قال طارق بيكوني، محلل النزاعات في مجموعة الأزمات الدولية، في مقال له بمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية: إن خطة ترامب للسلام قضت على أي أمل في التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض. وبدلًا عن أن يلجأ القادة الفلسطينيون إلى الخطاب البلاغي الأجوف عليهم أن يبحثوا لشعبهم عن نهج جديد لحل قضيتهم المصيرية حتى لو تطلب ذلك حل السلطة الفلسطينية.

الفلسطينيون «لا يفوتون فرصة لتضييع فرصة»

أصبحت العبارة التهكمية: «الفلسطينيون لا يفوتون فرصة لتضييع فرصة»، التي ألقاها السياسي والدبلوماسي الإسرائيلي أبا إيبان لأول مرة قبل حوالي 50 عامًا مضت، بمثابة تعبير بلاغي يصور الشعب الفلسطيني على نحو جماعي باعتباره مجموعة من الرافضين غير الراغبين في تقديم تنازلات أو التوصل لتسويات من أجل تحقيق السلام.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 8 شهور
الدين يلعب الدور الأخطر.. لماذا تدافع أمريكا عن مصالح إسرائيل دائمًا؟

ويضيف الكاتب أنه في 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» الأمريكية، صرح جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط، أن الفلسطينيين «لديهم سجل حافل في تضييع كل فرصة اُتيحت لهم في الماضي. ولكن ربما تقرأ قيادتهم تفاصيل (خطة ترامب)، وتتوقف عن الاستعراض، وتبذل قصارى جهدها لتحسين حياة الفلسطينيين.»

قد يستجيب بعض الفلسطينيين لنصيحة كوشنر، ويولونها اهتمامهم، وإن لم يكن بالطريقة التي يأمل بها صهر الرئيس الأمريكي. وخطة ترامب، التي تحمل عنوان «السلام من أجل الرخاء: رؤية لتحسين حياة الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي»، تتيح للقيادة الفلسطينية بالفعل فرصة للتوقف عن الاستعراض والبدء في طرح الأسئلة الصعبة والإجابة عليها، على حد وصف الكاتب. 

هل يجب على القيادة الفلسطينية أن تتخلى عن اتفاقيات أوسلو بعد أن تجاهلتها صراحة الإدارة الأمريكية الحالية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة؟ 

يقول الكاتب: إذا كانت الإدارة الأمريكية الحالية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة قد تجاهلت صراحةً اتفاقيات أوسلو، فالتساؤل الأكثر وضوحًا الآن هو: هل يجب على القيادة الفلسطينية أيضًا أن تتخلى عن هذا الاتفاق، بدلًا من المخاطرة بأن تصبح بمثابة الأداة التي تعين إسرائيل على ضم مزيد من الأراضي الفلسطينية.

يرى الكاتب أن العديد من الفلسطينيين سوف يجيبون بالإيجاب ويسارعون لشرح الأسباب قائلين: من نتائج اتفاقيات أوسلو أن منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي الوحيد المعترف به دوليًا للشعب الفلسطيني، قد انضمت إلى السلطة الفلسطينية، الأمر الذي اخضع بمنتهى الفعالية أجندة التحرير الخاصة بمنظمة التحرير الفلسطينية لمسؤوليات الحكم الخاصة بالسلطة الفلسطينية.

محمود عباس

نشأة السلطة الفلسطينية

يقدم الكاتب نبذة تاريخية عن السلطة الفلسطينية فيذكر أنها اُنشئت في عام 1994، بعد توقيع اتفاقات أوسلو، وكان من المتصور أن تكون السلطة الفلسطينية، على الأقل في نظر بعض الفلسطينيين، بمثابة دولتهم المنتظرة، على الرغم من أن اتفاقيات أوسلو لم تذكر أي شئ عن الدولة الفلسطينية.

وأنشأت أجندة السلطة الفلسطينية الخاصة ببناء الدولة مؤسسات عامة مترامية الأطراف وظفت أكثر من 150 ألف فلسطيني. وغيرت المباني الضخمة، مثل مبنى المقاطعة، صورة مدينة رام الله فحولت المدينة التي كانت ذات يوم هادئة إلى مركز حضري للضفة الغربية. واعتبارًا من عام 2013، أصبحت عبارة «دولة فلسطين» تزين جميع الشعارات الرسمية. وإلى جانب الممارسات الخاصة بأداء الدولة، حسنت الأجندة الاقتصادية الليبرالية الجديدة نوعية الحياة لفئة فرعية معينة من الفلسطينيين، حتى وإن أثقلتهم بديون الرهن العقاري وقروض السيارات.

والأهم من ذلك كله، أن السلطة الفلسطينية احتكرت استخدام الأسلحة في الضفة الغربية، وبموجب القانون الأساسي، أعلنت أن وظيفة قوات الأمن الفلسطينية ستكون «مقصورة على الدفاع عن البلاد، وخدمة الشعب». لكن في الوقت نفسه، دخلت السلطة الفلسطينية في اتفاقيات تنسيق أمني موسعة مع إسرائيل. وتأسست هذه الاتفاقيات على أساس فكرة مؤداها أنه إذا استطاعت السلطة الفلسطينية حماية أمن المدنيين الإسرائيليين وتحقيق الاستقرار في الأراضي الفلسطينية، فسوف تنسحب إسرائيل، بموجب حل الدولتين المتفق عليه، من الأراضي التي ستشكل جزءًا من الدولة الفلسطينية. 

خطة ترامب للسلام الواقعي

لكن «حل الدولتين الواقعي» الذي يقترحه الرئيس ترامب يقدم رؤية للدولة تنحرف بشكل كبير عن الفرضية السابقة. وقد انتقد الاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، خطة ترامب لخرقها قرارات الأمم المتحدة والمبادئ القانونية الدولية التي أيدت حل الدولتين. ومع ذلك، وكما هو الحال مع مبادرات سلام سابقة، ليس هناك ما يدل على إمكانية حشد إرادة سياسية كافية، محليًا أو دوليًا، لوقف التآكل البطيء للسيادة الفلسطينية المنصوص عليها في كل اقتراح سلام لاحق.

إن خطة ترامب، بالنسبة للعديد من الفلسطينيين، نُفذت بالفعل على أرض الواقع وما يجري هو مجرد إضفاء طابع رسمي عليها على الورق.

يقول الكاتب: «إن رد فعل الفلسطينيين على الخطة كان إما من خلال الشعور بالتوجس، وتصورها على أنها المخطط الذي سوف تتبعه الحكومات الإسرائيلية في المستقبل بشكل ضمني أو صريح، أو  الإذعان والاستسلام، باعتبار ذلك توصيفًا للواقع الحالي، فهي خطة نُفذت بالفعل على الأرض وما يجري هو مجرد إضفاء الطابع الرسمي على الورق».

عباس لترامب

يقول الكاتب: «إن الخطة المقدمة والمصحوبة بخريطة لمناطق مبعثرة، ما يجعلها أشبه بقطعة الجبن السويسري المليئة بالثقوب، يكشف كيف تتخيل الحكومتان الأمريكية والإسرائيلية الحاليتان قيام دولة فلسطينية، وكما أشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس للخطة في الأمم المتحدة، سوف تتعرض السلطة الفلسطينية لضغوط شديدة لإظهار كيف أدت أجندة بناء الدولة التي تبناها في الـ26 عامًا الماضية، ووضعت الأساس لدولة يرغب فيها الفلسطينيون إلى عكس ذلك من خلال إنشاء مجموعة من الكانتونات التي لا تتمتع بأي تواصل جغرافي أو أي سيادة».

وبدلًا عن الاعتقاد بأن السلطة الفلسطينية أصبحت بمثابة واجهة للدولة، يرى الكثير من الفلسطينيين أنها أصبحت مجرد امتداد للاحتلال الإسرائيلي، وكأنها أشبه بالحاكم العام الإنجليزي للهند؛ تلك السلطة الحاكمة التي تتولى مهمة تهدئة السكان الأصليين للبلاد نيابة عن الأنظمة الاستعمارية.

ويكمن التنسيق الأمني ​​في قلب هذا الظلم نظرًا لأنه يستهلك مبلغ هائل من الإنفاق العام للسلطة الفلسطينية، فقد اعتبر عباس التنسيق الأمني ​​مرارًا وتكرارًا أمرًا «مقدسًا»؛ لكن العديد من الفلسطينيين يرون أن التنسيق الأمني ​​يدعم كل من الاحتلال وحكم السلطة الفلسطينية الذي لا يحظى بشعبية، بدلًا عن حمايتهم أو تمهيد الطريق للانسحاب الإسرائيلي.

حقيقة ما تفعله السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية

وهناك اعتقاد شائع في رام الله بأنه عندما تتوغل شرطة السلطة الفلسطينية في مخابئهم، يكون ذلك بسبب أنه نما لعلم أحدهم أن الجيش الإسرائيلي على وشك المجيء إلى المدن الفلسطينية. وتستخدم السلطة الفلسطينية التنسيق الأمني ​​لتعهد لوكلاء الأمن الإسرائيليين مهمة تنفيذ إجراءاتها (تكتيكاتها) القمعية أو قمع المعارضين لحكمها، سواء من حماس أو الناشطين المحليين.

ويشير الكاتب إلى تقرير صادر عن منظمة مراقبة حقوق الإنسان «هيومن رايتس ووتش» نشر في عام 2018 وتتضمن شرحًا مفصلًا عن كيف تعتمد السلطة الفلسطينية على أساليب التعذيب والسجن الموسعة في الضفة الغربية. ويذكر الكاتب في هذا الصدد محادثة فعلية جرت مع شاب فلسطيني في مخيم للاجئين في الضفة الغربية، أوضح خلالها وهو يتصبب عرقًا وعلى ما يبدو كان غير قادر على السيطرة على أعصابه، أنه لو خير في أي وقت فسوف يختار سجنًا إسرائيليًا على أي سجن فلسطيني، نظرًا لوحشية التعذيب الذي يجري على أيدي ضباط الأمن الفلسطينيين.

وفي حين أن توفير فرص العمل والأمن العام جرى الترويج لها كمتطلبات مسبقة لإقامة الدولة، إلا أنه يُنظر إليها على نحو متزايد الآن على أنها قيود لاستقرار ودعم النظام العسكري الإسرائيلي، والحفاظ على السلطة الفلسطينية ككيان شبيه بالدولة البوليسية الفاسدة.

ووفقًا للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، ليس من المفاجئ إذًا إن 84٪ من الفلسطينيين يفضلون سحب الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل، و77٪ يدعون إلى إنهاء التنسيق الأمني ​​مع إسرائيل، و69٪ يدعون إلى إنهاء تنفيذ اتفاقيات أوسلو.

من الواضح إذًا أن العديد من الفلسطينيين يعتبرون تفكيك السلطة الفلسطينية شرطًا مسبقًا للفلسطينيين لضمان حريتهم وحقوقهم، سواء في دولة واحدة أو دولتين. أما أولئك الذين يواصلون النظر إلى السلطة الفلسطينية كدولة قيد النشأة، ومن بينهم العديد من قادة منظمة التحرير الفلسطينية، فيرفضون هذا الرأي، ويقولون: إن السلطة الفلسطينية ومؤسسات الدولة التي بنتها يجب إصلاحها لمقاومة الاحتلال بدلًا عن الاستمرار في العمل داخله.

ويتشكل منطقهم، من بين أمور أخرى، من خلال الخوف من الفراغ الذي قد يخلفه توقف السلطة الفلسطينية، من حيث ارتفاع معدلات البطالة وعجز الخدمات العامة وتعطلها، بما في ذلك المدارس والمستشفيات.

Embed from Getty Images

الفلسطينيون لا يثقون في السلطة

هذه بالطبع ليست شواغل تافهة، ويجب أن يأتي أي من دعاة تفكيك السلطة الفلسطينية بإجابات مناسبة لها. في الوقت نفسه يبدو من غير الواقعي افتراض أن السلطة الفلسطينية يمكنها إصلاح نفسها لمقاومة تزايد الاستيطان الإسرائيلي وضم الضفة الغربية أو لاستعادة السيادة. لقد صُممت هياكل السلطة الفلسطينية ذاتها وتطورت لتحقيق الاستقرار، وليس لتعطيل الحياة الفلسطينية في ظل الاحتلال، ومن ثم فقدرتها على الحكم مبنية وقائمة بالتحديد على قبولها للقيود الإسرائيلية.

وفي الأشهر الأخيرة – على سبيل المثال – حاول رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية استعادة السيادة من خلال الحد من الاعتماد الاقتصادي على إسرائيل والبحث عن شركاء تجاريين آخرين، مثل الأردن ومصر. وفي الآونة الأخيرة، قيد اشتية استيراد الماشية من إسرائيل إلى الضفة الغربية. لقد أثبتت هذه السياسات قوتها: فحشد أصحاب مزارع الماشية الإسرائيليين جهودهم ضد حكومتهم، مطالبين بالانتقام (من السلطة الفلسطينية).

ومع ذلك وردًا على تلك الإجراءات الفلسطينية أوضح وزير الدفاع الإسرائيلي نفتالي بينيت أن السلطة الفلسطينية تفتقر إلى أي حكم ذاتي اقتصادي، وتمنع وصول الصادرات الزراعية الفلسطينية إلى إسرائيل أو أي مكان آخر؛ مما يؤدي فعليًا إلى فرض حصار اقتصادي على الضفة الغربية.

ويرى الكاتب أن هذه السياسات من جانب السلطة الفلسطينية، وهي غالبًا عبارة عن ردود فعل وإجراءات ارتجالية، من غير المرجح أن تسفر عن نتائج جوهرية. فالمسار الذي اتبعه اشتية، على الرغم من حسن النية الذي يتسم به، نُفذ على عجل، دون توفر البنية التحتية اللازمة التي من شأنها أن تسمح بنجاحه. وكانت الأعمال الانتقامية الإسرائيلية ضده متوقعة. 

ويذكر كاتب المقال أن خبيرًا اقتصاديًا فلسطينيًا طرح عليه، خلال مقابلة معه، هذا السؤال: ما هي التدابير التي اتخذتها السلطة الفلسطينية لحماية المزارعين الفلسطينيين من رد الفعل الإسرائيلي العكسي؟ تقدم الانتفاضة الأولى، عندما رفض الفلسطينيون التعاون مع الاحتلال، دروسًا مفيدة في هذا الشأن، من بينها تحولها نحو الاقتصادات المحلية، سواء في الزراعة أو التصنيع؛ الأمر الذي خفف من حدة التعرض للتدابير العقابية الإسرائيلية.

يتفق معظم الفلسطينيين على أن السلطة الفلسطينية في صيغتها الحالية لا تفضي إلى ضمان حقوق الفلسطينيين

ويضيف الكاتب أنه في ظل خطة ترامب، هناك فرصة مرة أخرى للقيادة الفلسطينية لتبني طريق بديل. وسواء كان الفلسطينيون يدعون إلى تفكيك السلطة الفلسطينية أو إصلاحها لتصبح هيئة يمكنها تحدي الاحتلال، يتفق معظم الفلسطينيين على أن السلطة الفلسطينية في صيغتها الحالية لا تفضي إلى ضمان حقوق الفلسطينيين. وكما أخبر الكاتب أحد كبار أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية مؤخرًا: «عباس الآن سلطة بلا سلطة، ويسمح باحتلال بدون ثمن (كلفة)».

Embed from Getty Images

خيارات السلطة الفلسطينية في مواجهة صفقة القرن

وحتى الآن ضاعف قادة السلطة الفلسطينية الإستراتيجيات القديمة ردًا على خطة ترامب المؤيدة لضم الأراضي الفلسطينية وردوا بطريقة عشوائية: دعا عباس إلى تعليق اتفاقيات أوسلو، ووقف التنسيق الأمني، وفك ارتباط السلطة الفلسطينية بالاحتلال. ومع ذلك لم يصحب هذه التصريحات أي مؤشر يدل على أنه تم النظر فيها بجدية، ناهيك عن تنفيذها. وأشارت استطلاعات الرأي إلى أن أكثر من 70٪ من الفلسطينيين لم يعودوا يصدقون مثل هذه الوعود.

ويخلص الكاتب إلى أن الجهود التي تبذلها منظمة التحرير الفلسطينية للترويج لمشاريع قرارت تعارض خطة ترامب لدى مجلس الأمن الدولي تعتبرها القيادة الفلسطينية وسيلة هامة لحشد المعارضة الدولية ضد ضم إسرائيل مستقبلًا للأراضي الفلسطينية وإعادة تأكيد الالتزامات الدولية بحل الدولتين.

ويعتقد القادة الفلسطينيون أن المجتمع الدولي يمكن أن يكون بمثابة حصن ضد الجهود الإسرائيلية الأمريكية الحالية الرامية لتقويض آفاق مستقبل الدولة الفلسطينية. لكن على الرغم من الضغط الدبلوماسي المكثف، لم يتمكن الفلسطينيون من حشد الدعم الذي اعتبروه ضروريًا في الأمم المتحدة. واعتُبر فشلهم مؤشرًا آخر على أن قواعد اللعبة قد تغيرت.

ولا يوجد حتى الآن أي مؤشر من القيادة الفلسطينية – بخلاف الخطب – على أنه يجري النظر في اتخاذ تدابير إضافية. لكن افتراض أن جهود الفلسطينيين الحالية كافية يعد خطأ، وكذلك الحال بالنسبة لتحديد الخط الأحمر في المستقبل. وبغض النظر عما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية تعتزم ضم الأراضي الفلسطينية قبل انتخابات 2 مارس (آذار) أو بعدها، وبأي سرعة، أو (لن تضمها) على الإطلاق، يجب على القيادة الفلسطينية أن تتعامل مع الحقائق القائمة على الأرض. ويشير المسار التاريخي إلى ترسيخ حقيقة الدولة الواحدة. وفي الوقت الحالي، لا يوجد ما يشير إلى أن اللاعبين المحليين أو الدوليين سيتدخلون بفعالية لعكس هذا المسار.

بغض النظر عما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية تعتزم ضم الأراضي الفلسطينية قبل انتخابات 2 مارس أو بعدها، وبأي سرعة، أو (لن تضمها) على الإطلاق، يجب على القيادة الفلسطينية أن تتعامل مع الحقائق القائمة على الأرض.

وبناءً على ذلك، ينبغي على قيادة السلطة الفلسطينية أن تضع إستراتيجية سياسية شاملة لمعالجة حقيقة أن اتفاقيات أوسلو قد أُفرغت من محتواها بالكامل. ولا يزال بإمكانهم الإشارة إلى تفضيلهم واستعدادهم للدخول في مفاوضات وفقًا للمعايير المتفق عليها دوليًا، لكن هذا لا يعفيهم من الحاجة أو المسؤولية لتطوير رد فعل جدي ومحسوب للواقع الذي يجدون أنفسهم فيه الآن.

Embed from Getty Images

ويمكن أن تحتوي هذه المبادرة على جزأين:

الأول؛ هو إنعاش مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية من خلال إجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني. وهذا الأمر أكثر إلحاحًا من متابعة إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية، والتي من شأنها إضفاء الشرعية على السلطة الفلسطينية وتعزيز الواقع الحالي.

والثاني؛ هو التفكير بجدية، بدلًا عن تكرار التصرف على عجل، في الشكل الذي قد يبدو عليه فك الارتباط، وما إذا كان هذا يستلزم تعليق الاعتراف بإسرائيل، أو إنهاء التنسيق الأمني، أو تفكيك السلطة الفلسطينية – وكلها مطالب يطالب بها غالبية الفلسطينيين. ويتعين على القيادة تقييم إمكانية تفكيك السلطة الفلسطينية أو إعادة هيكلتها – وإذا حدث هذا فكيف – لإخراج الفلسطينيين من الواقع الحالي المتمثل في بناء الدولة تحت الاحتلال، والسماح لهم باستعادة السيادة ومقاومة المزيد من التعدي الإسرائيلي على الأراضي.

يتعين على القيادة تقييم إمكانية تفكيك السلطة الفلسطينية أو إعادة هيكلتها – وإذا حدث هذا فكيف – لإخراج الفلسطينيين من الواقع الحالي المتمثل في بناء الدولة تحت الاحتلال، والسماح لهم باستعادة السيادة ومقاومة المزيد من التعدي الإسرائيلي على الأراضي.

الأسئلة الصعبة

ويختم الكاتب مقاله قائلًا: لقد أكد كل زعيم فلسطيني تقريبًا تحدثت إليه في السنوات القليلة الماضية على الحاجة إلى بناء قدرة الفلسطينيين على الصمود في وجه التهديدات الوجودية التي يواجهونها. وفي كثير من الأحيان لا يعد مثل هذا الخطاب ذريعة للتقاعس عن العمل.

ولكن من أجل بناء الصمود بفعالية، يتعين على قيادة السلطة الفلسطينية الآن الإجابة عن الأسئلة الصعبة بدلًا عن مجرد تكرار التهديد بفك الارتباط. وأبرز هذه الأسئلة:كيف ستوفر السلطة الفلسطينية عملًا لـ150 ألف موظف يعتمدون الآن على رواتبهم التي يتقاضونها من هذه السلطة؟ وكيف ستعمل المستشفيات والمدارس العامة في الضفة الغربية بدون وجود السلطة الفلسطينية؟

Embed from Getty Images

وما نوع الخطط الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن وضعها لتخفيف حدة الانتقام المالي الذي سوف تقوم به إسرائيل؟ وكيف يمكن حماية الفلسطينيين عندما يعيد الجيش الإسرائيلي انتشاره في الأراضي (المحتلة)؟ وما نوع القدرة الزراعية والإنتاجية المحلية التي يمكن تطويرها للحفاظ على حياة الناس في ظل غياب قدرتهم على الاستيراد والتصدير؟ وهل يمكن للسلطة الفلسطينية تبني نظام ضريبي تقدمي لإعادة توزيع الثروة وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية والاحتجاز الإسرائيلي لعوائد الضرائب الفلسطينية؟

وفي النهاية، يتحمل الفلسطينيون على الأرض وطأة أي تحول في السياسة، وهم يستحقون أكثر من مجرد كلام أجوف وإيماءات على سبيل رد الفعل. وقد يكون من الغريب الاعتقاد بأن قيادة السلطة الفلسطينية ستعطل نظامًا عزز مصلحتها الذاتية، لكن انهيار السلطة الفلسطينية أصبح الآن احتمالًا حقيقيًا، سواء حدث بسبب الثورات الفلسطينية أو المبادرات الإسرائيلية.

وهذه فرصة لقيادة السلطة الفلسطينية لاستعادة وكالتها، وتحمل المسؤولية، واستكشاف ما قد يؤول إليه الوضع من الناحية الإستراتيجية في حالة فك الارتباط باتفاقيات أوسلو، وما يتجاوز التهديدات الفارغة. ويجب على قادة السلطة الفلسطينية اغتنام اللحظة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد