قبل عامين ارتكب الديكتاتور العسكري المصري عبد الفتاح السيسي أحد أعنف مذابح القتل الجماعي التي ارتكبت في القرن الواحد والعشرين قاطبة، حيث قتل على أقل تقدير 817 مدنيًّا، من بينهم نساء وأطفال.

لم تتم معاقبة أي شخص إثر تلك المجزرة، وبعد مرور 24 شهرًا منذ تاريخ حدوثها، تحتضن أمريكا السيسي كحليف لها، ويُعتبر بطلًا شعبيًّا بين قطاعات داخل الحزب الجمهوري.

مجزرة رابعة: ما حدث

قصة مذبحة رابعة، والتي سرعان ما اشتهرت بهذا الاسم، بدأت قبل تاريخ وقوع المجزرة بستة أشهر؛ في يوليو 2013. إذ وُضِع الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مصري منتخب ديموقراطيًّا على الإطلاق والتابع لجماعة الإخوان المسلمين، تحت الحصار. كانت فترة رئاسته القصيرة جدًّا كارثية للغاية، حيث تحول جزء كبير من الشعب ضده. وفي 3 يوليو/ تموز، ألقى الجنرال عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع الذي عينه مرسي، القبض عليه، وأوقف العمل بالدستور في انقلاب عسكري على الرئيس.

وبينما احتفل العديد من المصريين بالانقلاب العسكري، تظاهر آخرون رافضين إياه. واحتشد أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين فأقاموا اعتصامين سلميين في ميداني النهضة ورابعة العدوية. وعلى مدار عدة أسابيع امتلأ الاعتصام بصور الرئيس مرسي، واتسعت مساحته ليضم آلاف الناس، من بينهم عائلات بأكملها، ولعب الأطفال في أحواض السباحة القابلة للنفخ، وفي قلاع القفز كما في الكرنفالات.

حذرت الحكومة العسكرية المصرية الجديدة المعتصمين مرارًا وتكرارًا أنها ستخلي الميدان وتفض الاعتصام، لكنها تعهدت بأن يتم ذلك بطريقة سلمية ومنظمة. نشر المسؤولين في الحكومة خرائط تبين المخارج الآمنة التي يستطيع المتظاهرون الخروج منها بأمان دون أن يمسهم سوء.

في فجر يوم 14 أغسطس 2013، حاصرت قوات الأمن الميدان. وبينما كان المعتصمون نيامًا، طلبت قوات الأمن إخلاء الميدان. لكنهم سرعان ما أغلقوا المخارج الآمنة التي وعدوا بها من قبل، وبدأت على الفور بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع. مما أدى إلى إحداث فوضى في المخيمات المكتظة بالمعتصمين. وفي الدقيقة العاشرة منذ الإعلان عن إخلاء الميدان، بدأت قوات الأمن بإطلاق الزخيرة الحية على حشود المعتصمين، فحوصر النساء والأطفال والرجال داخل الميدان والمخيمات.

أقامت مجموعة من الشباب المتاريس المؤقتة وألقوا الحجارة على أطراف الميدان، لكن سرعان ما اتضح أن الوضع سيتفاقم أكثر. يوضح هذا الفيديو، وهو واحد من بين العديد من الفيديوهات التي خلفتها وحشية هذا اليوم، رعب مجموعة من الشباب لحظة إدراكهم أن قوات الأمن تستخدم الذخيرة الحية في إخلاء الميدان.
كان العنف يومها مروعًا وسريعًا في نفس الوقت. بحلول المساء، تم إخلاء الميدان بالفعل وخروج معظم المعتصمين الذين ما زالوا على قيد الحياة، لكن بدا واضحًا أن القتلى يملؤون المكان، إذ اكتظت المشارح والمستشفيات الميدانية المجاورة للميدان بما فاق طاقة استيعابها، لدرجة أنهم استخدموا كتل الثلج لتبريد الجثث.

تمكن محققو منظمة هيومن رايتس واتش من توثيق مقتل 817 معتصمًا جراء العنف المستخدم في فض الاعتصام. إلا أن تقديرات عدد القتلى تفوق ذلك الرقم بكثير؛ فهي تتجاوز الألف قتيل، مما يجعل من هذا اليوم، اليوم الأكثر دموية على الإطلاق في تاريخ مصر الحديث، وأبشع معدل قتل جماعي في يوم واحد في التاريخ الحديث.

وعلى الرغم من أن القتل كان في ميداني رابعة والنهضة على السواء، تم اختصارهما تحت ما أشتهر بـ”مجزرة رابعة”. ثار غضب المصريين، وبعد فترة وجيزة خلدوا ذكرى اليوم وقتلاه برفع إشارة الأربعة أصابع، لتصير لاحقًا رمزًا لمذبحة رابعة. وعلى النقيض تمامًا، أتى موقف أجهزة إعلام الدولة الرسمية ومؤيدي السيسي الذين هلَّلوا احتفالًا بقتل المعارضين. لكن استمرت حكومة السيسي العسكرية في سحق أفراد جماعة الإخوان المسلمين. ولاحقًا، انقلبت على بعض القوى الليبرالية التي دعمت الانقلاب في بدايته، كما انقلبت على بعض الصحفيين والمجموعات الحقوقية، ولا سيما أي تحرك آخر من قبل منظمات المجتمع المدني.

وبعد مرور تسعة أشهر، في مايو 2014، استبدل السيسي ادعائه الزائف بأن حكمه الصوري “مؤقت” و”طارئ”، بادعاءٍ زائف واهٍ آخر، ألا وهو ترشحه لانتخابات رئاسية “هزلية”، حيث منح نفسه نسبة 97% من أصوات الناخبين. وخلع زيه العسكري، وجدير بالذكر أنه قد منح نفسه بالفعل رتبة المشير قبل ذلك تقديرًا لشجاعته في قتل النساء والأطفال العزل برابعة.
وارتدى الزي المدني، وأصبح الرئيس المصري حتى يومنا هذا.

احتضان أمريكا للسفاح عبدالفتاح السيسي

يتخلل تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية لحظات من الخزي والنفاق. لحظات تخلت فيها أمريكا بل وتعمدت إفساد قيم الحماية التي تعهدت بها. وسيظل دائمًا احتضان إدارة الرئيس أوباما للسيسي وصمة عارعلى جبين أمريكا، وأحد أشد اللحظات على الإطلاق منذ بداية الحرب الباردة.

بالفعل عارضت إدارة الرئيس أوباما الانقلاب العسكري الذي حدث في يوليو 2013. وقد حاولت منع حدوث الانقلاب العسكري في الأيام التي سبقت حدوثه. أكد تشاك هيغل – وزير الدفاع الأمريكي- حينها مرارًا وتكرارًا تحذيراته للسيسي بألا يمضي قدمًا في الانقلاب. من المعروف بالطبع أن الجيشين الأمريكي والمصري على علاقة وثيقة، وارتبطوا على مدى عقود بالتعاون العسكري وبيع الأسلحة الأمريكية للجيش المصري.

لكن بمجرد أن تولى السيسي السلطة، فجأة لم يكن لدى الإدارة الأمريكية ما تفعله. ورفضت تسمية استيلائه على السلطة بتلك الطريقة بالانقلاب بسبب تبعات تلك التسمية. إذ سيتطلب ذلك وقف المساعدات الأمريكية المقدمة لمصر، وتعتبر مصر ثاني أكبر بلد يتسلم المعونات الأمريكية بعد إسرائيل. وبالطبع سيعرض ذلك الانتفاعات الأمريكية من مصر للخطر: إذ توفر تلك المساعدات التعاون اللازم لمكافحة الإرهاب، والتعاون مع إسرائيل وقطاع غزة، ويعتبر تحالفًا مع أكبر دولة في الشرق الأوسط من حيث عدد السكان.

في 1 أغسطس 2013، أي بعد أسابيع قليلة منذ تولي السيسي السلطة، وقبل أيام قليلة من حدوث المجزرة، في تصريح له في مؤتمر عقد في باكستان، دافع جون كيري وزير الخارجية الأمريكي عن انقلاب السيسي قائلاً: “في الواقع، كان ذلك بمثابة استعادة لديموقراطيتهم”.

لم يتمكن البيت الأبيض من تجاهل الاشمئزاز والسخط العالمي من عمليات القتل الجماعي عقب حدوث المجزرة. وبعد حوالي أسبوع، الفترة التي ربما تبدو هينة الآن بعكس ما بدا حينها وسط معمعة الأحداث، إذ بدا حينها وكأنه صمت فج عن حتى إدانة مرتكبي المجزرة، أعلن أوباما في خطابٍ له أن الولات المتحدة ستعلق مؤقتًا المساعدات العسكرية للنظام المصري.

منذ ذلك الحين، أحكم نظام السيسي قبضته، وضيق الخناق على جميع شرائح المجتمع، واعتقل الصحفيين وعمال الإغاثة بما في ذلك الغربيون. وحاول سحق جماعة الإخوان المسلمين من الوجود. علاوة على صدور حكم قضائي بإعدام الرئيس مرسي، وتلى كل ذلك بالطبع انتخاباتٍ صورية في 2014، حيث رشح السيسي نفسه لرئاسة البلاد.

ربما توقع البعض أن تستجيب السياسة الأمريكية الخارجية بطريقة نوعية، فترفض نظام السيسي، وخاصة بعد تفاقم استبداده على مدى العقدين الماضيين. وتتم معاقبته على انتهاكات حكومته، فتنأى السياسة الخارجية الأمريكية بنفسها عن هذا الديكتاتور المتقلب وجرائمه. لكن عوضًا عن ذلك، حدث العكس، إذ رحبت الإدارة الأمريكية بحفاوة بالسيسي، ففي مارس الماضي أعادت الولايات المتحدة المعونات الأمريكية لمصر، بعد أن قامت بتجميدها عقب المجزرة كنوع من العقاب، وذلك على الرغم من عدم تحرك حكومة السيسي لمعاقبة مرتكبيها. ولم يقم كيري فقط بمقابلة السيسي، بل وأعلن صراحةً عن دعمه له، وكما يبدو أن الإدارة الأمريكية ترى في حكومة السيسي الديكتاتور سبيلاً نفعيًّا من حيث استئناف محادثات السلام بين إسرائيل وفلسطين.

لو أن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية تعلمت الدرس من خلال دعمها للديكتاتور المصري حسني مبارك طوال عدة عقود، والذي تمت الإطاحة به عقب ثورة يناير 2011، فهي بصدد عقد تحالف مع الشيطان مرة أخرى. السيسي مثله مثل مبارك، شريك في الجهود الأمريكية لمكافحة المتطرفين العنيفين في قطاع غزة، وشريك في القضايا السياسية الإقليمية، فمصر صاحبة نفوذ فعال في المنطقة.

الجمهويون والسفاح السيسي

من الصعب حقًّا تحديد أيهما مخجل أكثر: قرار إدارة الرئيس أوباما بتجاهل مساوئ وجرائم السيسي والتغاضي عنها، وتحالفها مع السيسي، أم تنامي الاتجاه الداعم السيسي بين عناصر الحزب الجمهوري، بل والاحتفاء به على أنه بطل شعبي.

ولكي أكون واضحًا، دعم الحزب الجمهوري للسيسي ليس موقفًا عامًا للحزب، إذ يوجد تيار من المحافظين جدد في الحزب، من بينهم السيناتور جون ماكين والمرشح الرئاسي ماركو ريبو، الذين اتخذوا موقفًا مبدئيًّا حقيقيًّا ضد السيسي. في أواخر عام 2013، على سبيل المثال، قام روبيو برعاية تشريع لتمديد تعليق المساعدات الأمريكية لمصر. وفي وقت سابق من هذا العام، تكونت مجموعة من الحزبين من أعضاء مجلس الشيوخ، بما فيهم ربيو وماكين، ووقعوا بريدًا إلكترونيًّا لجون كيري، يحثونه على الضغط على السيسي بشأن انتهاكات الحقوق الإنسانية والسياسية في مصر.

إلا أنهم ظلوا الفئة المتطرفة للحزب الجمهوري، والتي لم تحتضن السيسي، بل على النقيض من باقي الحزب. يتماشى تفكير معظم من بالحزب الجمهوري مع نمط تفكير إدارة أوباما، وإيمانها بأن السيسي نافعًا لها لدرجة التورط في تحالف معه.

وعلى الجانب الآخر يرى البعض أن السيسي شخص جدير بالاحتفال والاقتداء به، واصفين إياه بالبطل الشعبي. ولعل أكثر ما يثير القلق هنا هو أن هذا المديح عادةً ما يكون على طريقة تعامل السيسي مع الإسلاميين، والذي يستدعي للأذهان المجزرة الشهيرة واتخاذه قرار قتل مئات من المدنيين الإسلاميين العزل في شوارع القاهرة.

فتلك المواقف من قبل اليمين المتطرف، والجناح المسيحي الإنجلي داخل الحزب الجمهوري، تعود إلى أحداث مجزرة رابعة نفسها. ففي بداية شهر سبتمبر، أي بعد ثلاثة أسابيع فقط من المجزرة، ظهر في القاهرة ثلاثة أعضاء من الكونجرس ينتمون للحزب الجمهوري، إذ باركوا ودعموا حكومة السيسي. هذا وقد عرض تسجيل فيديو غريب ومثير النائب ميشيل باخمان ولوي جوهمارت وستيف كينج، أثناء رحلتهم للقاهرة وفيه يشيدون بأداء قوات الأمن المصرية “في الخطوط الأمامية”، ويحثونهم فيه على اتخاذ مزيد من الإجراءات الصارمة ضد الإخوان المسلمين، الذين أطلق عليهم باخمان في نفس الفيديو “الشر الأعظم”.

في ذلك الوقت، بدت تلك التحركات على أنها تحركات هامشية محرجة، وكانت كذلك بالفعل، لكن تنامى لاحقًا تصوير السيسي على أنه حليف هام لأمريكا في حربها ضد الخطر الإسلامي. ومنذ ذلك الحين تم توفير غطاء براق للسيسي وأفعاله، وتوفير المقابلات التليفيزيونية على شبكة فوكس الإخبارية، ولا سيما وفرت له العديد من المخارج. فعلى سبيل المثال، في مارس 2015، كتب بريت ستيف – كاتب عمود وصحفي في صحيفة وال ستريت- مقال أشاد فيه بالسيسي، بعنوان: “مجدد الاستبعاد الإسلامي”.

وعلى سبيل المثال أيضًا، يقول مايكل هاكابي في حوار تليفزيوني له في فبراير الماضي: “الحمد لله على نعمة السيسي في مصر”. وأثناء المناظرة الرئاسية الأخيرة للحزب الجمهوري، أعلن السيناتور تيد كورز أن أمريكا “بحاجة إلى رئيس مسلم يتحلى بالشجاعة مثل السيسي، يتعامل مع المسلمين المتعصبين على أنهم إرهابيون يهددون العالم”.

فالتعجب الواضح من قبل الجمهوريين من أن رئيسًا ديكتاتوريًّا علمانيًّا سيعارض الإسلاميين هو حقًّا محير، فبالنظر إلى تاريخ أباطرة المنطقة، والذين لطالما ارتكبوا الفظائع لقرون عدة، نجد أن معظمهم كانوا بالفعل حلفاء أمريكيين، مثل نظام مبارك في مصر، ونظام زين العابدين بن على، أو حتى حكومة الجزائر العسكرية. ويشمل ذلك أيضًا أعداء أمريكا بالمنطقة، مثل بشار الأسد، ومن قبله والده الطاغية حافظ الأسد، أو معمر القذافي في ليبيا، ولعل أحد أسوأ الحكام كرهًا للأمريكين كان صدام حسين في العراق كان هو الآخر حليفًا؛ والسيسي ليس إلا مجرد تابع يكمل مسيرة التحالف مع أمريكا. لذا، فإن تعامل الجمهوريين معه باعتباره بطلًا ثائرًا أمر محير.

حتى جيب بوش، على الرغم من حرصه على عدم إظهار السيسي على أنه حليف إستراتيجي لأمريكا، وعوضًا عن ذلك يظهره على أنه نموذج للقيم الأمريكية. فيقول في فبراير: “ألقى السيسي خطابًا رائعًا عن التطرف الإسلامي، مضيفًا أنها مسؤولية تقع على عاتق العالم العربي كله، وتعتبر تلك أحد أهم الخطواط الأولى للتعامل مع هذا الموقف، في بلدان مثل مصر”. وقد انتقد بوش أوباما لعدم احتفائه بالسيسي بما يكفي.

هذا التملق من قبل الإدراة الغربية لنظام السيسي باعتباره مخلص الشرق الاوسط، يعكس اعتقادًا يكاد يكون مخفيًا بأن ليس المسلحين المتعصبين فقط هم عدو أمريكا، بل الأطفال أيضًا. وفي ضوء هذا الاعتقاد، مجزرة السيسي بحق الإسلاميين العزل ليست مجرد أمرًا تتغاضى عنه إدارة أوباما والعديد من الجمهوريين، بل يعتبرونه جزءًا من سحر النظام.

ولحسن الحظ، من المستبعد أن يصل أي من مؤيدي السيسي في اليمين المتطرف للرئاسة. ولكنه مؤشر مقلق يشير إلى ارتياح الأمريكيين، وقبولهم للقتل الجماعي بتلك الكثافة، وبوجود قلة متطرفة تعارض ذلك داخل كلا الحزبين، يتمحور الجدل السياسي القائم الآن حول كون دعمنا المادي والسياسي للرجل الذي ارتكب مجزرة بحق أكثر من 1000 شخص أعزل من بينهم النساء والرجال والأطفال في يومٍ واحدٍ – في أغسطس 2013-، كافٍ أم لا؟
.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد