قالت زميلتنا في المكتب: “سوف أنتقل من منزل والديّ” فصرخنا في صوت واحد “لاااااااااا”. فالفتاة في العشرينيات من عمرها تكون مثل الزهرة المتفتحة ذات مكنون جميل؛ لم تتعرض لقسوة الحياة؛ فتعرف الطرق الوعرة التي قد تضطرها الحياة إلى أن تسلكها، وبينما تسعى وراء حريتها واستقلاليتها تريد أن تقترف الأخطاء الخاصة بها، وحدها حتى تستطيع أن تتعلم منها بنفسها، فدائما ما تبدو لها أن الخطوة الأولى هي الانتقال من منزل والديها.

ثم يأتي رفض الأهل، ومعارضة الأصدقاء والقيل والقال. فما تظنه الشابات سوف يكون مشهدا من فيلم “عمل متهور” أو “Risky Business” مثل مشهد الرقص في البيت بحرية بالملابس الداخلية سرعان ما يتحول إلى فواتير، و تدابير أمنية، و أحكام مسبقة عليها، وخيبات آمال لا نهاية لها.

ولذلك سألنا أربع شابات عازبات في العشرينيات والثلاثينيات من عمرهن من خلفيات مختلفة كي يشاركننا تجربتهن، والحقيقة المرة للعيش بمفردهن في المدينة حتى نستطيع وصف الوضع بشكل أكثر واقعية.

 

الأمان

تقول ن.ه: “دائما ما أشعر بأن بيتي هدف سهل لأي شخص يريد السرقة، فبالإضافة إلى إغلاق الأقفال دائما بشكل مبالغ فيه فإني لا أستطيع النوم ليلا إذا سمعت صوت الهواء أو أي صوت آخر، ثم أنني قضيت فترة طويلة أنام على صوت التلفاز.”

أما ل.ت. فقالت لنا: “أنا لا أخرج من المنزل مطلقا قبل أن أشعل الأضواء حتى يظن الناس أنه يوجد أحد بالبيت، ولقد كان حارس العقار هو الوحيد الذي يجعلني أشعر بالأمان، خاصة أيام الثورة، وقد كان يتصل بي كي يعرف متى أعود حتى لا يغلق باب العقار قبل أن أرجع، ثم تفاجأت بأنه قد عمل نسخة من مفاتيح منزلي واقتحمه كي يسرقه.”

وتقول أ.أ : “أنا لا أنام في المنزل مطلقا، لكني لن أندم أبدا على قرار العيش بمفردي؛ فالأجواء بمنزل والديّ كانت في بعض الأحيان تتوتر للغاية. لكني أنام عندما يحيطني الأصدقاء فيعلـّقون دائما أني أنام كثيرا لكنهم لم يخمنوا السبب حتى الآن.”

 

التخطيط للمعيشة

تحكي لنا ل. ت. قائلة:” في بداية انتقالي للعيش بمفردي دائما ما كان يفوتني دفع فواتير الغاز والكهرباء؛ لأني كنت دائما غير موجودة بالمنزل. ولقد كانت تمر عليّ ثلاثة أسابيع أو أكثر دون أن آتي بأحد كي ينظف المنزل، فقد كان من المستحيل أن أقابل أيا من العمال خلال أيام الأسبوع؛ لأني أعمل صباحا، أما الثلاجة فقد كانت تمتلئ بالأطعمة المنتهية الصلاحية؛ لأنه لم يكن لديّ وقت للطبخ.

لكني مع الوقت أوجدت حلولا لتدبـُّر أمر تلك الفوضى، فأنا الآن أترك ورقة عند عداديّ الكهرباء والغاز تقول أني تركت قيمة الفاتورة مع حارس العقار. لكني للأسف أقضي إجازتي الأسبوعية الآن في البيت مع السيدة التي تأتي لتنظيف المنزل. كما أنني لا أشتري الكثير من الخضراوات الآن مهما تحمست للأمر أثناء وجودي بالسوبر ماركت. أما إذا استطعت الحصول على إجازة خلال الأسبوع، فإني أتأكد من الاتفاق مع كل العمال الذين أحتاج إليهم لإصلاح أي شيء بالمنزل في ذلك اليوم.”

إصدار الأحكام

وتقول أ.أ: “لقد كانت أكبر صدمة لي عندما تغير آباء وأمهات أصدقائي تجاهي، فقد كانوا يعرفونني منذ سنوات، لكن في اللحظة التي اتخذت فيها قرارا جريئا قاطعوني، ومنذ ذلك الوقت وهم يحاولون دائما أن يقلبوا أبناءهم ضدي.”

 

حدثـتنا س.ر.

” يمكن أن تكوني أكثر الفتيات المحافظات من بين من يعرفونهم، لكنك ستصبحين في نظرهم دائما المرأة المنحلَّة، بدءا بالسمسار الذي سوف يعدك بتدبير منزل حيث لا يوجد من يحرجك بالأسئلة، لذلك لابد أن تكوني فتاة قوية حتى تستطيعي التعامل مع تلك الوصمة التي يصمونك بها في المجتمع.”

“لقد أراد رجال أعرفهم منذ خمس وست سنوات استغلال وضعي الجديد.” تقول ن.ه.

أما ل. ت. فقالت “إنني أعيش بمفردي منذ سنوات وأحب ذلك، لكن الشيء الوحيد الذي أكرهه هو تلك النظرة التي أراها في عيون الآخرين في اللحظة التي أذكر فيها أني أعيش وحدي، ثم تبدأ الأسئلة وأنا أبدأ في شرح الأمر، لكنني أحيانا أكذب في العمل وأقول أن خالتي تسكن بنفس العقار الذي أسكن به. ويبدو الأمر وكأنهم دائما ما يحاولون إيجاد تفسير يجعلهم يتقبـَّلون الأمر، فالوضع بأكمله غريب بالنسبة للمصريين.”

الوحدة

تقول ل.ت. “بمرور الوقت يتحول الأكل بمفردك كل يوم إلى أمر تعيس، لكن سرعان ما يصبح رمضان شهرك المفضل من العام بسبب كل تلك العزائم على الإفطار”.

“أحيانا أشعر بالملل الشديد ليلا فأحاول النوم في مكان آخر مثل النوم على الأريكة أو في غرفة أخرى” قالت أ.أ.

 

الأمور المادية

“يعتبر البدء من الصفر تحديا كبيرا فلا مجال للاستهتار في ذلك الموقف، لذلك يجب عليكِ أن تعملي دون توقف كي تستطيعي فرش منزلك ودفع فواتير لم تكوني تعرفي بوجودها من الأساس عندما كنتِ بمنزل والديكِ. أنا قضيت فترة طويلة بلا شيء سوى مرتبة.” تقول ن.ه.

 

قالت أ.أ. “إن رفاهية إهدار المال في الرحلات وشراء الملابس الجديدة مرحلة قد مضت منذ زمن، ثم أنني أشعر أحيانا أني إذا طلبت المال من والديّ سوف يظنون أنني فشلت، ويحاولون إثبات أني كنت مخطئة لذلك أحرص دائما أن يكون معي ما يكفي من المال.”

 

الوالدان

“لقد تبرأ مني والدي حين أخبرته أنني سوف أنتقل للعيش بمفردي، واقتحم بيتي الجديد ذات مرة وأخذ يهاجمني وأراد أن يتصل بالشرطة. وبالرغم من أنهم يرون كيف نضجت وكيف أعمل بجد لكنهم لن يدعموني أبدا.” قصـَّت علينا س.ر.

لدى هؤلاء النساء الجريئات مليون سبب يجعلهن لا يندمن مطلقا على العيش بمفردهن، لكن طريقة الحكم عليهن والمفاهيم السلبية المسبقة التي يطبـِّـقها المجتمع عليهن قد تكون شديدة القسوة في بعض الأوقات.

فإذا كانت لديك نعمة الحياة مع والدين متفهـّمين يمنحان روحك الحياة بحرية والتعبير عن ذاتها فلتـُظهر بعض الرأفة تجاه من لم يكن لديهم مثل قدَرِك؛ فالمرأة التي تقرر أن تقود حياتها بمفردها وتحارب من أجل استقلاليتها هي آخر شخص ينبغي أن يصمه المجتمع بالانحلال الأخلاقي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد