كما نرى، ما يحدث الآن في الشرق الأوسط يمنح الفرصة التي لم تسنح للإسرائيليين منذ فترة بعيدة للجلوس والسماح لأشد أعدائهم لقتل بعضهم البعض. يرى كبار المسؤولين الإسرائيليين الآن حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، التنظيم «الإرهابي» الذي أطلق آلاف الصواريخ على إسرائيل الصيف الماضي، كتيار مناهض لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في قطاع غزة.

كان هذا هو جوهر المقالة التي كتبها إفرايم هاليفي، المدير السابق لوكالة المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، في صحيفة يديعوت أحرونوت في التاسع عشر من شهر يونيو الماضي. تشير التقارير إلى أن إسرائيل لا تزال تدرس عقد هدنة مع حماس، حيث أن التنظيم حينها سيكرس طاقاته لهزيمة داعش.

صحيح، فمن المرجح أن كلًا من أعداء إسرائيل سينزفان الدماء بشدة. وربما يكون ذلك إيجابيًا. كانت هذه هي الحسابات الغربية خلال الحرب بين إيران والعراق (1980-1988). كما ذكر هنري كيسنجر ساخرًا: «من المؤسف أن كليهما لا يمكن أن يخسر» ولكن عندما سكتت المدافع، لم يهزم أي من البلدين. وبرزت كلتا الدولتين كجهات ملتزمة قادرة على زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط وتهديد المصالح الأمريكية.

كانت الاستراتيجية محفوفة بالمخاطر، وهي محفوفة أيضًا بالمخاطر الآن. وحتى مع ذلك، فهي تعود أدراجها من جديد. مجموعة متزايدة من الحكومات الغربية تبدو الآن في طريقها نحو تغيير تقييماتها بشأن جماعات العنف في محاولة واضحة لتجنيدها في القتال ضد تنظيم الدولة.

تأثير داعش

بات تأثير داعش واضحًا للعيان على الحدود الشمالية لإسرائيل أيضًا. كما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، امتنعت إسرائيل عن محاربة تنظيم جبهة النصرة، التابع لتنظيم القاعدة في سوريا، الذي كان يتمركز على حدودها منذ العام الماضي، في المقام الأول لأنه كان يقاتل نظام الأسد وداعش.

وكانت وول ستريت ذكرت أن بعض مقاتلي جبهة النصرة ممن أصيبوا بجروح خطيرة جرى نقلهم بانتظام عبر السياج الحدودي لتلقي العلاج في المستشفيات الإسرائيلية. ثمة شكوك في أن إسرائيل كانت تساعد مقاتلي النصرة في الحصول على العناية الطبية، وهو ما دفع الطائفة الدرزية في إسرائيل مؤخرًا لمهاجمة سيارة إسعاف كانت تنقل الجرحى من مقاتلي النصرة.

ولكن إسرائيل ليست وحدها. هناك نداءات أمريكية متصاعدة تؤكد على أن جبهة النصرة هي الأجدر بالدعم الغربي لأنها تشارك أيضًا في مواجهة داعش. ريان كروكر، السفير الأمريكي السابق في العراق وسوريا، يذهب إلى أبعد من ذلك. كروكر اقترح أن الفصيل الجهادي الانتحاري يمكن أن يكون حليفًا مفيدًا، مشيرًا إلى أنه يعمل بالفعل مع جماعات تدعمها الولايات المتحدة في سوريا، على الرغم من أن التنظيم كان قد تم تصنيفه كجماعة إرهابية من قبل الولايات المتحدة.

من جانبه، يرى تشارلز ليستر من معهد بروكينجز أن تنظيم النصرة يبني نهجًا براغماتيًا. فالتنظيم منذ وقت ليس ببعيد كان شريكًا كاملًا لداعش. المنطق هنا هو ليس فقط في أن التنظيم يسعى لتجنب داعش، وإنما يسعى أيضًا لـ «فك الارتباط عن تنظيم القاعدة».

أبو محمد الجولاني، زعيم التنظيم، تعهَّد الشهر الماضي بأن جبهة النصرة لن تشن هجمات ضد الغرب. منح الجولاني حديثه لقناة الجزيرة، شبكة التلفزيون التي تملكها قطر، راعي التنظيم، والتي تمتلك ثروة نفطية لا حدود لها، وتشارك بنشاط في الجهود الرامية إلى فصل جبهة النصرة عن تنظيم القاعدة.

حركة طالبان، آخر التنظيمات الإسلامية المسلحة التي تتمتع بدعم من قطر، تتبنى ذات النهج الذي تتبناه جبهة النصرة. فقد اشتبك التنظيم مؤخرًا مع داعش، وقد يكون الأمر مجرد مسألة وقت قبل أن تنظر الحكومات الغربية، التي التزمت بالفعل بمغادرة أفغانستان بعد سنوات من محاربة طالبان، إلى المضيفين السابقين لتنظيم القاعدة في التسعينات على أنهم فصيل أكثر اعتدالًا.

تأثير داعش أيضًا قد يغير قريبًا التقييم الغربي لتحالف فجر ليبيا، الميليشيات الإسلامية التي تنخرط في حرب أهلية وحشية ضد الحكومة الليبية المعترف بها دوليًا. تجد هذه الفصائل العنيفة، بعد زعزعة استقرار ليبيا، نفسها الآن تخوض معركة مع داعش. وكما قال الكاتب توماس جوسكلين بسخرية، فإن التنظيمات التابعة لتنظيم القاعدة في ليبيا تبدو وكأنها «الأخيار» لأنها تحارب تنظيم الدولة.

مما لا شك فيه، فإن تأثير داعش هو الأقوى بين أولئك الذين يعتقدون أن إيران هي الدولة الرائدة الراعية للإرهاب في العالم العربي، على نحو ما يبدو الجواب هو تنظيم الدولة وليس إيران. مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي السابق، خافيير سولانا، أشاد مؤخرًا باستعداد إيران لمحاربة التنظيم الإرهابي. وبالمثل، حث وزير الخارجية الأسترالي، جولي بيشوب، اجتماع الأمم المتحدة في باريس الشهر الماضي ليشمل إيران ضمن المحادثات التي تتعلق بالحملة ضد داعش.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد