استعرض تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعانيها مصر في الوقت الحالي، والإجراءات التقشفية التي تبناها النظام المصري في الآونة الأخيرة، والتي تمثلت في خفض الدعم على الأغذية والطاقة وتحرير سعر صرف العملة المصرية (تعويم)، وهي الإجراءات التي لم تفِ بمتطلبات الطبقة المتوسطة والفقيرة في بلد شهد ثورة على تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في يناير (كانون الثاني) 2011.

وقال تقرير الصحيفة الأمريكية إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قام بخفض الدعم على الغذاء والوقود، وهو برنامج طالما توقف بفعل الهدر والفساد، في مقامرة شديدة المخاطر لم يجرؤ أي من أسلافه على الإقدام عليها لمساعدة الاقتصاد المتداعي.

وقد هزّ العلاج بالصدمات الاقتصادية، الذي اقترن بتخفيض حاد في قيمة العملة، البلد الأكثر سكانًا في العالم العربي. ارتفعت أسعار الوقود بنسبة 50% في يونيو (حزيران)، وتضاعفت أسعار غاز الطهي وتجاوز معدل التضخم السنوي 30%.

ومع تقلص المدخرات وانكماش القوة الشرائية للمستهلكين، يراهن السيسي على أنّ فرص العمل الجديدة المتوقعة، والاستثمار الأجنبي، والنمو، كلها عوامل ستساعد قبل أن يتسبب الألم الاقتصادي في حدوث انفجار اجتماعي آخر في مصر، التي ألهمت ثورتها في عام 2011 الانتفاضات الأخرى في ما أصبح يعرف باسم الربيع العربي.

ونقل التقرير عن أسامة هيكل، وهو مشرّع مؤيد للحكومة، قوله: «إن الفقراء يعانون كثيرًا، ويتحول الناس من الطبقة المتوسطة إلى الطبقة الفقيرة».

فيما قارن طارق قابيل، وزير التجارة والصناعة المصري، الإصلاح الاقتصادي بالمضادات الحيوية. وقال في مقابلة صحفية: «يجب أن تأخذ الجرعة كاملة. لا يمكنك أن تأخذ قرصًا واحدًا وتتوقف».

بحسب التقرير، تعتبر تخفيضات الدعم من بين الشروط التي وضعها صندوق النقد الدولي في إطار اتفاقية قرض بقيمة 12 مليار دولار، تهدف إلى مساعدة مصر على استقرار اقتصادها بعد سنوات من الاضطراب.

وتبلغ نسبة الإعانات المقدمة للطاقة والأغذية، وفقًا للأرقام التي رصدها التقرير، أكثر من 11 مليار دولار سنويًا، أي ما يعادل 18٪ من الميزانية الحالية لمصر، حتى بعد التخفيضات الأخيرة. وتعتبر الإعانات عائقًا من بين العوائق أمام النمو الاقتصادي، الذي تباطأ في السنوات التي تلت الثورة. فقوانين العمل تجعل من الصعب القيام بتسريح العمال، ولا يمكن الاعتماد على النظام القضائي، كما أن البيروقراطية الحكومية تعيق المبادرة. ومما يزيد الأمور تعقيدًا، أن الجيش يمتلك اقتصادًا موازيًا وغير خاضع للمساءلة إلى حد كبير.

ونقل التقرير ما ذكره وزير الخارجية السابق نبيل فهمي، وهو أستاذ في الجامعة الأمريكية في القاهرة، من أنّ خفض الدعم يدفع مصر إلى إصلاح التشوهات الاقتصادية، لكنه يحمل الألم والمخاطر. وقال فهمي: «هل هناك تكلفة لذلك؟ نعم، هناك تكلفة. الآن، القضية هي: هل ستكون العودة كبيرة بما فيه الكفاية؟».

كما قامت الحكومة أيضًا باستثمارات في البنية التحتية في مجالات الكهرباء والنقل، كما تدفع الحكومة في اتجاه الخطط التي من شأنها فتح مصانع جديدة، فضلًا عن الحصول على الأراضي لاستثمارات الأعمال الحرة. كما قام السيسي، وزير الدفاع السابق، بزيادة الدور الكبير الذي تلعبه القوات العسكرية في الاقتصاد المصري.

كما تسعى البلدان في جميع أنحاء الشرق الأوسط، حتى تلك الدول الملكية الغنية مثل الكويت، تسعى أيضًا إلى إجراء إصلاحات اقتصادية لأنها تحاول خلق فرص عمل كافية لمواكبة التعداد السكاني الكبير.

وفي الجانب المقابل من البحر الأحمر، يحاول ولي العهد السعودي الجديد محمد بن سلمان إجراء إصلاح طموح، ولكنه أقل إيلامًا، لتقليل اعتماد المملكة على النفط. وتحت الضغط، تنازل عن إجراءات التقشف في أبريل (نيسان) الماضي وسط صراع على الخلافة وتزايد القلق العام.

اقرأ أيضًا: لماذا لم يعد السيسي يهتم بتبرير تصفية وتعذيب المعارضين؟

القضاء على المعارضة

أشار التقرير إلى أن السيسي، الذي يواجه انتخابات العام المقبل، قضى على معظم المعارضة السياسية منذ الإطاحة بمحمد مرسي، أول رئيس منتخب في مصر في يوليو (تموز) 2013.

وقد تم حظر الوصول إلى مواقع إعلامية مستقلة في الأشهر الماضية. فيما عرقل تشريع جديد عمل المنظمات غير الحكومية، مما يخفي النطاق الحقيقي للاستياء الشعبي. وقالت الحكومة إنّ هناك حاجة إلى فرض قيود لمكافحة الإرهاب والتطرف، وهو رأي تتنازع عليه جماعات حقوق الإنسان وما تبقى من المعارضة.

عبد المنعم أبو الفتوح، السياسي الإسلامي المعتدل الذي حصل على 17% من الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في مصر عام 2012، قال: «الاستقرار الحالي هو استقرار على حافة بركان يوشك على الانفجار، متى سينفجر، لا يستطيع أحد التنبؤ».

وأضاف أبو الفتوح: «إذا حدث ذلك، فلن تكون هناك ثورة تقوم بها الطبقات الوسطى، مثلما حدث في عام 2011. في ظل الظروف الراهنة، ما أخشى أن يحدث هو الفوضى. وإذا حدثت الفوضى في مصر، فإن ذلك لن يشكل تهديدًا للمصريين فحسب بل أيضًا للمنطقة كلها – وللغرب».

صفقة الخبز

قال التقرير: «كل يوم، يصطف الملايين من المصريين في المخابز الحكومية لشراء خمسة أرغفة من الخبز بأقل من 2 سِنْت أمريكي، وهو جزء بسيط من تكلفة القمح. ويمتد الدعم الغذائي إلى نحو 80% من الأسر المصرية».

ويستخدم المزارعون في جميع أنحاء مصر في زراعة محاصيلهم مضخات المياه التي تعمل بمحركات الديزل، وحتى بعد الزيادة التي شهدتها أسعار الوقود في يونيو (حزيران) بنسبة 55%، لا يزال سعر الغالون الواحد لا يتعدى 77 سنتًا، أي أقل من ثلث أسعار التجزئة في الولايات المتحدة.

ونقل التقرير ما ذكره مسؤولون حكوميون من أنه على مدى عقود، تضررت عملية إعادة بيع أسعار الأغذية والوقود والغاز المدعومة من قبل المسئولين للمشترين في مصر وخارجها بشكل غير قانوني.

في عام 1977، حاول الرئيس المصري آنذاك أنور السادات معالجة مشاكل الدعم عندما تبنى سياسة الانفتاح، وتخلى عن الإرث القومي الاشتراكي والقومي العربي لسلفه جمال عبد الناصر. وكجزء من اتفاقية قرض مع صندوق النقد الدولي، أمر السادات بتخفيض الدعم على الخبز والسكر وزيت الطهي. وأدى إعلان خفض الدعم آنذاك إلى اندلاع احتجاجات جماهيرية شلت البلاد. وقُتل العشرات، وسرعان ما تراجع السادات عن قراره.

وقد تعلم خلفه الرئيس حسني مبارك الدرس. وعلى مدى ثلاثة عقود من الحكم، ظل مبارك حذرًا بشأن خفض الدعم حتى في الوقت الذي اتبع فيه عمليات الإصلاح الاقتصادي مثل الخصخصة واتفاقات التجارة الحرة.

وقد اندلعت ثورة يناير 2011 في مصر، جزئيًا، بسبب الغضب حيال مظاهر الفساد والمحسوبية التي رافقت التحرر الاقتصادي لمبارك، واتجهت المشاعر العامة نحو الحنين إلى السياسات الاشتراكية في عهد عبد الناصر.

وقد سُجن العديد من رجال الأعمال البارزين، وتم إلغاء صفقات الخصخصة، وانهارت السياحة – وهي جزء كبير من الاقتصاد. ومع تراجع الاحتياطيات الأجنبية في مصر، أدى النقص في الوقود والكهرباء إلى تعطل النمو.

بعد فوزه في الانتخابات في عام 2012، وافق مرسي مبدئيًا على إجراء تخفيضات على الدعم وفرض ضرائب جديدة خلال المفاوضات مع صندوق النقد الدولي على قرض تبلغ قيمته 4.8 مليارات دولار. وقد دفعته الاحتجاجات العامة إلى التراجع، وانخفضت شعبيته بشدة، تلك التي كانت تتقلص بالفعل بسبب تمسك الإسلاميين بالحكومة. وقد قدمت دول إقليمية مساندة لمرسي، وخاصة قطر وتركيا، مساعدات لمصر بمليارات الدولارات.

أطاح السيسي بمرسي في عام 2013 وانتقل إلى مؤيديه الإقليميين – الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والكويت. هذه الدول الخليجية، وخوفًا من عدوى الربيع العربي، وحرصًا على وقف انتشار نفوذ الإخوان المسلمين، دفعت عشرات المليارات من الدولارات لدعم الاقتصاد المصري. وبحلول العام الماضي، وسط التوترات بين القاهرة والرياض، توقف الدعم أيضًا. وقال التقرير إن تفاقم العجز وتقلص احتياطيات النقد الأجنبي جعل مصر أمام خيار واحد وهو قبول الدواء المرير للصندوق.

اتخذ السيسي قرارًا بتعويم العملة المصرية لتفقد على الفور ما يقرب من نصف قيمتها مقابل الدولار الأمريكي. ثم وقعت حكومته صفقة قرض بقيمة 12 مليار دولار مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني)، تضمنت تعهدًا بخفض الدعم على الغذاء والوقود.

اقرأ أيضًا: بين الأحلام والواقع: كيف يتعامل السيسي مع وعوده للمصريين؟

الخيارات الصعبة

نقل التقرير عن وزير التجارة والصناعة قابيل قوله إن هدف الحكومة هو إنهاء الدعم خلال فترة تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات. وبدلًا من توفير الغذاء المدعوم والوقود لمعظم المصريين، تتجه الحكومة إلى دفع مبالغ نقدية للأفراد، وعلى نطاق أوسع، زيادة الحد الأدنى للأجور والمعاشات التقاعدية.

وفي حي شبرا في القاهرة، نقل التقرير عن فاطمة حسن، وهي أم لطفلين وتبلغ من العمر 35 عامًا، قولها إن دخل عائلتها البالغ نحو 4500 جنيه مصري في الشهر، والذي كان يضمن نمط حياة مريحًا قبل عام لأسرتها، لم يعد يكفي الآن لتدبير احتياجات الحياة اليومية. وقالت فاطمة إن الزيادات الأخيرة في أسعار غاز الطهي المدعوم والزيت والسكر تثقل كاهل أسرتها، وقالت: «نحن لا نعرف ماذا نفعل. هل يريدون منا سرقة بنك؟».

إن هدف الحكومة هو إنهاء الدعم خلال فترة تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات.
وبدلًا من توفير الغذاء المدعوم والوقود لمعظم المصريين، تتجه الحكومة إلى
دفع مبالغ نقدية للأفراد.

وقال نجيب ساويرس، أحد رجال الإعلام، وأحد أبرز أصحاب الأعمال في مصر، إنه بينما تقوم الحكومة بتوفير الأموال من تخفيضات الدعم، مما يجعل أسعار السلع الأساسية موازية لأسعار السوق، ينبغي على مصر أن تكون قادرة على التعجيل بمنح الإعانات النقدية للمصريين الأكثر فقرًا.

واختتم التقرير بقوله: «يبدو أن الفوضى التي اجتاحت مصر ودولًا أخرى بعد الربيع العربي جعلت جهود السيسي في التغيير الاقتصادي مقبولة. بعد أن شهدوا الانهيار الاقتصادي وانهيار القانون والنظام بعد ثورتهم في عام 2011، فإن العديد من المصريين – على الرغم من عدم رضاهم عن برنامج التقشف – هم الآن حذرون من العودة إلى الشوارع مرة أخرى. وقد خلّفت آخر جولة من تخفيضات الدعم في يونيو (حزيران) الماضي احتجاجات بسيطة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد