تناولت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية بالتحليل الآثار المحتملة للهجوم الدامي الذي تعرض له مسجد الروضة في قرية بئر العبد بسيناء، الذي أودى بحياة 305 شخصًا في حصيلته النهائية، قائلة: إن ذلك قد يعكس خوف تنظيم «داعش» من خسارة موطئ قدمه لصالح تنظيم «القاعدة» في سيناء.

أوضحت الصحيفة في تحليلها الذي أعده الصحافي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، تسفي بارئيل، أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يقف حائرًا أمام المجموعات الإرهابية في بلاده، والتي كثفت نشاطها منذ قدومه إلى السلطة في كل من سيناء والصحراء الغربية، بل امتدت أياديها لتطال أهدافًا حيوية في العاصمة ومدن كبرى.

عدد بارئيل مجهودات السيسي لوقف الإرهاب في بلاده بالقول: إن الجيش المصري يمتلك أحدث المعدات التي زودته بها الولايات المتحدة، وتعاونه إسرائيل بالمعلومات الاستخبارية في معركته على أرض سيناء؛ حيث يعتبر تنظيم «داعش» عدوًا مشتركًا.

اقرأ ايضًا: «واشنطن بوست»: تفاصيل أكبر شحنة أسلحة من كوريا الشمالية.. ذهبت إلى الجيش المصري!

وتؤكد الصحيفة أن السيسي تمكن إلى حد كبير من تدمير أنفاق التهريب بين غزة وسيناء، والتي مثلت لسنوات ممرًا آمنًا لإرهابيي سيناء. وأرسل قوات النخبة إلى شبه الجزيرة، واتفق مع إسرائيل بشأن استخدام سلاح الطيران في المنطقة منزوعة السلاح استنادًا إلى اتفاقات كامب ديفيد. وتعتبر المصالحة بين حماس وفتح عنصرًا هامًا أيضًا في مكافحة الجماعات المتطرفة.

اقرأ أيضًا: «هآرتس»: كيف تصب المصالحة الفلسطينية في مصلحة إسرائيل؟

Embed from Getty Images

انفجار قسم شرطة العريش-أبريل (نيسان) 2015

لكن يبدو أن التعامل الأمني وحده لا يكفي للقضاء على الجماعات الإرهابية، لا سيما في شمال سيناء – تستدرك الصحيفة؛ فلا يزال البعض منهم يعتمد على التعاون مع البدو الذين يزودون الجهاديين بخدمات لوجستية مقابل المال. ويشكل هذا التعاون بديلًا عن الوعود الحكومية بتوفير الوظائف التي لم تنفذ بعد. ويرى بارئيل أن العلاقة بين البدو والحكومة المصرية تتسم بالتوتر. ويرجع هذا إلى اتهام الحكومة للقبائل في سيناء بالعمالة لإسرائيل إبان احتلال الأخيرة لشبه الجزيرة.

ومع ذلك – يضيف بارئيل – سعت الحكومة على مدى العامين الماضيين إلى إعادة تأهيل علاقاتها مع البدو، فأعلنت عن مشروعات تنموية بتمويل سعودي، ولكن لم يحدث تقدم ملموس على الأرض. تحيط الحواجز العسكرية بالتجمعات السكانية البدوية – وخاصة في العريش والشيخ زويد وما حولها – وتُمنع حركة المرور المدنية في الطرق الرئيسة المؤدية إليها، وهو ما يعتبر ضروريًا من حيث الأمن، ولكن هذا يعطل عودة الحياة الطبيعية إلى هذه المناطق.

تنظيم الدولة ما بعد طرده من سوريا والعراق

لم يمنع الوجود العسكري الكثيف في سيناء المهاجمين من الوصول إلى بلدة بئر العبد وارتكاب مجزرة مسجد الروضة – تؤكد الصحيفة. ومن المفترض أن يقوم محافظ شمال سيناء بالتحقيق لاكتشاف كيفية وصول الإرهابيين إلى وسط المدينة، وهو ما يشي بفشل استخباري هائل.

تتسم العلاقة بين البدو والحكومة بالتوتر. ويرجع هذا إلى اتهام الحكومة للقبائل في سيناء بالعمالة لإسرائيل إبان احتلال الأخيرة لشبه الجزيرة.

لم تتبنَّ أية منظمة المسؤولية عن المذبحة التي كان جُل ضحاياها من المدنيين، فضلًا عن بعض رجال الجيش والشرطة الذين كانوا يؤدون الصلاة، لكن أسلوب الاعتداء يشير إلى أن ولاية سيناء – ذراع تنظيم داعش في سيناء – هي المسؤولة عن الحادث. تشير تقارير إلى أن ما بين 800 و1500 مقاتل هم قوام التنظيم في سيناء، معظمهم من المصريين، وبعض الأجانب الذين جاءوا عبر الصحراء الغربية من ليبيا.

اقرأ أيضًا: «هآرتس»: مصر تعلن تصفية أضعاف العدد الحقيقي لمقاتلي «داعش».. كيف يحدث ذلك؟

ليس هذا هو الهجوم الأول الذي يشنه التنظيم في مصر – يقول بارئيل – لكن قوة الهجوم قد تدل على رغبة المجموعة في إثبات وجودها بعد خسائرها في العراق وسوريا. وربما تكون هذه استراتيجية جديدة تحل فيها الهجمات الكبيرة محل الاستيلاء على الأراضي.
ولكن مع ظهور تنظيم القاعدة في سيناء – المعروف باسم «جند الإسلام» – يبدو أن تنظيم «ولاية سيناء» يسعى إلى إثارة إعجاب الموالين له بهجمات نوعية مميتة. لا يهاجم تنظيم القاعدة في مصر المدنيين في الغالب، بل تنصب جهوده على استهداف المسؤولين الحكوميين وقوات الأمن والأهداف العسكرية الأخرى.

استنزاف الموالين لتنظيم الدولة

زادت شعبية تنظيم الدولة بين الجماعات المحلية بعد استيلائه على مساحات شاسعة من العراق وسوريا. وقد انتقل العديد من مقاتلي القاعدة إلى الدولة الإسلامية معلنين الولاء لها، وجرى توظيف الجماعات المحلية لإنشاء «ولايات الدولة الإسلامية» في تلك البلدان.
الآن، يخشى التنظيم من هجرة الموالين في الاتجاه المعاكس – يشير بارئيل – ويرجع ذلك جزئيًا إلى انحسار قدرته على توفير التمويل من المنظمات المحلية في البلدان الإسلامية. وقد تتسع رقعة الصراع الوجودي بين الجماعات الإرهابية؛ مما يزيد من حجم الهجمات الإرهابية، ولكنه قد يأتي في صالح قوات الأمن المصرية أيضًا، كما حدث في بلدان أخرى.

Embed from Getty Images

جثث ضحايا الهجوم على مسجد الروضة بمنطقة بئر العبد – شمال سيناء – 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017

كانت الهجمات على المساجد مألوفة في سوريا والعراق، ولكن ليس في مصر، بحسب ما يرى بارئيل. كما أن حجم الهجوم وكونه قد نفذ ضد المصلين يمكن أن يشير أيضًا إلى نقطة تحول في وجهة نظر بدو سيناء تجاه التنظيم.

يشير الصحافي إلى تسارع وسائل الإعلام المصرية إلى القول إن الهجوم استهدف قبيلة السواركة؛ لأنها زادت من تعاونها مع الحكومة، وكان إمام المسجد، وهو صوفي، قد ألقى خطبة قاسية الأسبوع الماضي ضد تنظيم الدولة. لكن آخرين يرون أن الهجوم ينبع من عقيدة التنظيم أن أي جزء من الإسلام – بخلاف النسخة الصارمة – هو كفر يستوجب القتل.

يذكر بارئيل أن التصوف معترف به في مصر كممارسة دينية مشروعة، وقد حصلت العديد من الطرق الصوفية على تصريح حكومي، بما في ذلك التي في سيناء واستهدفها هجوم يوم الجمعة الماضي، لكن هذه التفسيرات – حتى لو كان لها أساس أيديولوجي – لا يمكن أن توفر حلًا عمليًا لمحاربة الإرهاب في سيناء.

صرح السيسي أنه سيضرب تلك الجماعات بـ«قوة غاشمة» حسب وصفه، وقد دفع على الفور بالقوات الجوية، مدعيًا أنه قتل حوالي 30 مقاتلًا من تنظيم الدولة. ومع ذلك يبدو أن «الحالة الأفغانية» تلوح في مصر؛ حيث تشكل الحرب الدائمة جزءًا من الحياة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s