فوجئ سُكَّان نيويورك برؤية لوحات إعلانية تُبشِّر بـ«هدية مصر للعالم»؛ والتي تُعَد جُزءًا من حملة علاقات عامة لإلقاء الضوء على مشروع توسيع قناة السويس الذي انتهى للتو. الغرض الواضح للحملة الإعلانية هو الادِّعاء بأنَّ مصر ستُنعِش الاقتصاد العالمي، على الرغم من وجود شكوك هامة بين الخبراء عمَّا إذا كان المشروع منطقيًّا من الناحية الاقتصادية.

من الواضح أنَّ زعيم مصر؛ عبد الفتاح السيسي، لا يريد فقط أن يحيا المصريون حياته الخيالية وفي عالمه الخيالي، بل إنَّه أكثر طموحًا، فيريد كذلك أن يشارك العالم بأكمله المصريين في أرض الأحلام. يثير أمر اللوحات الإعلانية الأخيرة في نيويورك تساؤلات واضحة، وأكثرها اتِّصالًا بالواقع هو؛ هل من المنطقي لدولة نامية تعتمد بكثرة على التبرُّعات الدولية (وأكثرها من المُتبرِّعين الخليجيين)، ومدينة بدينٍ خارجي قدره 40 مليار دولار، ويحيا 25% من سُكَّانها تحت خط الفقر، أن تُقدِّم للعالم «هديةً» (حتى إذا لم تكُن مُجسَّدة حقًّا) وقدرها 13 مليار دولار؟

في فيلم The Truman Show الرائع من إنتاج عام 1998، لعب جيم كاري دور «ترومان بيربانك» وهو رجل محاصَر في برنامج تليفزيون واقعي مُصمَّم من أجله. كانت لديه وظيفة جيدة وحياة سعيدة قد يحسده عليها الكثيرون، ولكن عند لحظةٍ مُحدَّدة في حياته المُريحة، أصبح مُتشكِّكًا في حياته المصطنعة وبدأ يسعى لاكتشاف الحقيقة. حثَّه حماسه للسفر واستكشاف حياة جديدة غير المحيطة به على التغلُّب على خوفه من المياه وعبور البحر الصناعي بحثًا عن شيءٍ حقيقي.

على الرغم من أنَّ أغلبية المصريين لا يحيون بالتأكيد الحياة الجيدة التي تمتَّع بها جيم كاري في الفيلم، إلَّا أنَّ هناك تناظرًا بينهما بكل تأكيد، فهم يحيون بسعادةٍ في حياة ترومان! كيف يكون ذلك ممكنًا؟ لقد تشكَّلت شخصيات المصريين المعاصرين وفقًا لتقديرهم الذاتي لأنفسهم وخاصةً الكبرياء الذي يستقونه من إنجازات مصر القديمة.

يتشارك في هذه السمة الثقافية المصريون المُتعلِّمون والأمِّيون على حدٍ سواء، في مجتمعٍ معزول اقتصاديًا. يقبل معظمنا العيش في حياة خيالية ويتشوَّق لإبهار العالم بإنجازات جديدة. أن تدعو مصر بـ «أم الدنيا» هو أفضل مجاملة قد تُقدِّمها لأي مصري، على الرغم من إدراكنا لأنَّ هناك دول أخرى تستحق ذلك اللقب. في الحقيقة، نحن نحب تلك المجاملة لأنَّنا نعرف بوجود تلك الدول الأخرى.

بينما قد تكون الحياة اليومية قاسية على العديد من المصريين لأسباب اقتصادية بحتة (وبغيضة لأولئك الذين يمتلكون مالًا ولكنهم لا يُحبِّون فترات حُكم الدكتاتورية الطويلة)، إلَّا أنَّ حُكَّامنا يستغلُّون حيواتنا الوهمية بقدر الإمكان.

هل تنجح الدعاية؟

يُروِّجون لمشاريع خيالية تستغل كبرياءنا الداخلي ببساطة لاستغلال هذه الحالة. هل ينجح منهج الإيهام؟ يعتمد ذلك كما يتَّضح على ظروفٍ مُحدَّدة، مثل التركيب الثقافي ومدى استعداد المواطنين للإيمان بالروايات الخيالية. ولكن مشكلة حُكَّامنا أنَّ الدعاية حتى عندما تنجح، فهي تنجح مؤقَّتًا فقط، فتأثيرها لا يدوم أبدًا بالتأكيد.

سنتغلَّب نحن أيضًا، مثل جيم كاري في عملية تحرُّر ترومان في فيلم Truman Show، على خوفنا من المياه عند مرحلةٍ ما، وسنعبُر البحر الصناعي. نتيجةً لذلك يواجه الحُكَّام الذين يريدون استغلال هذه الأداة تحدِّيًا حقيقيًّا؛ فهم بحاجة إلى أن يُبقوا مواطنيهم آملين، عبر دفعهم باستمرار إلى مشروع مُزيَّف تلو الآخر، وإلَّا سيفشلوا في إنعاش إحساسهم بالأمل.

لا يمكنك خداع المُستثمِرين

ولكن إن كانت للحملة الإعلانية بنيويورك أي دلالة، فهي أنَّ السيسي قد صوَّب نحو ما وراء هدفه، عليه أن يُدرِك أنَّه قد انطلق في «مهمة مستحيلة» مهما برع في جعل بعض المصريين يُصدِّقون «سحره». فمن الواضح أنَّه يحاول دفع العالم بأكمله إلى قصة خيالية، إلى المدى الذي يجعله يريد أن يجادل بأنَّ المُستثمِرين العالميين يحتاجون إلى أن يُفتَنوا وينجذبوا، وأنَّ مصر تحتاج إلى زيادة قابلية رؤيتها في الأسواق العالمية.

لن تنجح جهوده، فالمُستثمِرون الواقعون في نهاية دورة ازدهار الأسواق الناشئة أكثر وعيًا من الأعوام السابقة، التي كان يُمكن فيها جذبهم بالفعل للانخراط على أساس ادعاءات وآمال تجارية فارغة وغير مُحدَّدة.

سيُدرِك المُستثمِرون العالميون قريبًا أنَّهم يُخدَعون بالدعاية. لا يحتاج المرء للكثير من البحث لكي يكتشف أنَّه قد حدث عددٌ من التوسُّعات في قناة السويس على مدار العقود الماضية -ودون أي دعاية في نيويورك أو في غيرها-. وكانت حتى أكبر وأعرض وأعمق من التوسُّع الأخير. بينما لا يستطيع الرئيس الإشارة إلى دراسة واحدة تُقِرّ بصحة الممر المائي الجديد -اقتصاديًّا- الذي كلَّف المصريين 8,2مليار دولار (بالإضافة إلى خمسة مليارات أخرى تقريبًا للوفاء بعوائد الشهادات).

سلوك السيسي الشبيه بالفراعنة

على الرغم من أنَّنا نحيا في القرن الحادي والعشرين، إلَّا أنَّ هناك ما يشبه الفراعنة على نحوٍ إيجابي، فبينما كان الحاكم المصري مشغولًا بإنجازه التاريخي الذي يُغذِّي كبرياءه بالأساس، كان ملايين المصريين يعانون يوميًّا من أزمات إنسانية متنوعة. تنتُج هذه الأزمات عن غياب المسكن والوظائف والمياه النظيفة والتأمين الصحي والكثير من الاحتياجات الأساسية الأخرى.

وممَّا يضع ملحًا على الجرح غرق 42 مصريًا في أثناء محاولتهم عبور نهر النيل على متن إحدى عبَّاراتنا العتيقة الخاضعة لإدارةٍ سيئة قبل أسبوعين من حفل افتتاح قناة السويس (الذي تُقدَّر تكلفته بما يصل إلى 30 مليون دولار أخرى).

لنتخيَّل لو لم نعُد نحيا في العالم الفرعوني الذي يشبه Truman Show، كان يمكن إنقاذ حيوات مئات الناس كل عام بتخصيص تكلفة الحفل فقط لشراء عبَّارات جديدة، هذا ما سيفعله القائد الحقيقي. وبدلًا من إعادة توجيه هذا الاستثمار نحو تحسين حيوات المصريين الفقراء والأمِّيين الذين يُشكِّلون الأغلبية العُظمى من السُكَّان، تركناهم فريسةً سهلةً لأتباع الإسلام السياسي. يسعى هؤلاء الإسلاميون إلى إعادة توجيه إحباطات هؤلاء الناس المشروعة وملئهم بالكراهية، وهم ماهرون جدًا في هذا الأمر. يمكن أن ينتج عن ذلك أفعالًا إرهابية في الخارج بسهولة. وللأسف ربما تكون هذه بالفعل هي الهدية الحقيقية التي يمكن لـ «أم الدنيا» أن «تقدِّمها للعالم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد