في ضوء السخط المتصاعد على الرئيس «السيسي» في مصر، يستعرض د. «جاك نيريا»، المحلل لشؤون الشرق الأوسط بمركز أورشليم للشؤون العامّة، كيف أثّرت الأحداث الأخيرة في شعبية «السيسي».

في الأشهر الأخيرة، انحدرت شعبية «عبد الفتاح السيسي»، الرئيس المصري كثيرًا، وتعرّض لهجوم شرس غير مسبوق، بسبب عدّة أحداث أبرزها قرار الحكومة لمصرية بنقل سيادة جزيرتي «تيران» و«صافير»، المتحكّمتين في مدخل خليج العقبة، إلى السعودية. أثارت أيضًا قضية الشاب الإيطالي «جوليو ريجيني»، طالب الدكتوراه الذي كان يدرس أوضاع الاتحادات العمالية المستقلة في مصر، الكثير من الانتقادات والتساؤلات، بعد العثور على جثته التي شوهتها آثار التعذيب الشديد؛ ما يُعتقد أنّه فِعل الجهاز الأمني المصري. في ضوء السخط المتصاعد على الرئيس «السيسي» في مصر، يستعرض «جاك نيريا»، المحلل لشؤون الشرق الأوسط بمركز أورشليم للشؤون العامّة، أحد المراكز الأكثر أهمية في الدولة العبرية، كيف أثّرت الأحداث الأخيرة في شعبية «السيسي».

«تيران» و«صنافير».. غضبٌ شعبي وتبرير حكومي

منذ بداية القرن العشرين، تنازعت السعودية ومصر على جزيرتي «تيران» و«صنافير». دافعت الحكومة المصريّة عن قرار تسليم الجزيرتين للسعودية بأنّها تردّ للسعوديين حقهم. طبقًا للرواية الرسمية المصرية، فإن مصر احتلّت الجزيرتين عام 1950 بمباركة سعودية، لاستخدامهما كمواقع عسكرية. استغلّت مصر الموقع الإستراتيجي للجزيرتين مرتين، في 1956 و1967، حين أغلقت مصر مضائق «تيران» أمام كل السفن الإسرائيلية، أو المتّجهة إلى إسرائيل، أو العائدة منها. وبعد 11 جولة من المفاوضات، في عهد «حسني مبارك»، ومن بعده «مرسي»، وأخيرًا «السيسي»، توصّلت الحكومة المصرية إلى أن الجزيرتين جزءٌ من المملكة الوهابية السعودية، وقررت أن تُعيدهما إلى المملكة.

Untitled.png11.png3لكن الرواية الرسمية، التي دعّمتها الحكومة بالعديد من الوثائق، كما ذهب «نيريا»، لم تقترب من إرضاء الرأي العام المصري. لم يقتصر الأمر على اتّهام «السيسي» بالخيانة، بل استنكر المصريون ما اعتبروه «بيعًا» للجزيرتين في مقابل دعم ماديّ سخي. على موقع تويتر، انتشر هاشتاج «أنا نفسي أبيع ايه للسعودية»، وتداول المستخدمون صورًا ساخرة لأبي الهول مرتديًا الزي الخليجي. ومن بين المعارضين للقرار الإعلامي «جابر القرموطي»، الذي صرّح بأن السيسي فقد شعبيته بتسليم الجزيرتين للسعودية، مؤكّدًا أن استمرار السيسي على هذا النهج «لن يكون في صالحه». و«باسم يوسف»، الإعلامي الساخر المعروف، غرّد على تويتر قائلًا: «قرب قرب يا باشا! الجزيرة بمليار، الهرم باتنين، وعليهم تمثالين هدية». أما رئيس مجلس إدارة الأهرام، «أحمد السيّد النجار»، كتب على فيسبوك قائلًا:

«تبقى أم الرشراش جوهرة مسروقة، ويقيني أننا سنستعيدها يومًا. ومن بين مناطق الحدود تبرز جزر تيران كجوهرة دافعت عنها مصر ببسالة استثنائية وبذلت الدماء والأرواح لأنها المضائق التي يمكن أن تحكم خليج العقبة في لحظات المصير. سلامًا لكل مفردات حدودنا الوطنية غير القابلة للمساس لأنها لحم ودم مصر، وخريطة بطولات شعبها، وحدود وجودها الباقي إلى الأبد».

تسليم الجزيرتين تعدٍ على الدستور

يتناول «نيريا» غضب السياسيين، ورد فعلهم السريع الذي دفع بفقدان السيسي الشرعية لمخالفته المادة 151 من الدستور المصري الجديد. تنصّ المادة على «دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف، وما يتعلّق بحقوق السيادة»، وهو ما أكدّه «عمرو الشوبكي»، منتقدًا إطلاق يد السلطة التنفيذية في فعل ما يحلو لها، وعدم ممارسة مجلس الشعب واجبه في الرقابة على السلطة التنفيذية، وسحب الثقة منها حين تسيء التصرّف.

لا شكّ أن القرار أصبح فأسًا في يد المعارضة توجّه به الضربات لنظام السيسي. «أحمد شفيق»، المرشح الرئاسي السابق والهارب إلى الإمارات العربية المتّحدة، أصدر بيانًا أشار فيه إلى فشل الرئيس «السيسي» في معالجة العديد من الأزمات، مثل مياه النيل، والعلاقات المصرية الإيطالية عى خلفية واقعة «ريجيني»، وأخيرًا تسليم الجزيرتين. تساءل «شفيق» عن أسباب هذا الفشل، وعمّا إذا كان نابعًا من «نقص الخبرة وضعف الإدارة»، أم «الاختيار غير المناسب لمن يناط بهم معالجة الأزمات»، أم «التلكؤ والبطء في اتخاذ القرار»، مُطالبًا بأن «نرجع إلى الشعب قبل أن نصدر قرارنا، وقبل أن ندفع به إلى التزامات قد لا يستطيعها، أو قد لا يقبل بها» على حد قوله. بعدها أصدر «شفيق» تصحيحًا لبيانه قال فيه إن «تيران» و«صنافير» سعوديتان، غالبًا بعد تعرّضه لضغطٍ سعودي.

«الكلام مش بإذن»

على العكس من المرّات السابقة، قرّر «السيسي» هذه المرّة أن يواجه الغضب الشعبي في خطابٍ مفتوح، دافع فيه عن سياساته واتّهم معارضيه بأنهم جزء من «أهل الشر» الساعين إلى إيذاء الوطن، من الإخوان المسلمين والسلفيين، وأكّد أن الجيش المصري هو المدافع الوحيد عن مصر، وأنّه ليست لديه أي انحيازات سياسية. وأشار إلى أن مجلس الشعب سيُناقش اتفاقية «تيران» و«صنافير»، وأن الأمر يرجع إليه في الموافقة عليها أو رفضها.

يُشير «نيريا» إلى تأثير الانتقادات المُتصاعدة في «السيسي»، وكيف دفعت به إلى منع الأسئلة في لقاء الأسرة المصرية، بل ومُقاطعة أحد النواب، عندما حاول الحديث بعد انتهاء كلمته. قال السيسي موجهًا حديثه للمشاركين: «أنا ما ادتش الإذن لحد أنه يتكلم، بتلوموا عليا إننا مابنكررش اللقاءات دي، عشان بتتحول منابر كلام».

أثار ذلك سخط روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، ليردّوا بهاشتاج «الكلام مش بإذن»، الذي غرّد من خلاله عدد من الشخصيات البارزة، مثل جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، الذي شدّد على أن المصريين لن يفرطوا في حقّهم في حريّة التعبير. أحد الشباب غرّد قائلًا: «دي بلد مش مدرسة ودول جزيرتين مش سندوتشين جبنة».

السيسي يفقد شعبيّته

يستعرض «نيريا» الانتقادات التي تواجه نظام السيسي، وتهدد بفقدانه التامّ لشعبيته في الشارع المصري. فبعد حوالي عاملين من اكتساحه الانتخابات الرئاسية، لم يعُد الشارع يعتبر السيسي «الفتى المُعجزة»، على حد وصف «نيريا»، ولم تعُد صوره تزيّن الشوارع أو توضع على أرغفة الخُبز.

يشير الكاتب أيضًا أنه منذ تولي السيسي الرئاسة، لم تنتهِ حرب الجيش المصري ضد الإخوان المسلمين والسلفيين والجهاديين، ولم يتمكن الجيش من تطهير سيناء من عناصر الدولة الإسلامية وفروعها. لم تتمكن الحكومة من حل مشكلة آلاف المصريين الذين تتخطفهم الجماعات المسلّحة في ليبيا، ولم تُحلّ مشكلة تقسيم مياه النيل مع إثيوبيا. وللمرة الأولى منذ حرب اليمن في منتصف الستينيات، وافقت مصر على إرسال قواتها لمحاربة متمردي اليمن، وهو ما أعطى انطباعًا للمصريين بتبعية الحكومة المصرية للسعودية، وطاعتها العمياء لها.

يذكُر «نيريا» أيضًا التفجير الإرهابي للطائرة الروسية، وتعامل الحكومة المصرية غير المحترف مع الأزمة، حيثُ أنكرت تفخيخ الطائرة في محاولة لطمأنة السياح، حتى بعد الإثبات القاطع لوجود القنبلة على متن الطائرة، وهو ما سبب أزمة في العلاقات المصرية الروسية، وتدهورًا كبيرًا في السياحة. اتبعت الحكومة نهجًا مماثلًا في أزمة «ريجيني»، حين لم تُعطِ سلطات التحقيق الإيطالية تفسيرًا وافيًا، بل روايات متناثرة مفككة. وكانت القشّة التي قصمت ظهر البعير حين رفضت مصر تسليم تسجيلات الاتصالات التي أجريت في المناطق التي تردد عليها «ريجيني»، بدعوى أنّ ذلك يعدّ انتهاكًا للدستور.

حق الخمسة قبل حق ريجيني

وأخيرًا، يشير الكاتب إلى  فشل «السيسي» في حلّ الأزمة الاقتصادية الطاحنة، ولأنه لولا الدعم المالي السخيّ الذي حظت به مصر منذ 2013 وحتى الآن، لأصبحت مصر في موقفٍ اقتصادي شديد الصعوبة، وهو ما أعطى انطباعًا للشعب بأنّ «السيسي» أُجبِر على تسليم الجزيرتين للسعودية في مقابل الدعم؛ ذلك التسليم الذي فتح الباب أمام السودان للمطالبة باستعادة مثلث «حلايب» على الحدود المصرية السودانية.

ويشير المقال إلى أن «السيسي» يدرك جيدًا أن القرار يتمّ استغلاله من قبل الإخوان المسلمين والمعارضة الليبرالية لدفعه إلى التنّحي، لذا كانت استجابة الحكومة المصرية صارمة عقب القرار، حيث اعتقلت السلطات المصرية مئات من المعارضين، وقمعت أي تظاهرة ضد النظام. ما زال الوقت مبكرًا لمعرفة ما إذا كانت الاحتجاجات التي اندلعت في أنحاء مصر ستكبر لتخرج عن سيطرة الحكومة المصرية.

لم يكن «السيسي» ليتخيل أنّه بعد عامين من حكمه سيواجَه بالمتظاهرين الغاضبين المتحدّين لقانون التظاهر، المطالبين برحيل «من باع الأرض»، كما طالبت برحيل من سبقوه. لكن الحكومة المصرية، كما يقول «نيريا»، ستُقاتل بلا هوادة، من أجل البقاء.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد