بعد انتقال محمد صلاح إلى ليفربول الموسم الماضي، وتقديمه موسمًا تاريخيًا كسر فيه العديد من الأرقام القياسية، جعله يصل إلى مرتبة ثالث أفضل لاعبي العالم، صار سؤال «هل سينتقل صلاح إلى برشلونة أو ريال مدريد؟» سؤال نسمعه يوميًا، بعد أن كان منذ وقتٍ ليس ببعيد يُعدُّ ضربًا من الخيال.

وقد كتب بارني روناي، الكاتب الرياضي الإنجليزي الذي يتميز بأسلوبه الساخر، مقالًا في صحيفة «الجارديان» يناقش فيه ذلك الموضوع، الذي صار يشغل متابعي كرة القدم ومحلِّليها، ليس في مصر أو إنجلترا فقط، بل وفي العالم كله.

يتساءل روناي في مقاله عما إذا كانت الكرة الإنجليزية على وشك أن تفقد محمد صلاح لصالح ريال مدريد أو برشلونة، لأنَّه صار الآن أفضل من أن يبقى في إنجلترا. ويشير في هذا السياق إلى إجابة لاعبٍ مِصري آخر عن هذا السؤال، ألا وهو ميدو.

مترجم: «إذا سجل المزيد سأصبح مسلمًا».. كيف جعل محمد صلاح الإنجليز أقل تعصبًا؟

إذ يقول روناي: «يظن ميدو أنَّ الإجابة نعم. أجل، ميدو الذي تعرفونه، والذي اعتذر ذات يوم لجماهير نادي ميدلزبره عن كونه سمينًا أكثر مما ينبغي. ميدو، الذي تبيَّن أنه خبير كروي بارع جدًا هذه الأيام، والذي أثار نقطةً مشوقة هذا الأسبوع عن مسار صلاح في موسمه الثاني من التفوق التام في الدوري الإنجليزي الممتاز».

وبينما قد يشكك الكثير من مشجعي نادي ليفربول في مدى كفاءة ميدو ليتحدث عن تلك الشؤون الأكثر أهمية، يوضح روناي أنَّ هناك ارتباطًا لا ينفصم بين فُرص لاعبي كرة القدم المعتزلين في العمل بمجال التحليل الرياضي وبين سماتٍ متعددة تتعلق بخلفياتهم.

يسترسل روناي في الحديث عن سوق التحليل الكروي، ويقول: «على مدار عقدين من الزمان، سيطر على تلك السوق لاعبو ليفربول شاحبو الوجه، ذوو اللكنة الاسكتلندية، الذين لعبوا في الفترة ما بين منتصف ثمانينيات القرن الماضي ونهايتها، وهي ثقافة يحافظ عليها حتى اليوم جرايم سونيس الذي يُعلِّق باستمرار، وبرعب يخطف الأنفاس، على مدى تدهور الحياة العصرية، بينما يظل باديًا عليه الاقتناع بأنَّ كل الحاضرين يضحكون في سرِّهم على شكل حذائه حين يظهر على شاشات التلفاز».

ويضيف الكاتب أنَّه في لعبة السلم والثعبان هذه، يجد لاعبو كرة القدم المعتزلون الذين كان الجميع ليغفلوا عنهم فرصةً ثانية للمشاركة في عالم كرة القدم، إذ يُقدَّم أحدهم بصفته «لاعبًا سابقًا في مانشستر سيتي»، أو «لاعبًا قضى 6 مواسم في تشيلسي»، على الرغم من أنَّ تشيلسي وقتها لم يكن جيدًا جدًا مثلًا. ويدلل على ذلك بأنَّ أي لاعب شارك تحت قيادة آرسين فينجر أو أليكس فيرجسون ما زال يُعدُّ خبيرًا ذا صوتٍ مهم وضروري.

لكنَّ روناي يوضح أنَّه لا يرى هذا أمرًا سيئًا. فقد لا توجد أسباب واضحة تجعل اللاعب السابق مارتن كيون مثلًا شخصية عامة شهيرة، لكنَّه مع ذلك صار ذا حضورٍ قوي على نحو مقبول، إذ يعبِّر عن آرائه بصوتٍ هامس غاضب، مثل كاشف الفساد في فيلم دراما جاسوسية أصيل ذي نبرة جادة، حسب تعبير روناي.

ثم يعود الكاتب إلى الحديث عن صلاح وميدو، ويقول: «لقد صار ميدو بارزًا في دائرة الآراء الكروية في السنة الماضية؛ إذ تجده في الراديو، وتجده يعطي رأيه بشأن الانتقالات. لفترةٍ بدا هذا شيئًا غريبًا، يجعلك تتساءل عن رأي ياكوبو في هذا الأمر، أو كورادو جرابي».

لكنَّه يوضح أنَّ ميدو يستغل شعبية صلاح، مستخدمًا مكانته بصفته اللاعب المصري الذي نعرفه في بريطانيا أكثر من غيره. ويرى أنَّه محلل جيد أيضًا، لا يخشى أن يقول رأيه ببساطة. فمنذ فترة، سمع ميدو يتحدث عن كيف يقدِّم لاعبو الكرة جزءًا من شخصيتهم في الملعب، وأنَّ اللاعب لا يمكنه أن يقدِّم أفضل مستوياته إلا حين يسمح لجزءٍ حيوي ومشجِّع من شخصيته بأن يكون حاضرًا وواضحًا في لعبه، ويذكر أنَّه قال لنفسه وقتها: «نعم، نقطة ممتازة يا ميدو».

وهي نقطة طُرِحَت مجددًا هذا الأسبوع، إذ اقترح ميدو أنَّ انتقال صلاح إلى إسبانيا صار الآن شبه محتوم، وأنَّ نجاحه المستمر سيصير «مشكلةً» لليفربول، إذ يسعى عملاقا الكرة الإسبانية إلى ملء الفراغ الحالي في صفوفهما من النجوم (في حالة ريال مدريد)، أو الوشيك (في حالة برشلونة).

وهو يرى أنَّ ميدو محق أيضًا في ذلك. فصلاح هو المرشح البديهي للعب دورٍ كهذا، مانعًا انتقال نيمار مرة أخرى، وهي صفقة ستتطلب هذه المرَّة رَهن القمر ومنح نيمار قبعةً ذهبية صنعتها حوريات بحر خياليات يشبهن الملائكة حسب تعبير الكاتب.

ثم ينتقل روناي إلى الحديث عن أنَّ هذا قد صار النمط السائد في السنوات العشر الأخيرة، ويقول: «أي مهاجم في الدوري الإنجليزي يتمكن من الحفاظ على مستوى عالمي في مواسم متتالية يصير هدفًا. وعلى الرغم من أنَّ صلاح كان صامتًا نسبيًا في الهزيمة التي تلقاها ليفربول على يد مانشستر سيتي ليلة الخميس الماضي، فقد حافظ على مستوى ممتاز، بعدما تخلص من ركوده في بداية الموسم ليصير أفضل: أكثر مركزية، وأكثر إبداعًا، مع الحفاظ على غزارته التهديفية».

لكنَّه يرى أنَّ انتقاله سيكون فكرةً فظيعة، لأكثر من سبب. وأكثر هذه الأسباب وضوحًا وفقًا له هو ما إذا كان صلاح اللاعب المناسب لأمرٍ كذلك، فهو ليس ماكينة لتسجيل الأهداف من طينة ميسي ورونالدو، اللذين حافظا على مستوًى غير بشري في السنوات العشر الأخيرة.

يعتقد روناي أنَّ صلاح مجرد بشر، يتألق أحيانًا ويخفق أحيانًا، وهو ما يجعلنا نحبه أكثر. وهو لم يسجل أي أهداف في الفرق الكبرى بالدوري الإنجليزي منذ شهر أبريل (نيسان). ويرى أنَّه ذو موهبة مرهفة وليست آلية، ويلعب في نادٍ يرعى موهبته ويغذيها بالطريقة المناسبة تمامًا.

ويتساءل: «لِمَ قد يرغب صلاح في تغيير هذا؟ لِمَ تُعرِّض نفسك إلى ذلك الفراغ النجمي المحال ملؤه؟ لم تخاطر بأن تصير محاولةً فاشلة لتعويض ميسي، مثل محاولة ديفيد مويس الفاشلة لتعويض أليكس فيرجسون؟ قد يكون صلاح جيدًا وعنيدًا بما يكفي لفعل هذا، وقد لا يكون. لكن الحقيقة هي أنَّ نظام «الجالاكتيكوس» (مجرة النجوم أو العمالقة) القديم يبدو الآن معطلًا ومنهكًا قليلًا، وهذا مثال آخر على الفكرة التي لا يشكك فيها أحد، وهي أنَّ «التطور» و«الطموح» (الرغبة في أن نملك أكثر، ونصير أكبر وأغنى) دائمًا ما يكونان مناسبين، حتى ولو كان ما نملكه بالفعل كافيًا تمامًا».

يرى روناي أنَّه يمكن للعالم أن يسير على نحوٍ آخر، كما هو الحال مع ليفربول، الذي لا تُعدُّ سمته الأساسية التعطش للفوز مهما كلَّف الأمر، بل العاطفة والروح، وذلك الشعور النادر بالجماعية والأخوَّة.

وهذا الأمر متعلق جزئيًا بأفكار يورجن كلوب عن الرعاية والتحسين المستمر. ولا يخفى على أحد أنَّ صلاح قد استفاد من تلك اللمسة البشرية، إلى درجة أنَّ فكرة أنَّه يجب أن يرحل الآن صارت لا تبدو غريبة فحسب، بل وغير منطقية.

ويختتم روناي المقال بقوله: «لا شك في أنَّ ميدو لديه رؤيته الخاصة بشأن كيفية سير الأمور في الواقع الصلب والقاسي، لكنَّ هذا لا يعني أنَّ تلك الآلة لا يمكن مقاومتها. ولا يعني أيضًا أنَّ النجاح سيتبع تلقائيًا لاعبًا يبدو أنَّه في مكانٍ منطقي تمامًا، ويؤدي دوره وفقًا لحدوده، وهو فوق كل شيء يشعر بالسعادة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!