منذ استيلاء الجيش على السلطة في مصر في ٢٠١٣ قامت الدولة بحظر المظاهرات، وحل الآلاف من المنظمات غير الحكومية، وأحكمت من سيطرتها على الصحافة، كل ذلك تحت اسم محاربة الإرهاب. ولكن في الكواليس تدور معركة أكثر دهاءً، معركة سيطرة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على المساجد في مصر.

في السابق، كانت الدولة المصرية تسيطر على ما يقرب من نصف المساجد في مصر. ولكن السيسي يرى أن النصف الآخر من المساجد هو ما سمح لجماعة الإخوان المسلمين – أعدائه الألداء – البقاء تسعين عامًا وأنه قد آن أوان تغيير ذلك.

لذلك قرر السيسي أن عليه أن يبدأ بالمساجد للقضاء على الإخوان المسلمين مرة واحدة وإلى الأبد. ولكن حملته قد تأتي بنتائج عكسية.

 

(عبد الرحمن)، الذي يبلغ ٣٥ عامًا، يدير محلًا للحلاقة في شارع مزدحم بالقرب من وسط القاهرة. لمدة ١٠ أعوام كان عبد الرحمن يرتاد مسجد الرحمن المقابل لمحله الذي كان يفضله على جامع الرحمة الفسيح في نهاية الشارع. “الإمام رجل بسيط”، هكذا يقول عبد الرحمن. “ولكنه ممتاز جدًا، ولكنه ذهب الآن. لا أعرف لأين”.

اختفى الإمام في فبراير الماضي، وعُلِقت لوحة على باب المسجد تقول أن صلاة الجمعة ستقام في جامع الرحمن فقط وأن أبواب المسجد الصغير ستكون مفتوحة في أوقات الصلوات اليومية فقط. أصدرت وزارة الأوقاف المصرية مرسومًا طُبِق على الفور بحصر المساجد التي تقل مساحتها عن ٨٠ مترًا مربعًا على الصلوات اليومية، لا دروس دينية بعد الآن أو مساعدات للفقراء عن طريق الصدقات والزكاة. أُغلِق مسجد الرحمن و ٢٧ ألف مسجدا آخر بهذه الطريقة.

 

على الرغم من أن هذه المراسيم قد بدأت تدخل حيز التنفيذ قريبًا، فالدولة كانت تعمل لتحقيق هذا الهدف منذ أكثر من عام. في يناير ٢٠١٤ أعلنت الحكومة الانتقالية أنها ولأول مرة منذ عقود، ستبدأ وزارة الأوقاف في تنفيذ قرار يعود لحقبة جمال عبد الناصر يمنع الأئمة غير الأزهريين من الصعود للمنابر مما أدى لفصل ١٢ ألفًا من الخطباء. المسؤولون قرروا أيضًا توحيد خطبة الجمعة، مما يعني أنه أصبح على جميع الأئمة أن يلقوا خطبة عن موضوع محدد سلفًا كل أسبوع.

 

كان أمام الأئمة عدة طرق في السابق ليحصلوا على شهاداتهم. فكان بإمكانهم أن يدرسوا في جامعة الأزهر العريقة والمرموقة، أو الدورات التي تقدمها وزارة الأوقاف، أو في المنظمات غير الحكومية المرخصة مثل الجمعية الشرعية. وبرغم أن المنظمات غير الحكومية كانت تخضع لإشراف وزارة الأوقاف ولكنها كانت تتمتع بالحرية في إعداد طلابهم كما يحلو لهم.

 

وزارة الأوقاف أعلنت أنها ستدير جميع معاهد إعداد وتدريب الأئمة بداية من العام الدراسي القادم. وأن جميع الامتحانات ستدار من قبل وزارة الأوقاف والأزهر فقط. تواصل الدولة المصرية إدماج الأزهر – المؤسسة التي كانت تفخر باستقلالها في السابق – في شبكتها من الوزارات والإدارات.

ظل الأزهر منذ تأسيسه قبل أكثر من ألف سنة الركيزة الأساسية للدراسة الإسلامية المعتدلة، ليس فقط في مصر بل في العالم السني بأكمله. ونتيجة لذلك، فقد تنافس كل حاكم مصري منذ محمد علي من أجل السيطرة على الأزهر ورسالته. وبينما تمكن جمال عبد الناصر من إخضاع الأزهر لوزارة الأوقاف في ١٩٦١ فقد ظل هناك توتر في العلاقة بين الدولة والأزهر على مدى استقلال الأزهر بكيفية تدريس وتدريب طلابه. ولكن الأزهر أصبح أكبر حليف للدولة للقضاء على المسارات غير المرغوب فيها للإسلام منذ صعود الإخوان المسلمين القصير للحكم.

 

حصر الأزهر منهجه تحت القيادة الجديدة للإمام الأكبر (أحمد الطيب) في حدود المذهب الصوفي الأشعري، وهو فرع معتدل من الإسلام يناسب رؤية النظام الحالي لدولة مسلمة حديثة. “في السابق، لم يفرض الأزهر هوية واحدة لنفسه” يقول (جورج فهمي) وهو باحث في مركز (كارنيجي) للشرق الأوسط: “كان هذا يترك الملعب مفتوحًا أمام الإخوان والسلفيين. يريد أحمد الطيب أن يجعل الأزهر أكثر تركيزًا”. إذا تم تطبيق القانون الذي يفرض على الأئمة أن يتم تأهيلهم في الأزهر أو وزارة الأوقاف فإن ذلك يضمن للأزهر توحيد مصر تحت هوية أزهرية واحدة، وأن الدولة ستنجح في القضاء على أصوات المعارضة السياسية.

 

“الوزارة تحاول الآن فرض السيطرة الكاملة على جميع مراكز التدريب الدينية، ليس فقط الإشراف بل السيطرة الكاملة،” يتابع (فهمي): “لم يكن من الضروري على الأئمة اجتياز الامتحانات في السابق. كان يكفي الإمام أن يتلقى تأهيلا في مركز غير حكومي ثم يصبح إمامًا في أحد المساجد التابعة للمركز. حتى بدأت وزارة الأوقاف في محاولة للسيطرة على جميع المساجد وجميع الأئمة وهو ما يشمل أيضًا  تشكيل الأئمة”.

 

عندما تدخل هذه القوانين حيز التنفيذ الكامل ستكون للدولة المصرية سيطرة كاملة على من يقوم بالوعظ الديني، وأين يقوم به، وما المسموح له بقوله. وكمركز لتدريس الإسلام السني فإن تبعات ذلك الأمر ستتخطى حدود مصر. يتم هذا كله تحت ذريعة مكافحة التطرف والإرهاب – وهي الحملة التي بناءً عليها دعا البعض لمنح السيسي جائزة نوبل للسلام، ولكنها هي أيضًا التي تمنحه القدرة على سحق جماعة الإخوان المسلمين، عدوه الأخطر.

 

في حي الكوم الأخضر بالجيزة، كان مسجد الإيمان المتواضع مركزا لتجمعات الأهالي لمدة ١٥ سنة حتى قررت وزارة الأوقاف إغلاقه قبل شهرين. (وليد) الذي يمتلك محلًا في شارع المسجد اعتاد ارتياد المسجد منذ اليوم الأول لتأسيسه. كان الأهالي يتناوبون إمامة الصلوت وخطبة الجمعة في البداية قبل أن يستقروا على الشيخ (مصطفى) ليصبح إمامًا للمسجد. عندما أغلقت وزارة الأوقاف المسجد فإنها منعت الشيخ (مصطفى) من الخطابة وهددته بالحبس إذا خالف ذلك الأمر. ولكن الشيخ (مصطفى) رفض الانصياع لهم وأصبح يلقي الدروس – سرًا – في مسجد لم يتم إغلاقه بعد على الجانب الآخر من الجيزة.

 

“الكنائس تتمتع بحرية أكبر من المساجد الآن” يضيف (وليد)، “رجال الأمن الوطني لا يستطيعون دخول أي كنيسة، ولكنهم يقتحمون المساجد ويعتقلون المصلين.” يحضر (وليد) خطبة الجمعة في جامع (التوحيد والنور) الآن. هناك، يجلس على حصيرة خارج الجامع ويستمع للخطبة عبر مكبر الصوت. يقول أن أهالي الحي يشعرون أنه تم انتزاع شيء منهم. “يشعر الناس أنهم لم يعودوا قادرين على التعبير عن دينهم. الأمور تحت حكم السيسي أكثر قسوة أكثر من أي وقت مضى”.

 

في حين أن القوانين التي تحكم الدين في مصر لم تتغير منذ عقود، فإن هناك تغييرًا ملحوظًا في تفسيرها وتطبيقها منذ وصول السيسي للسلطة وفقًا لعمرو عزت من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. يضيف عزت أن القانون المصري غامض عمدًا حول موضوع التعددية الدينية، مما يجعل من الممكن استخدام التشريعات لتتناسب مع جدول الأعمال السياسي الراهن. “القانون المصري لا يحمي التعددية الدينية عندما يتعلق الأمر بالإسلام. وهو يشير إلى الأئمة كمجموعة واحدة ويعطي الدولة الحق في الإشراف على مشاريعهم الدينية. وذلك حتى تتمكن الدولة من دفعهم في اتجاه واحد”.

 

المشكلة، وفقا لفهمي، الباحث بمركز كارنيجي، هو أن هذه القوانين يصعب تطبيقها. “حتى في عهد جمال عبد الناصر، عندما كانت الدولة أقوى بكثير مما هي عليه الآن، فإنها لم تتمكن من تنفيذها. تخيل الأمر الآن. القوانين موجودة ولكنها دومًا إشكالية التنفيذ”.

 

مثال على ذلك: مسجد (الدعاء) في حي الدقي في الجيزة. مسجد الدعاء عبارة عن غرفة بلا نوافذ في حجم مرآب محشور بين اثنين من المباني السكنية. المسجد أقل كثيرًا من الحد الأدنى لمساحة المساجد المحددة بثمانين مترًا مربعًا، والشيخ (أنور) إمام المسجد رصيده من التأهيل الديني يساوي صفرًا سواء كان تأهيلًا أزهريًا أو حتى غير ذلك. في الأوقات التي لا يؤم فيها الشيخ (أنور) المصلين أو لا يخطب الجمعة يعمل ذلك الشاب الهادئ ذو اللحية المدببة كعامل توصيل في محل بيتزا. على الرغم من هذا، فمازال (أنور) مستمرًا في إمامة المصلين في مسجد (الدعاء) الذي لم يتم إغلاقه بعد. “سمعت بقرار وزارة الأوقاف،” يعلق (أنور)، “هم يتخذون مثل تلك القرارات في بعض الأحيان، ولكنهم لا يقومون بتنفيذها”.

 

ليس تنفيذ تلك الإجراءات مستحيلًا فقط، ولكنه قد تكون له عواقب وخيمة. يقول فهمي “سيؤدي ذلك الأمر إلى نشأة سوق موازية. سينشأ مجال ديني موازٍ حيث لا يذهب الناس للمساجد لأنها لا تخبرهم إلا بما تريد الدولة منهم سماعه وسيذهبون لجلسات خاصة عوضًا عن ذلك”.

فهمي الذي تتركز أبحاثه في الوقت الحالي على مكافحة التطرف بين الشباب يرى أن هذه القيود التي تم فرضها لمحاربة التطرف ظاهريًا ستؤدي لنمو أسرع للأفكار المتشددة. “ستنتشر الأفكار المتطرفة بشكل أسرع، لأن أحدًا لن يمكنه السيطرة على ذلك المجال الموازي، لا الدولة ولا آباء الشباب الذين لن يعرفوا أين يذهب أبناؤهم. هذا هو الخطر الحقيقي”.

 

يقول (عزت) أن الهدف من السيطرة على المساجد مثله مثل غيره من الإجراءات الواقعة على أجندة السيسي تهدف فقط إلى تقويض نفوذ الإخوان المسلمين، ولكن من المرجح أن تفشل الدولة حتى في ذلك. “في الواقع فإن مركز نشاط الإخوان ومن حولهم ليس المساجد بل الجامعات والمدارس والنقابات والجمعيات الخيرية. الإخوان تعودوا بسبب إشراف الدولة على المساجد منذ فترة طويلة أن يعقدوا اجتماعاتهم في المنازل والجامعات”.

 

يرى (فهمي) أن الدولة عليها أن تفعل العكس تمامًا، “إذا كنت ترغب في مواجهة الإخوان أو السلفيين فإن عليك تقوية دور المسجد في المجتمع من خلال إطلاق يده في القيام بالأنشطة وعقد الدروس الدينية”. يخشى فهمي من تحول “الإسلام المشروع” بسبب التضييق المتزايد إلى مجرد “بوق دعائي” للدولة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد