أحكام الإعدام المشينة في مصر نهاية الأسبوع الماضي، وصمت الحكومات الغربية إزاءها، يشيران إلى أي مدى استطاع السيسي ترسيخ تحالفاته ليدفع بحكمه من المرحلة الانتقالية إلى مشروعه طويل الأمد لتوطيد سلطته.

الأحكام القضائية الأخيرة ضد أكثر من 100 متهم – بينهم أكاديميون وأعضاء كبار في جماعة الإخوان المسلمين، والرئيس المدني المنتخب الوحيد لمصر، محمد مرسي- تظهر بوضوح أن السيسي وجد بالفعل وصفته الفاعلة لحكم مصر. قد تفشل تلك الوصفة على المدى الطويل، لكن هذا المدى الطويل، قد يكون في الواقع طويل جدًا.

تدور أجندة الحكم المصرية اليوم حول 3 محاور: الحرب على الإرهاب والمعارضة، والمحافظة على تدفق نقدي مستمر من الملكيات السنية في الخليج، والإصلاحات الاقتصادية المتواضعة التي على الأقل قد تعطي انطباعًا بوجود رؤية إيجابية وعمل جاد.

أصداء حرب الدولة على الإرهاب سوف تتردد في مصر لبعض الوقت. تصاعدت الهجمات الجهادية منذ الإطاحة بمرسي في يوليو 2013. وطبقًا لوثيقة صدرت عن الحكومة العام الماضي فقد تم توثيق مقتل أكثر من 700 شخص في هكذا هجمات. قتل عشرات آخرون في هجمات أخرى منذ ذلك الحين، معظمها ضد قوات الأمن والمنشآت الحكومية.

يرفض الشعب هجمات القنابل على الشرطة والجيش والمؤسسات الحكومية الأخرى. بل إن حتى غالبية مؤيدي الرئيس المعزول من جماعة الإخوان المسلمين يدينون العمليات الإرهابية. كأيديولوجية لتوحيد المصريين، قد تكون «الحرب على الإرهاب» غير كافية. لكنها تستطيع تحقيق حشد وتعبئة كبيرين، بالمقارنة بالدعم الفاتر الذي كان من الممكن أن يحصل عليه السيسي والجيش دون هذه الحرب.

في محاربتها للإرهاب، تجمع مصر بين الإخوان المسلمين وجهاديي أنصار بيت المقدس. بهذا تساوي بين المعارضين السياسيين الإسلاميين وبين التفجيرات والاغتيالات. «إن الإخوان المسلمين هي المنظمة الأم للتطرف» هكذا يقول السيسي لصحيفة واشنطن بوست في مارس الماضي. ويضيف: «إنهم الأب الروحي لجميع المنظمات الإرهابية، إنهم منتشرون حول العالم».

ربما ما يدفع السيسي في حربه هو إيمان صادق بأن التيار الإسلامي كله مسؤول عن الهجمات الأخيرة، أو ربما بعملية حسابية بسيطة قرر السيسي أن موجة العنف تتيح له فرصة القضاء على المعارضة الإسلامية المعتدلة تحت غطاء مكافحة الإرهاب.

المعركة ضد الإسلاميين تعطي السيسي بعض الشرعية، لكن هذه المعركة ليست ما أوصله إلى السلطة. لهذا يعول السيسي على أموال الخليج، وهو شرطه الأولي لتنفيذ الانقلاب الذي أطاح بمحمد مرسي؛ كما يظهر بتفصيل كبير في التسجيلات المسربة من مدير مكتب السيسي، والتي توضح أن الرئيس يتوقع أن تتدفق المليارات إلى بلاده بلا انقطاع من المملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج. «يا راجل، الفلوس عندهم زي الرز»، جملة شهيرة على لسان من يبدو أنه السيسي في إحدى التسريبات.

قد يبدو هذا مثل ابتزاز قطاع طرق، لكنه أيضًا دهاء سياسي. يعرف السيسي أن الخليج يستطيع تمويل مصر، وأنه على استعداد لدفع 10 مليارات أو أكثر كل عام ولمدة لا نهائية، في مقابل الحصول على حليف يعتمد عليه في القاهرة. تكافح مصر من أجل استيراد ما يكفيها من الوقود والمواد الغذائية الأساسية للحفاظ على الدولة فاعلة وعلى الفقراء هادئين. دون أموال الخليج، فإن انقطاع التيار الكهربائي في الصيف قد يتحول إلى انقطاع طويل المدى. كان حكام مصر على مدار التاريخ يخشون ثورة الجياع إذا تدهورت ظروف الفقراء الكثر في البلاد.

الإصلاح الاقتصادي – وهو الجزء الأخير من وصفة السيسي- هو الجزء الأكثر صعوبة في تحقيقه. من الواضح أن السيسي ماضٍ في طريقه الاستبدادي. دائرة المحاباة من المستشارين العسكريين سوف تحول دون حكم خلاق ومبدع. لكن، وعلى الرغم من أن الإصلاح الحقيقي ليس على جدول الأعمال، فإن إدخال تحسينات تدريجية على نظام الدعم قد يدعم السيسي بشكل كافٍ على المدى المتوسط. في الوقت نفسه فإن العروض المسرحية مثل العاصمة الجديدة خارج القاهرة بتكلفة 45 مليارًا – مشروع للشركات العقارية الإماراتية وربما لن يتم تنفيذه أبدًا- والمساكن العامة الضخمة و الري وبناء الطرق تعطي انطباعًا بأن الأمة تتقدم.

حتى لو تحقق جزء صغير من هذه المشاريع، فسوف يزيد هذا من دعم السيسي المترسخ في بعض الأوساط. رجال الأعمال الأثرياء والطبقة المتوسطة المؤثرة سياسيًّا على الرغم من صغرها، يقفان في جانب السيسي، وقد يستفيدان من تطوير البنية التحتية. الجيش سيلعب دورًا رئيسيًّا في أي مشاريع بناء على نطاق واسع، لكن المساكن الجديدة أو المزايا الأخرى إذا وزعت بشكل ذكي قد يمكنها لبعض الوقت تحييد منابع محتملة للمعارضة السياسية المنظمة، مثل عمال المصانع في مدن منطقة قناة السويس أو دلتا النيل.

مع ذلك فإن استقرار نظام السيسي، يمكن أن يؤدي إلى المزيد من المتاعب لمصر على المدى الأبعد. سياساته القمعية لن تعالج علل البلاد الكثيرة، كما أنها تضمن لمصر تدهورًا يجعلها في وضع أكثر سوءًا عن ذاك الذي ثار عليه المصريون إبان عهد حسني مبارك في يناير 2011. الأحداث الأخيرة تؤكد إصابة السيسي بجنون العظمة، من ضمنها مثلًا حظر فرق مشجي كرة القدم والمعروفين بالأولتراس والحكم على أستاذ العلوم السياسية في المنفى عماد شاهين بالإعدام. يقول شاهين أن المحاكمات الصورية هي محور أساسي لجهود السيسي لإعادة تشكيل دولة أمنية وإخافة كل المعارضين.

نمط المحاكمات يناسب هذا الادعاء كثيرًا. إذا استطاع النظام إحكام سيطرته بما يكفي، فإنه لا داعٍ للقلق من احتجاجات اتحادات الطلبة أو الأساتذة الجامعيين المعارضين، لأن غالبية المصريين سيظلون صامتين تحت تأثير الرعب.

جنون العظمة لدى السيسي يبدو أنه ناتج عن اصطفاف الأجهزة الأمنية المصرية – على اختلافاتها- خلف رؤيته، والتي تتبنى الاتحاد في تنفيذ حملات القمع ضد كل معارضة سياسية. الجيش والشرطة وأجهزة الاستخبارات والقضاء مؤسسات تتحد كلها معًا لتنفيذ الرؤية السياسية لرئيس البلاد، إنه إنجاز بيروقراطي مثير للإعجاب، لكنه نذير سيء لأي آمال بالإصلاح الديمقراطي.

الآثار السلبية للديكتاتورية الجديدة قد تتراكم لتصبح خطيرة على المدى الطويل. المحافظة على التعاون بين المؤسسات البيروقراطية المختلفة ليس بسهولة إنشاء هذا التعاون. السيسي يحظى بدعم القضاة بشكل كامل، ولكن على حساب سمعتهم. كان القضاء قد دعم بوضوح الحكم العسكري، حل البرلمان المنتخب بذرائع واهية، ومنع المرشحين الأكثر شعبية من خوض الانتخابات، وصدق على قوانين انتخابية تخدم أهدافًا عسكرية.

كنتيجة لهذه التحيزات، لن يكون أحد قادرًا على أخذ القضاء بجدية كمؤسسة لإقامة العدل، وأي حاكم في المستقبل –حتى لو كان مستبدًا غير منتخب- يريد استعادة بعض مظاهر سيادة القانون في البلاد، سوف يواجه مهمة إعادة بناء شاقة. أصبح الوضع أكثر تدهورًا اليوم، مع تعيين أحمد الزند وزيرًا للعدل، وهو رئيس نادي القضاة ذو الأهمية السياسية، وصاحب الجملة الشهيرة في برنامج تليفزيوني: «إحنا الأسياد والباقي عبيد».

الجيش الذي مهد طريق السيسي إلى السلطة، يبقى الحامي الحقيقي الوحيد للرئيس. ولكن ليس ثمة أدلة تشير إلى أنه في حال حدوث أزمة – كحدوث انهيار اقتصادي أو انتفاضة شعبية واسعة– فإن جنرالات مصر سيضحون بامتيازات مؤسستهم الواسعة لحماية السيسي.

حتى إن المستبدين يجب أن يتلاعبوا بالسياسة للمحافظة على السلطة، ويجب عليهم تهدئة المؤسسات والجماعات الرئيسية التي تدعمهم. إبان عهد الديكتاتور السابق حسني مبارك، كان الجيش يتنافس على الامتيازات ضد الشرطة والمخابرات وعمالقة رجال الأعمال حول الأسرة الحاكمة. اليوم، يملك الجيش قوة غير محدودة يُحتمل أن تؤدي إلى المزيد من الفساد وغياب المساءلة، وسلسة أخرى من الفشل في إنجاز المهام الأساسية للدولة.

سيؤدي هذا العجز إلى التأثير سلبًا على الحرب على الإرهاب ذاتها، والتي يبني عليها السيسي شرعيته. الجهاديون يعملون بشكل علني في سيناء، ولكن وفقًا لبعض التقارير المستقلة التي تخرج من شبه الجزيرة، فإن الجنود هناك –والحاصلين على تدريب ضعيف- ينفذون تكتيكات الأرض المحروقة في الانتقام، كقصف المدن واعتقال الرجال عشوائيًّا، بينما يتمكن الجهاديون الحقيقيون من الهرب. إدانة ومحاكمة رجال على جرائم ربما لم يرتكبوها – كما يبدو أنه حدث في إعدامات الأسبوع الماضي- لن ينهي الشغب هناك ولن يحقق الاستقرار.

يواجه السيسي أيضًا تهديدات أخرى طويلة المدى، ليست جميعها من صنعه وحده. تشمل هذه التهديدات ملف الدعم – المكلف جدًا بحيث يصعب الإبقاء عليه والحساس جدًا بحيث يصعب رفعه دون حدوث تفكك اجتماعي هائل-، في ظل وجود بطالة متزايدة ومشاكل المزارعين.

في نهاية المطاف، فإن أي إصلاح اقتصادي سيعتمد على الضغوط الخارجية – وهي وصفة لم تنجح عندما كانت الولايات المتحدة هي المانح الأساسي-. لكن ربما المستشارون الاقتصاديون من الإمارات العربية المتحدة سيحالفهم حظ أوفر في محاولة تنفيذ سياسات أفضل في وزارات ومكاتب الحكومة التي ستنفق أكثر من 32 مليار دولار من أمول الخليج التي حصل عليها السيسي منذ انقلابه وحتى الآن. إذا كانت هذه المبالغ الضخمة لا يمكنها شراء نفوذ سياسي حقيقي أو غرس سياسيات اقتصادية سليمة، فإن أي قدر من الأموال لن يستطيع.

النظام الجديد غير قادر بشكل واضح على مواجهة هذه التحديات. لكن التاريخ يشير إلى أن الإدارة السيئة قد تستمر لفترات طويلة. في الواقع، لعلّ الخطر الأكبر على النظام الآن هو أن يفقد السيسي قدرته. هناك بالتأكيد خلافات داخل النظام، لكنه لا يحتاج إلى نخبة متوافقة تمامًا في حكمه. ما يحتاجه السيسي هو سلطة كافية ليبقى على رأس الهرم، ودعم دولي كافٍ ليتجاهل غضب المصريين المطالبين بحقوقهم المدنية والحريات السياسية والتنمية الاقتصادية الحقيقية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد