكا. بحسب هوتسون، فإنَّ جيفرسون، بينما كان يقوم بحملات للدعوة للحرية الدينية في فيرجينا، طالب بـ«الاعتراف بالحقوق الدينية (للمحمديين)، واليهود والوثنيين».

حتى مسألة أن يتولى مسلم رئاسة الولايات المتحدة -وهي قضية برزت مؤخرًا عندما قال المرشح الرئاسي الجمهوري بن كارسون إنه «لا يحبذ أن نضع مسلمًا في منصب قيادة الأمة»- كانت أمرًا ناقشه الآباء المؤسسون عندما كانوا يصدقون على دستور الولايات المتحدة.

مجتمع

منذ 4 سنوات
هل كان الإسلام أحد الآباء المؤسسين لأمريكا؟!
5907
عبد الرحمن ناصر

في مؤتمر أقيم بولاية نورث كارولينا، عام 1788، للبحث في التصديق على الدستور الفدرالي من عدمه، حذر المعارضون للتصديق على الدستور من أنَّ المادة السادسة من الدستور تسمح بإمكانية أن يصبح أحد المسلمين، يومًا ما «خلال أربعمائة أو خمسمائة عام» رئيسًا للجمهورية. تقول المادة السادسة: «لا يجوز أبدًا اشتراط أي اختبار ديني ليكون مؤهلاً لتولي أي منصب رسمي، أو مسؤولية عامة في الولايات المتحدة».

طبعًا، صودق على الدستور في النهاية، وبقيت تلك المادة دون تغيير. خسر أشباه بن كارسون هذ الجدل في عصر تأسيس أمريكا.

بل أكثر من هذا نجد نحتًا غائرًا للنبي محمد على الحائط الشمالي للمحكمة العليا الأمريكية، ومع أنَّ المبنى شيد عام 1935، إلا أنَّ له جذورًا تمتد لأقدم من ذلك بكثير. وكما لاحظ الباحث تيموثي مار في كتابه «الجذور الثقافية للإسلاموية الأمريكية»، فإنَّ «التمثال المُبجَّل للنبي محمد» يقع «بين شارلمان وجستنيان باعتباره واحدًا من أعظم المشرعين في التاريخ».

أول تجمعات الأمريكيين المسلمين كانت من الرقيق

لم تكن الأغلبية العظمى من المسلمين، في السنوات الأولى لتأسيس أمريكا، مواطنين، وإنما كانوا رقيقًا. ويشرح الباحث ريتشارد برنت ترنر أنَّ الباحثين مختلفون حول عدد الرقيق المسلمين الذين جلبوا إلى الأمريكتين، وتتراوح أعدادهم بين 40 ألفًا (في الولايات المتحدة وحدها) إلى ثلاثة ملايين في أمريكا الشمالية والجنوبية وجزر الكاريبي.

وقال ترنر إنَّ الكثير من العبيد المسلمين كانوا متعلمين، ويعرفون العربية، وعادة ما كانوا «يحتلون أدوارًا قيادية في الوظائف التي كان العبيد يؤدونها في المزارع في الجنوب الأمريكي. وكان ينظر إلى أسمائهم، وأزيائهم، وشعائرهم، وقوانينهم الغذائية باعتبارها دلالات على هوياتهم الإسلامية في مجتمع الرقيق».

ويقول المؤرخ كامبيز جاناباسيري، الذي يعد كتابه «تاريخ الإسلام في أمريكا» واحدًا من أكثر الكتب شمولاً حول هذا الموضوع: «جاء المسلمون، الذين عاشوا في فترة أمريكا الاستعمارية، وفترة ما قبل الحرب الأهلية، من مجموعة من الخلفيات العرقية، والتعليمية، والاقتصادية المختلفة. تنوعت تجاربهم في أمريكا على حسب الوقت الذي نقلوا فيه إلى أمريكا، والمكان الذي نقلوا إليه».

وأضاف جاناباسيري: «لم يكن هناك تفسير واحد أو ممارسة واحدة للإسلام. في بعض الأحيان، كانت الاعتقادات والممارسات الإسلامية وسائل لتعريف النفس، ميزت، وفي بعض الأحيان عزلت، المسلمين الأفارقة عن باقي الأفارقة المستعبدين، أو الأمريكيين البيض».

ويقول التقرير إنه على الرغم من أنَّ الكثير من المسلمين الأفارقة حاولوا الحفاظ على هوياتهم وثقافاتهم الإسلامية عندما وصلوا أمريكا، إلا أنهم كانوا بحاجة للتكيف مع بيئتهم الجديدة، وتكوين مجتمعات جديدة. وهذا أدى في النهاية إلى اعتناقهم جميعًا، تقريبًا، للمسيحية.

يقول جاناباسيري: «يمكن القول إنَّ التحول إلى المسيحية كان أكثر الطرق شيوعًا التي أعاد بها المسلمون الأفارقة تشكيل ممارساتهم، واعتقاداتهم الدينية للتكيف مع هذا السياق الجديد، وتكوين علاقات مجتمعية جديدة. ومع أننا لا نعرف تحديدًا متى وكيف انتهت الممارسة العلنية للإسلام تمامًا في أمريكا القرن التاسع عشر (أو إذا ما كان هذا الانتهاء قد حدث بالفعل)، إلا أنَّ من الواضح من مصادرنا أنَّ أطفال الأفارقة المسلمين المولودين في أمريكا لم يمارسوا الإسلام، ولم يعرفوا أنفسهم على أنهم مسلمون».

وهكذا، وعلى الرغم من التدفق الضخم للمسلمين من خلال تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، فإنَّ الإسلام كان قد اختفى من بين هذه المجتمعات بحلول نهاية القرن التاسع عشر.

أول مسجد وأول هجرة مسلمة بعد انتهاء الرقيق

في نفس الوقت الذي كان الإسلام يتلاشى فيه من مجتمعات الرقيق، والرقيق السابقين، بدأ الملايين من المهاجرين الوصول لشواطئ أمريكا بحلول نهاية القرن التاسع عشر، وخصوصًا في بدايات القرن العشرين. شملت هذه الأعداد من المهاجرين عشرات الآلاف من دول ذات أغلبية مسلمة في الشرق الأوسط، وجنوب ووسط آسيا، وشرق أوروبا. هذه الهجرة حفزتها، جزئيًّا، الثورة الصناعية التي اندلعت بمجرد خروج أمريكا، أخيرًا، من بين ركام الحرب الأهلية، وعصر إعادة الإعمار.

بُني أول مسجد في أمريكا في مدينة شيكاغو، بحسب المؤرخة سالي هويل، عام 1893، وكان جزءًا من عوامل الجذب في «شارع القاهرة» الذي أقيم في المعرض العالمي الكولومبي في شيكاغو. وقالت سالي إنَّ هذا المسجد كان من المفترض أن يكون «تقليدًا لمسجد السلطان قايتباي في القاهرة»، وأن «يعرض الإسلام للجمهور الأمريكي».

يعطينا هذا المشهد من مسجد «شارع القاهرة» بشيكاغو لمحة عن التجربة الإسلامية في أمريكا في تسعينات القرن التاسع عشر، بين المسلمين في شيكاغو، وأيضًا باعتباره أمرًا غريبًا مثيرًا لفضول غير المسلمين. ها هنا وصف هاول لهذا المشهد:

«حض منظمو المعرض العمال المسلمين والمصلين، الذين كان بينهم إمام مدرب، على أن يظلوا مرتدين (أزياءهم التقليدية). وبادر العمال، من تلقاء أنفسهم، برفع الأذان من أعلى قمة المنارة خمس مرات في اليوم، وهو ما أبهج الجمهور. وكان الزوار المسلمون يجتمعون في أوقات الصلاة داخل المسجد لأدائها. هُدم المسجد بنهاية المعرض، وعاد المصلون وفريق العمل في معرض (شارع القاهرة)، الذين جلبوا إلى الولايات المتحدة ليكونوا أدوات عرض، إلى حياتهم العادية في مصر والمغرب وفلسطين، حيث لا تحظى الشعائر بمثل هذا الاهتمام ذاته».

ولم يظهر ثاني المساجد في الولايات المتحدة قبل عدة عقود من ذلك التاريخ. وقد بني هذا المسجد في هايلاند بارك، ميتشغان، وانتهي من بنائه عام 1921. وصفت هاول هذا أيضًا قائلة:

«كان الغرض من هذا المسجد، الذي بني على يد المهاجرين المسلمين ليكون مكانًا للعبادة، أن يكون ممثلاً للإسلام أمام الجمهور الأمريكي، مثل مسجد (شارع القاهرة)، لكنَّ مسلمي هاي لاند بارك كانوا يأملون أن يعطوا انطباعًا مختلفًا للغاية عن دينهم. لن يكون الإسلام الممارس في هذا المسجد شيئًا غرائبيًّا، أجنبيًّا، أو مشهدًا مسرحيًّا. وإنما سوف يكون دينًا أمريكيًّا مختلفًا عن الدين الذي يمارس في الكنائس والمعابد القريبة منه. سوف يجلب هذا المسجد المصلين من أصحاب الجنسية الأمريكية».

نمو الإسلام في أوائل القرن الـ20 (ليس فقط بالهجرة)

شهدت أوائل القرن العشرين، بداية تكوين المهاجرين المسلمين لمنظمات صغيرة من المجتمعات المحلية في كل البلاد.

وكتبت هاول، أنه في هذا الوقت، بدأ الأمريكيون الأفارقة أيضًا «في اعتناق الإسلام في العشرينات والثلاثينات، جزئيًّا، استجابة إلى الاضطهادات الراديكالية والعنصرية التي تعرضوا لها قبل وأثناء فترة الهجرة الكبرى (هجرة الجنوبيين المحرومين إلى المناطق الصناعية في الشمال)».

العديد من جمعيات المسلمين الأفارقة الأمريكيين هذه سوف تستمر ليكون لها تأثير عظيم في شكل الإسلام في أمريكا، من خلال ترويج الإسلام باعتباره جزءًا مفقودًا من الإرث الإفريقي. تقول هاول:

«بالنسبة للكثيرين، كانت صحيفة نيجرو وورلد، لماركوس جارفي، وهي صحيفة ناطقة بلسان جمعية (يونايتد نيجرو إمبروفمنت) التي أنشأت في نيويورك عام 1914، والتي بدأت في نشر الربط بين الوحدة الأفريقية والإسلام. بحلول عام 1920، كان لهذه الجمعية 100 ألف عضو، و800 فرع في كل أنحاء العالم».

وساعدت المنظمات الأخرى التي أنشئت في تلك الفترة -مثل (موريش ساينس تمبل أوف أميركا) التي أنشأها نوبل درو علي، في منتصف العقد الثاني من القرن العشرين، وأمة الإسلام، التي أنشأها والاس فرد محمد عام 1930- على تمهيد الطريق لظهور الإسلام باعتباره جزءًا مؤثرًا في حركة بلاك باور، وحركة الحقوق المدنية في الخمسينات والستينات.

مرر الكونغرس الأمريكي، عام 1924، قانون الأصول القومية الذي «قيد الهجرة من آسيا وغيرها من المناطق المسلمة، ومن ثم أوقف تدفق القادمين المسلمين».

لكن مع تقدم القرن العشرين، بدأ المسلمون الذين كانوا قد وصلوا بالفعل إلى الشواطئ الأمريكية، إلى جانب الأمريكيين الأفارقة الذين أسلموا (أو في بعض الحالات، أعادوا صلتهم بجذورهم المسلمة المفقودة منذ أمد بعيد)، في أداء دور أكثر فعالية بكثير في السياسات، والمجتمع الأمريكي.

دور الإسلام في عصر الحقوق المدنية والقومية السوداء

اليوم، نتذكر ونحتفل بدور القادة المسيحيين، وأشهرهم مارتن لوثر كينج جي آر، في صراع الحقوق المدنية. لكنّ الإسلام كان له دور أيضًا.

بحسب عالم الاجتماع، كرايج كونسيدين: «كما فعل المسلمون خلال الحرب الأهلية، فإنَّ الأمريكيين المسلمين قاتلوا وماتوا في الحرب العالمية الثانية، وحرب فيتنام. فقد حارب أكثر من 15 ألف أمريكي عربي، كان بعضهم من المسلمين، في صفوف الولايات المتحدة في شمال إفريقيا، وأوروبا وآسيا، خلال الحرب العالمية الثانية».

وكتب المؤرخ جانبياسيري: «غيرت الحرب العالمية الثانية بشكل كبير من الهوية القومية لأمريكا، إذ اتحد أمريكيون من عرقيات، وديانات، وأنواع جنسية مختلفة ليقاتلوا في حرب مدمرة تحت شعار الحرية». وواصل جانبياسيري شرح كيف أدى هذا إلى تعاظم دور الإسلام في حركة الحقوق المدنية، والحركات القومية السوداء فقال:

«كانت الهوة بين واقع التمييز من ناحية، والقيم الديمقراطية التي عرفت أمريكا نفسها بها بعد الحرب، من ناحية أخرى، بالنسبة لمجتمعات المسلمين الأمريكيين الأفارقة، دليلاً قويًّا، لا على النفاق فحسب، وإنما أيضًا على حقيقة أنَّ الأمريكيين السود، ما زالوا خارج السردية القومية الأمريكية، بعد حوالي قرن من الحرب الأهلية. في هذا السياق، كان انتقاد الحركات القومية للمسلمين السود للمسيحية باعتبارها (دين الرجل الأبيض)، واعتماد الدين الإسلامي ليكون الدين القومي لأمريكا الأفريقية، أمرًا جذابًا، فجلب العديد من المتحولين للإسلام، ورسخ من اعتبار الإسلام في أمريكا السوداء على أنه دين التحرير. فتأسلم قطاع عريض من أمريكا الأفريقية خلال فترة حركة الحقوق المدنية».

لكنَّ هذا التاريخ مثير للجدل. فعلى الرغم من أنَّ الكثير من الأمريكيين أصبحوا يربطون الإسلام بالمجموعات القومية السوداء، مثل أمة الإسلام، التي كان يمثلها القائد ذو الكاريزما، مالكوم إكس، وحركة فايف برسنت نيشن (والمعروفة أيضًا باسم «فايف برسنترز»)، إلا أنَّ الحقيقة أنَّ المعتقدات الدينية، والشعائر، وممارسات هذه المجموعات كانت أبعد ما تكون عن التيار السائد في الإسلام.

في الحقيقة، لا يعتبر أكثر المسلمين أعضاء حركة أمة الإسلام، والحركات المشابهة لها، مسلمين حقًّا، ذلك أنَّ الكثير من معتقداتهم مناقضة للعديد من المعتقدات الأساسية في الإسلام، أو تعتبر حتى كفرًا بواحًا.

يرى معظم المسلمين فكرة سيادة عرق على آخر، وهي الفكرة المركزية لبعض الحركات القومية المسلمة السوداء المتطرفة، مناقضة لتعاليم الإسلام. مالكوم إكس نفسه سوف يرفض معتقدات أمة الإسلام لاحقًا. فقد اعتنق الرجل الذي مثل، لملايين الأمريكيين، وجه إسلام القومية السوداء، الإسلام السني السائد، بعد زيارة إلى شمال أفريقيا والشرق الأوسط عام 1964، شملت رحلة حج إلى مكة، وغير اسمه إلى الحاج مالك الشباز.

واغتيل مالكوم بعد ذلك بفترة قصيرة.

وعلى الرغم من تغيير مالكوم لمعتقداته، إلا أنَّ أمة الإسلام استمرت في أن تكون قوة مهمة في المشهد الإسلامي الأمريكي لعقود قادمة. اقتربت أمة الإسلام أكثر من الإسلام السائد، تحت قيادة لويس فاراخان، الذي ما زال يقود الجماعة حتى اليوم، لكن ما زال ينظر إليها من قبل معظم المسلمين على أنها منفصلة عن الإسلام.

زيادة ضخمة في هجرة المسلمين بعد  1965

نتيجة لقانون عام 1965 للهجرة والتجنيس، وصل ما قد يزيد على 1.1 مليون مسلم إلى الولايات المتحدة قبل نهاية القرن العشرين.

لم يكن كل أولئك المهاجرين متدينين، لكنَّ قدراتهم التعليمية والثقافية دفعت بهم إلى المناصب القيادية (إذ كان عدد ضخم منهم من الأكاديميين والأطباء والمهندسين) بين مجموعات المهاجرين المسلمين حديثة الإنشاء.

تتبع الباحث زين عبد الله تجاربهم بعد وصولهم، والتي عادة ما تأثرت بالأحداث في الشرق الأوسط، على الرغم من أنَّ الكثيرين منهم لم يكونوا من تلك المنطقة:

«تشكلت معاملة الأمريكيين المسلمين، بعد وصولهم عام 1965، إلى حد كبير، بسلسلة من المواجهات بين الولايات المتحدة، ودول مسلمة عديدة. أدت حرب الأيام الستة عام 1967، وهي حدث ضخم في الصراع العربي الإسرائيلي المستمر، إلى رسم صور سلبية عن العرب في وسائل الإعلام الأمريكية، أدت إلى ترسيخ أسوأ الصور النمطية عن الإسلام…

فاقم حظر بيع النفط للولايات المتحدة في السبعينات من وجهات النظر القاسية تجاه المسلمين في الشرق الأوسط. أغضبت الطوابير الطويلة أمام محطات البنزين الأمريكيين، وشعر المسلمون في الولايات المتحدة بوطأة هذا الغضب. ونشرت الكثير من وسائل الإعلام صورًا كاريكاتورية لمشايخ من الدول العربية الغنية بالنفط، وهم يسعون للهيمنة على العالم».

زادت الأمور سوءًا بحلول نهاية العقد، إذ أسرت الثورة الإيرانية، وأزمة الرهائن الأمريكيين اهتمام العالم، وأعطت مثلاً آخر للتصادم «العنيف» بين الإسلام والغرب.

الثمانينات والتسعينات: الرهائن والهيب هوب

كتب عبد الله: «بنهاية العقد، انزعج الأمريكيون للغاية من الثورة الإيرانية (1979)، وأزمة الرهائن الأمريكيين». فقد أطاحت انتفاضة شعبوية عام 1979، قادها آية الله روح الله خميني، شاه إيران المدعوم من أمريكا، وأقامت نظامًا ثيوقراطيًّا إسلاميًّا شيعيًّا. أسر الطلاب المشاركون في الثورة 52 رهينة أمريكية لأكثر من عام، وأطلقوا سراحهم في الـ20 من شهر يناير (كانون الثاني) 1981.

وصلت التغطية الإعلامية اليومية لأزمة محنة الرهائن، والحماس الديني الثوري لآسريهم المسلمين، إلى بيوت ملايين الأمريكيين. وكما قال المؤرخ إدوار إي كورتس: «عندما استولى الطلاب الإيرانيون على السفارة الأمريكية، واختطفوا العشرات من موظفي السفارة، شعر الكثير من الأمريكيين بالغضب العارم، فارتفعت معدلات جرائم الكراهية ضد المسلمين، والعرب، والإيرانيين، والجنوب آسيويين، في الولايات المتحدة».

الطريقة الأخرى التي تعرض فيها الكثير من الأمريكيين للإسلام في حقبتي الثمانينات، والتسعينات كانت من خلال موسيقى الهيب هوب والراب، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى إرث الحركات القومية السوداء التي أسست خلال فترة الحقوق المدنية. كتب أندرو إيمري للجارديان:

«بالنسبة للكثيرين من محبي الموسيقى في الثمانينات والتسعينات، كانت الهيب هوب، أول تعرض مثير لهم للثقافة المسلمة، ودين الإسلام. بعد الأيام الأولى من البريك دانس والبراجادوسيو، وجدت مساحة للعنصر الديني والروحي في هذه الموسيقى. امتد مدى مغنيي الراب المسلمين من ياسين باي (الفنان الذي كان معروفًا سابقًا باسم موس ديف) ذي الأسلوب المباشر وصولاً إلى تي بين، صاحب المعاني السطحية بعيدة الاحتمال، وضم نجومًا مثل ناز، وأندري 3000، ولوبي فياسكو، وآيس كيوب، وبستا رايمز.

عادة ما كان يتم التعبير عن المعتقدات الإسلامية من خلال مجموعات هامشية، مثل أمة الإسلام، وفايف برسنت نيشن، وامتزجت اللغة التي كانوا يستخدمونها باللغة المستخدمة في أغاني الراب… التأثير المهم والعميق للموسيقى والثقافة طويل الأمد وواضح إلى درجة أنه لم يعد من الضروري الحديث عنه بصوتٍ عالٍ».

تدريجيًّا بدأ الإسلام يصبح مألوفًا أكثر في الحياة الأمريكية. وأصبح الإمامان الأمريكيان المتحولان للإسلام، سراج وهاج، ووارث الدين محمد، أول مسلمين يصليان أمام مجلس النواب، ومجلس الشيوخ، عامي 1991و 1992 على الترتيب.

أحداث 11 سبتمبر وتبعاتها الرهيبة على المسلمين 

كانت الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 سبتمبر (أيلول) 2001، لحظة فاصلة في تاريخ الإسلام في أمريكا. كانت هذه الهجمات، التي نفذها متطرفون باسم الإسلام، أكبر هجمة على الأراضي الأمريكية منذ الهجوم على بيرل هاربور عام 1941. غيرت هذه الهجمات طبيعة علاقات المسلمين في الولايات المتحدة، وفتحت جدلاً نادرًا ما يعترف به، لكنه ما زال جاريًا، حول قبول الأمريكيين المسلمين باعتبارهم مواطنين مساوين.

وعلى الرغم من أنَّ القادة الدينيين المسلمين، والمنظمات المسلمة في الولايات المتحدة، وفي كل العالم، أدانت الهجمات فور وقوعها، ونعتتها بأنها غير إسلامية، إلا أنَّ الكثير من الأمريكيين بدؤوا في الخوف وعدم الثقة، وحتى كراهية جيرانهم المسلمين. وأبلغ مكتب التحقيقات الفدرالية زيادة قدرها 1600% في جرائم الكراهية ضد المسلمين في 2001.

من جانبهم، حاول المسلمون الأمريكيين طمأنة مواطنيهم الأمريكيين بأنهم لا يقلون عنهم سلمية، ووطنية. كتب كورتيس:

«رفعت المساجد والمراكز الإسلامية، في كل أنحاء البلاد، الأعلام الأمريكية، وفتحت أبوابها لغير المسلمين. سعى المسلمون لتعليم جيرانهم من غير المسلمين عن الإسلام، وطمأنة الرأي العام حول ولائهم للولايات المتحدة، وحبهم للحلم الأمريكي. وزار الكثير من الأمريكيين مسجدًا للمرة الأولى، عادة لحضور جلسات تعليمية عن الإسلام، شرح لهم فيها القادة المسلمون أنَّ الإسلام دين سلمي لا يقر الإرهاب».

وقال كورتيس إنَّ الشابات المسلمات الوطنيات انضممن إلى فرق كشافة الفتيات المسلمات، وحزن على أوسمة الاستحقاق عن إجابتهن «أسئلة حول الممارسات الإسلامية، وتعليم غير مسلم عن دينهن، وتعلم الصلوات الإسلامية». وأيضًا، باعت الفتيات البسكويت، وارتدين الأزياء الموحدة ذات اللون البني والأخضر، بإضافة حجاب لهذه الأزياء أحيانًا.

نتج عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وما تلاها من حروب في العراق وأفغانستان، زيادة الاهتمام الأمريكي بالإسلام، والشرق الأوسط، بما في ذلك الأوساط الأكاديمية والحكومية، فتعرف الملايين من الأمريكيين على الدين الإسلامي، والشعوب، والتقاليد الإسلامية، والأراضي التاريخية للإسلام، من خلال البرامج الدراسية الجامعية، والتغطيات الإخبارية الخاصة، والوثائقيات، والكتب الكثيرة التي كتبت حول هذا الموضوع.

لسوء الحظ، فتحت هذه الشهية المتزايدة للتعرف إلى الإسلام، الباب لصعود «صناعة الإسلاموفوبيا»، كما تسمى أحيانًا. فنشر أشخاص من أصحاب الأجندات المعادية للمسلمين كتبًا، ومجلات شبه أكاديمية، ومقالات، وأنشؤوا مواقع، ومدونات، ومؤسسات «بحثية» غير ربحية، وظهروا على القنوات الإخبارية لنشر «حقيقة» الإسلام، الذي عرضوه على أنه دين عنيف، وشرير، وغير أمريكي. وعلى الرغم من ادعاء أولئك الأشخاص أنهم «خبراء» في الإسلام، إلا أنهم عادة ما كانوا يقدمون صورة شديدة التحيز، ومعلومات غير دقيقة إلى الجمهور، الذي عادة ما ساقه هذا العرض إلى التعصب الصريح، ونظريات المؤامرة.

الكثير من الأمريكيين عرضة لتصديق أسوأ النظريات حول الإسلام، وقبول الرؤى الكارهة والعنيفة التي يعرضها أدعياء الخبرة بالإسلام أولئك، وذلك لأنًّ 62% منهم لا يعرفون شخصًا مسلمًا بشكل شخصي، وذلك بحسب استطلاع رأي أجراه مركز بيو عام 2014. تجذر هذا الفهم المشوه للإسلام في جيوب كثيرة في المجتمع الأمريكي، ما ساعد على وضع الأساس لمناخ الخوف والكراهية للمسلمين الذي نراه يوميًّا.

الجدل المستمر وأزمة الهوية بين الأمريكيين المسلمين

المسلمون الأمريكيون مجموعة متنوعة، ولم يكن نضالهم لتحديد هوياتهم ومكانهم في المجتمع الأمريكي مقتصرًا على رفض الإرهاب، والعنف، والحصول على قبول غير المسلمين لهم. المحادثات نفسها حول الهوية، والجنسانية، والقيم، والاندماج التي كانت بقية المجتمع الأمريكي مشغولة بها لعقود من الزمان، كانت تحدث أيضًا داخل مجتمعات المسلمين الأمريكيين.

تطورت ثقافات فرعية مسلمة جديدة، خصوصًا في أواسط فترة الألفينات، جزئيًّا، بسبب الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي التي مكنت أصحاب الاهتمامات المشتركة من التواصل بسهولة أكثر بكثير من أي وقت مضى. كتب زين عبد الله:

«أنشأت مجموعات مثل اتحاد المسلمين التقدميين، الذي عمل من 2004 حتى 2006، ومسلمون من أجل القيم التقدمية، حضورًا لها على الإنترنت. وأصبح مجتمع المسلمين المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسيًّا، أكثر حضورًا، وأضاف صوتًا للنقاش الدائر حول الأصالة الإسلامية. تحدى أعضاء هذه المجموعات الميل إلى تحديد الحياة الأسرية المسلمة، وحصرها في إطار الغيرية الجنسية. وأنشئت مؤسسة الفاتحة عام 1998 في نيويورك، استجابة لحاجات المسلمين المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسيًّا».

كتب مايكل محمد نايت، وهو أمريكي أبيض تحول إلى الإسلام وهو بعمر الـ16 بعد أن قرأ السيرة الذاتية لمالكوم إكس، وأمضى شهرين يدرس الإسلام في مسجد فيصل بإسلام آباد، في باكستان ــ قصة خيالية بعنوان «ذا تقوى كورز». وربما كانت الدعاية المبالغ فيها لموقع أمازون تشتمل على أفضل، وأقصر شرح للكتاب، الذي يسجل ملمحًا واحدًا من ملامح البحث عن الهوية بين مجتمعات مسلمي أمريكا:

«بيت للمسلمين المتمردين (بانك) في بافالو بنيويورك، يسكنه فتيات متمردات يرتدين البرقع، وصوفيون يحلقون شعورهم بطريقة الموهوك، وسنة مستقيمون، وشيعة حليقو الرؤوس، ومتزلجون إندونيسيون، وفتية سودانيون وقحون، ومسلمون مثليون، ومسلمون سكارى، ونسويات.

تستضيف غرفة معيشتهم حفلات وصلوات، وتوجد حفرة في الحائط للإشارة إلى اتجاه القبلة. حياتهم مع بعضهم يختلط فيها الجنس، والمخدرات، والدين بكميات شبه متساوية، يعبر عنها بالتفاني للثقافة الفرعية الإسلامية المتمردة (بانك).

أصبح هذا الكتاب، الذي بدأ بجهود ذاتية، وانتشر في البداية عبر النسخ المصورة المنقولة باليد، مانيفستو للمسلمين الـ(بانك)، وبمثابة إنجيل الشباب المتمردين».

عندما كتب نايت كتابه، لم يكن هناك شيء يدعى «تقوي كورز». اختلق نايت هذه الكلمة. لكن لدهشته، اتضح أنَّ الكتاب، والفيلم الذي استند إليه، عبرا عن آلاف الشباب المسلمين في أمريكا وخارجها، ورأى أولئك الشباب أنفسهم وإسلامهم منعكسين في الحيوات الخيالية لشخصيات نايت. لقد أصبحت تقوى كورز شيئًا حقيقيًّا.

أنتج بعض المخرجين، عام 2009، فيلمًا وثائقيًّا عن هذه الظاهرة، سموه: Taqwacore: The birth of Punk Islam واختير الفيلم رسميًّا في مهرجاني صن دانس، وSXSW للأفلام عام 2010.

الأمريكيون المسلمون اليوم

في عام 2007، أدى كيث إليسون، أول مسلم منتخب في الكونغرس، اليمين الدستورية، مستخدمًا نسخة توماس جيفرسون من القرآن. لكنَّ هذه العلامة الإيجابية لإدماج الأمريكيين المسلمين في قلب النظام السياسي الأمريكي قوبلت ببعض الخوف والكراهية. يطالب العضو إليسون بشكل مستمر، من قبل زملاء ونقاد أن يثبت ولاءه لأمريكا. بهذه الطريقة، فإنَّ إنجازات إليسون، والمطالب غير العادلة، وغير المكافئة المفروضة عليه، يعدان أفضل تعبير عن المسلمين في أمريكا اليوم.

صرح عضو الكونجرس الجمهوري عن ولاية أيوا، سيتف كينج، في التاسع من شهر ديسمبر (كانون الأول)، في لقاء مع شبكة MSNBC قائلاً: «لن يمكنك أن تجعل كيث أليسون، أو أندري كارسون يدينان الشريعة في هذا الكونجرس، فضلاً عن أن نحضر شخصًا آخر جاء لتوه من الشرق الأوسط، وهو شخص غارق في الإسلام طول حياته، لكي يفعل الشيء ذاته».

كارسون (الديمقراطي عن إنديانا) هو ثاني أمريكي مسلم ينتخب في الكونجرس. تضمينات كلام كينج واضحة: كلا هذين العضوين يعتبران مشكوكًا فيهمها، ومن المحتمل جدًّا أن يكونا خائنين لأمريكا بسبب دينهما، وينبغي أن يثبتا هذا الولاء بالإدانة الحازمة «للشريعة».

لا يجمع تعداد الولايات المتحدة بيانات حول الانتماء الديني، لذا فليس ثمة أية إحصائيات رسمية حول عدد المسلمين في الولايات المتحدة. لكن قدر مسح لمركز بيو للأبحاث، عام 2011، أجري بالإنجليزية والعربية والفارسية والأوردية، أنَّ هناك 1.8 مليون مسلم بالغ (و2.7 مليون مسلم من كل الأعمار) في الولايات المتحدة. بينما يضع مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير)، وهي منظمة حقوقية مقرها واشنطن، تقديرًا أعلى بكثير لعدد المسلمين الأمريكيين يتراوح بين 6 إلى7 ملايين مسلم.

بغض النظر عن الرقم الحقيقي، فإنَّ جدلنا السياسي يضع المسلمين الأمريكيين في القلب من أكثر المواضيع إثارة للجدل حاليًا: السياسة الخارجية الأمريكية، والأمن القومي، والإرهاب، والاندماج، والحرية الدينية، والهوية الأمريكية. أدى صعود داعش إلى طفرة في الحركة الجهادية العالمية، وازداد تهديد الإرهاب الجهادي في الداخل، وكذلك ازدادت الإسلاموفوبيا بالقدر ذاته.

صار على المسلمات الأمريكيات اللاتي يرتدين الحجاب لأسباب متعلقة بالحشمة والهوية الدينية، أن يقررن الآن ما إذا كن يردن الاستمرار في هذه الممارسة، ومن ثم يخاطرن بالتعرض للازدراء، وربما حتى العنف من قبل الناس الذين يربطون بين الإسلام والإرهاب. تتعرض المساجد للتخريب، والأبرياء للأذى، وقد دعا الرئيس الحالي علانية، ودون خجل، إلى فرض وقف كلي، وإن كان مؤقتًا، على دخول المسلمين الولايات المتحدة.

على الرغم من التاريخ الطويل والغني للمسلمين باعتبارهم جزءًا لا يتجزأ من المجتمع الأمريكي، والذي يعود إلى الأيام الأولى من تأسيس أمتنا، إلا أنَّ الكثير من المسلمين الأمريكيين، في 2017، ما زالوا يعاملون على أنهم أجانب غير مرغوب فيهم. هذا ليس شعورًا سائدًا بالطبع، لكنه ليس بالاعتقاد الهامشي الهين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد