في إطار زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للبيت الأبيض الأسبوع المقبل، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية مقالًا للصحافي ديكلان والش، مدير مكتبها في القاهرة، يعدد فيه مساوئ حكم السيسي وما آلت إليه الأوضاع في مصر، ويكشف امتداد سلطة السيسي الحديدية لتشمل مساحةً أخرى: مسلسلات التلفاز.

أوضح والش أنَّه في إطار رغبته في ممارسة سلطاته الموسعة، قَمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي السياسة، وجند الإعلام، وسجن جحافل المعارضين. والآن يبسط قبضته الحديدية على قطاعٍ جديد من المجتمع المصري؛ المسلسلات التي يعشقها الشعب.

طموحها بلغ السماء.. هل تخادع الحكومة المصرية نفسها في مشروع الموازنة الجديدة؟

نظام السيسي ومسلسلات رمضان

في خلال شهر رمضان من كل عام، يجتمع المصريون حول أجهزة التلفاز، لمشاهدة مسلسلاتٍ قصيرة ذات ميزانياتٍ ضخمة، يشارك فيها أشهر ممثلي الدولة، وتتنوع قصصها ما بين الدراما والإثارة والتاريخ والعمل الشرطي. وأفضل هذه المسلسلات تُذاع في الخارج في الشرق الأوسط.

لكن كشف الكاتب أنَّ عروض رمضان التي يجري إنتاجها حاليًا تخضع لرقابةٍ خانقة. إذ يقول المخرجون والممثلون إنَّ مسؤولي السيسي يُملون عليهم النصوص ويحدُّون من الأجور، وأنَّ شركة إنتاج تابعة للجيش تولت بعضًا من أكبر هذه العروض. وأُخبر المنتجون بضرورة أن تتضمن قصصهم مواضيع معينة، مثل الإشادة بالجيش والشرطة، أو شيطنة جماعة الإخوان المسلمين المحظورة. ومن لا يتبع هذه القواعد لا يرى عمله النور.

اقتبس والش تصريحًا لعز الدين شكري فشير، الكاتب والدبلوماسي الذي حُوِّلَت بعض رواياته إلى أعمال تلفزيونية، إذ يقول: «بالنسبة للسيسي، لا يتعلق الأمر فقط بالسياسة أو السلطة، فهو يريد تغيير ثقافة المجتمع المصري».

وبحسب الكاتب، فإنَّ قمع العروض الدرامية هو الوجه الثقافي للاستبداد المتسلط واسع النطاق الذي ترسخت جذوره في ظل حكم السيسي، ووصل إلى مستويات جديدة حتى بالنسبة لمصر، التي يحكمها رؤساء أقوياء يحظون بدعم الجيش منذ عقود.

حكمٌ خانق

بحسب الكاتب، فإنَّ حسني مبارك، الذي حكم مصر لمدة 30 عامًا حتى أُطيح خلال الربيع العربي عام 2011، ترأس نظامًا قمعيًا قاسيًا، ومع ذلك، سمح بمساحةٍ لمراكز القوة الأخرى، مثل حزبه السياسي ومجلس القضاء الأعلى، مما كان يتسبب في أحداثٍ مفاجئة. فبين الفينة والأخرى، كان القضاة يصدرون أحكامًا تربكه، وتنتقده الصحف إلى حدٍ ما، وفي 2005، فازت جماعة الإخوان المسلمين المعارضة بخُمس مقاعد البرلمان.

لكن عمليًا، يشير والش إلى أنَّ هذه المساحة المحدودة أُغلقت في عهد السيسي، الذي استولى على السلطة عام 2013 بانقلابٍ عسكري، ويحكم من خلال زمرة صغيرة من المستشارين، معظمهم عسكريون ومن الأجهزة الأمنية وعائلته، ويتمتعون بنفوذٍ اقتصادي ضخم. ويرى السيسي العالم من منظور أمني، ويسعى للقضاء على كل صوت معارض، حتى أنَّه بات يمكن القبض على المصريين بسبب منشور سياسي معارض على الفيسبوك.

ويستشهد والش في هذا الصدد بتصريحٍ ليزيد صايغ، الباحث الأقدم بمركز كارنيجي للشرق الأوسط في بيروت، إذ قال: «أشعر صراحةً بالأمان في دمشق أكثر من القاهرة حين أتحدث عن السياسة، إذ يحاول استبداد السيسي السيطرة على المساحة العامة كاملةً، فلا يجرؤ أحد على قول أي شيءٍ يمكن أن تعتبره السلطة معارضةً، حتى ولو سرًا. هذا الخوف هو ما تحاول جميع الأنظمة الاستبدادية غرسه، وهو فكرة أنَّه حتى عندما لا يستطيع النظام التنصت عليك، فهو يستطيع سماعك».

ولم تُجِب الحكومة المصرية على طلبات الصحيفة بالتعليق.

يشير والش إلى أنَّ ترامب قابل نهج السيسي هذا بقليلٍ من المقاومة، ومن المقرر أن يستضيف السيسي في البيت الأبيض الأسبوع المقبل. وبينما كانت واشنطن في الماضي تحاول قليلًا كبح جماح تجاوزات رؤساء مصر فيما مضى، إلا أنَّ ترامب أثنى على السيسي في لقاءاتٍ سابقة، وحتى مدح ذوقه في الأحذية ذات مرة، لكنَّه لم يقل الكثير حول تشديد القمع في مصر.

وجديرٌ بالذكر أنَّ الولايات المتحدة ليس لديها سفير في القاهرة منذ يوليو (تموز) 2017.

وبحسب تقرير والش، يهيمن العسكريون ممن هم محل ثقة السيسي على دوائر الحكم، وكُلّفت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالإشراف على مشاريع ضخمة تقدر بمليارات الدولارات، بما فيها توسعة قناة السويس التي اكتملت عام 2015، والعاصمة الإدارية الجديدة قيد الإنشاء في الصحراء شرق القاهرة.

وتعمل المحاكم العسكرية بلا رقابة عامة تُذكر، إذ تحاكِم النشطاء والمعارضين السياسيين، بالإضافة إلى المشتبه بهم في قضايا الإرهاب. وتتلاعب مخابرات السيسي سرًا بالبرلمان، الذي يناقش حاليًا تغييراتٍ دستورية شاملة، من شأنها تمديد ولاية السيسي حتى 2034، وتضع السلطة القضائية العليا تحت سيطرته المباشرة، وهي صلاحيات لم يحُزها مبارك أبدًا بحسب والش.

أمَّا البرامج الحوارية التلفزيونية، التي أشعلت من قبل النقاشات الساخنة، أصبحت حسبما أوضح والش مواليةً للحكومة بشكلٍ شبه اعتيادي، مما أدى إلى توقف الكثيرين عن مشاهدتها. وأُضعف نفوذ وزارة الخارجية، التي كانت ذات يوم حصنًا دبلوماسيًا تقليديًا تفخر به مصر.

ويقتبس الكاتب تصريحات إيمي هاوثورن، نائبة رئيس الأبحاث في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط: «السيسي ليس كيم جونغ أون ولا صدام حسين، لكنَّه يسير بمصر نحو هذا النوع من الأنظمة».

وبحسب تقريره، تتوغل الأجهزة الأمنية أيضًا في الاقتصاد، وبهذا تجعل الخط الفاصل بين الأمن الوطني والتجارة ضبابيًا.

وأحد الأمثلة التي ذكرها والش على ذلك توسع شركة أوبر في مصر، إذ واجهت مطالب حكومية بإتاحة الوصول إلى المعلومات الشخصية لعملائها. وحسبما قال مسؤول مطلع على المحادثات بين أوبر والحكومة المصرية، ففي فبراير (شباط)، عندما ألحت الأجهزة الأمنية على هذه المطالب، تعطل عمل تطبيق أوبر في مصر. لكنَّ تميُّز السيسي في رأي الكاتب كان توجهه إلى السيطرة على الثقافة والفنون.

حتى الفن لم يسلم

يذكر والش أنَّ الفترة الماضية كانت مليئةً ببعض الأحداث التي تدلل على محاولات السيطرة تلك. منها تصريحات الكاتب المعروف علاء الأسواني، كاتب رواية عمارة يعقوبيان، التي أصدرها الشهر الماضي وأفاد فيها بأنَّ محكمةً عسكرية سرية حاكمته بتهمة «التحريض على الكراهية ضد النظام»، ويرى والش أنَّها محاكمة مثيرة للجدل، إذ كان الأسواني ذات يوم مؤيدًا للسيسي.

وفي يناير (كانون الثاني)، غرّد الممثل المصري الشهير عمرو واكد على حسابه على تويتر بأنَّه حُكم عليه بالسجن ثمانية أعوام جراء انتقاده السيسي. وفي الأسبوع الماضي، طردت نقابة المهن التمثيلية واكد المقيم في أوروبا، وزميله خالد أبو النجا، بتهمة «الخيانة العظمى»، بعد حضورهما جلسة للكونجرس في واشنطن، ناقشا فيها خطط السيسي لتعديل الدستور.

أمَّا في ما يتعلق بالدراما، فركز عليها السيسي بدايةً في 2017، ففي خطابٍ له أثنى على «المبادئ الإيجابية» للبرامج التلفزيونية العتيقة التي أنتجتها الدولة، وانتقد الجديدة منها. وفي الأعوام اللاحقة، بدأ مسؤولو الدولة بالضغط على المخرجين من خلال الرقابة والضغط السري. لكنَّ هذا التدخل تسبب في أزمةٍ هذا الموسم، حسبما كشفت عدة مصادر لوالش.

إذ صرّح أحد المخرجين بأنَّ عدد مسلسلات رمضان التي قيد الإنتاج حاليًا تقلص للنصف، أي ستتراوح بين 12 إلى 15 مسلسل.

ووفقًا لمدى مصر، أحد آخر وسائل الإعلام المستقلة المتبقية في مصر، أُنشئت مجموعة إعلام المصريين، الشركة المهيمنة على الإنتاج التلفزيوني، وهي شركة ذات صلاتٍ بالمخابرات العامة، واشترت العديد من أكبر شبكات التلفزيون.

وصرّح أحد كبار المخرجين، مشترطًا عدم ذكر اسمه، بأنَّ كُتاب السيناريو أُمروا هذا الشتاء باتباع إرشاداتٍ معينة؛ تمجيد الجيش، ومهاجمة الإخوان المسلمين، والترويج للقيم العائلية المحافظة لتشجيع شباب المصريين على طاعة أولي الأمر، افتراضًا أنَّ ذلك سيجعلهم يتجنبون طريقة التفكير التي أدت للربيع العربي عام 2011.

ويرى فشير بأنَّ هذا التوجه يعد علامة على اختلافٍ آخر كبير بين السيسي ومبارك.

ويفسر والش هذا بأنَّه بينما بدا مبارك قانعًا فقط بمجرد إدارة الاختلالات الوظيفية للدولة، يبدو السيسي عازمًا على إعادة تشكيل نسيج الدولة الأخلاقي والفكري، إذ ألقى من قبل خطابًا حول الآداب واللياقة البدنية، ويريد الآن تطهير ما يراه تياراتٍ فكرية خطيرة.

استقرارٌ خطير

يقول مؤيدو السيسي إنَّ مصر تحتاج إلى زعيم قوي يحميها من الفوضى التي اجتاحت ليبيا وسوريا واليمن، ويشرع في إصلاحاتٍ اقتصادية صارمة تأخرت كثيرًا، مثل التقليل الأخير لدعم الوقود والكهرباء. وساهم استقرار مصر في ارتفاع معدلات السياحة بنسبة 16% العام الماضي، وازدهر قطاع الطاقة بعد اكتشافاتٍ كبيرة لآبار غاز في البحر المتوسط.

ومع ذلك، فالكثير من المصريين منهكون تحت وطأة التقشف والقمع. فبحسب والش، في اليوم التالي لحادثة انفجار القطار في محطة مصر بالقاهرة في فبراير (شباط)، والتي أسفرت عن مقتل 22 شخصًا على الأقل، وقف رجل يدعى أحمد محيي في منتصف ميدان التحرير الذي تظاهر فيه المصريون عام 2011، رافعًا لافتةً كُتب عليها «ارحل يا سيسي».

غضب محيي، الصيدلي البالغ من العمر 34 عامًا، من حادثة القطار، ورآها علامةً على سوء إدارة الخدمات الأساسية في الدولة، وكان يأمل في جمع المزيد من المتظاهرين، لكن قُبض عليه خلال دقائق، ووضع في سيارةٍ تابعة للشرطة مع صديقٍ كان يصور احتجاجه الفردي.

وأثناء وجوده في السيارة، بث محي رسالة فيديو حماسية، ومبكية أحيانًا، نُشرت على فيسبوك. قال فيها إنَّه من المحتمل أن يُعذّب بسبب اعتراضه علانيةً، لكنَّه أصرّ على أن هذا يستحق العناء. وأضاف محيي، الذي يمتلئ حسابه على فيسبوك بأشعاره: «ربما يحبسوننا، أو يقتلوننا، وربما يحرقوننا، لكنَّنا نواجه مصيرنا رجالًا».

ومع وجود عشرات الآلاف من المعارضين بالفعل في السجن، تعد مثل هذه المعارضات العلنية نادرةً، ولهذا تواجه سلطة السيسي القليل من التحديات الواضحة الآن.

وبحسب والش، يرى السيسي أنَّ منبع قوته هو العناية الإلهية. ففي مقابلةٍ عام 2013، صرَّح بأنَّ صوتًا أتاه في الحلم وقال «سنعطيك ما لم يُعطَ أحد».

لكن، بحسب الكاتب، يحذّر بعض المحللين من أنَّ سعي السيسي لتشديد السيطرة على الدولة والمجتمع، ربما يكون هو ما سيؤدي إلى نهايته. إذ صرَّح صايغ بأنَّ رئاسة مثل هذا النظام الاستبدادي، الذي عزل الكثير من قطاعات المجتمع، ستترك السيسي ضعيفًا يوم يواجه نظامه حتمًا صدمة غير متوقعة.

وقال: «وضع السيسي والجيش أنفسهم في مأزق بتدمير أي شخص يمكنهم التحاور معه، وحين يأتي يوم يحتاجون فيه لآخرين في الحكومة أو إدارة الأعمال، ربما لن يجدوا أحدًا يدعمهم».

مترجم: كيف تحولت السجون المصرية إلى مراكز تجنيد لصالح «داعش»؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد