تُرجِم هذا المقال بإذن من كاتبيه «نزار مانيك» و«جيريمي هودج» لموقع «The London Review of Books»

مازال أسياد البيروقراطية المصرية يستخدمون «الصناديق الخاصة» أو حسابات مشبوهة لتحقيق مكاسبهم الخاصة ونهب إيرادات البلاد وتوزيعها على شبكات المحاباة والمنتفعين. قبل إسقاطه والزجّ به في السجن، قام محمد مرسي بمحاولات متواضعة لإصلاح نظام الصناديق الخاصة وإعادة الأموال إلى خزينة الدولة؛ لكنَّ عبدالفتاح السيسي والذي أعلن مؤخرًا «استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد»، لم يتخذ خطوة جادة ضدها. ازدهرت هذه الصناديق تحت حكم السادات في سبعينات القرن الماضي، ثم تزايدت بشكل هائل تحت حكم مبارك في الثمانينات. قد يكون التدخل في شؤون الحدائق السرية للبيروقراطية المصرية والدولة العميقة أو محاولات إزعاجهمها أكثر صعوبةً ممّا يعتقد السيسي أو يدّعي.

للمزيد عن الصناديق الخاصة: القصة الكاملة للصناديق الخاصة، أكبر قضايا الفساد المالي في مصر

طبقًا لتقرير صدر عام 2013 عن المحكمة الأوروبية لمدققي الحسابات، فإن الصناديق الخاصة تحتوي على 4 مليارات يورو (48 مليار جنيهًا مصريًا)، كما أن حجمها الدقيق غير معروف بالضبط، كذلك الأغراض التي تستخدم فيها، والطريقة التي تستخدم بها. تحقيقاتنا تظهر أنه بحلول نهاية السنة المالية 2012-2013، أي عندما قام السيسي بانقلابه، أودعت الهيئات الحكومية المصرية على الأقل 9.4 مليار دولار في ما يقرب من 7000 حساب للصناديق الخاصة. بعض الأموال أنفقت على هيئة مكافآت – أو مدفوعات غير خاضعة للمساءلة – إلى أشخاص في الهيكل البيروقراطي، بما فيها وزارة الداخلية وهيئة قناة السويس والمجلس الأعلى للآثار (والذي يدير الآثار الفرعونية) والسلطة القضائية.

المجلس الأعلى للآثار هو فرع من فروع وزارة الثقافة. يحصل على معظم إيراداته من سياحة الآثار القديمة ( الأهرامات، المتاحف وبقايا الحضارات القديمة) والتبرعات الخاصة – معظمها من أجانب – للحفاظ على الآثار و “ترميمها”. الترميم هو نوع من عمليات الصيانة يجري في المواقع الأثرية وحولها. في منتصف السنة المالية 2010-2011، وقبل بضعة أشهر من الثورة، كان أحد الصناديق الخاصة تقترب قيمته من 120 مليون دولار، وفقًا لأحمد درويش، وزير التنمية الإدارية منذ عام 2004 وحتى عام 2011، الصندوق تلقى أيضًا تمويلًا من مانحين دوليين، كما أخبرنا درويش.

معظم مناقصات حفظ وترميم الآثار فازت بها شركات مملوكة لكبار ضباط الجيش وأمن الدولة المصريين؛ الأمر الذي يقلق «روبرت سبرنجبورج»؛ يعتقد سبرنجبورج أن تلك الشركات لديها سمعة سيئة في ما يخص الرشاوي والمغالاة في الأسعار. سبرنجبورج هو المستشار السابق للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وخبير بشؤون الجيش المصري وعمل عن كثب مع وزارة الثقافة في تنمية التراث. هو وزملاؤه يشيرون إلى أن حساب المجلس تصل إليه عشرات الملايين من الدولارات كل عام، يتم إنفاقها على هوى الوزير، ولا يتم مراجعتها أبدًا عن طريق الجهاز المركزي للمحاسبات. طبقًا لسبرنجبورج كانت الأموال تُقسم بين فاروق حسني (وزير مبارك للثقافة) والدولة العميقة، والخدمات العسكرية والأمنية.

يشغل هشام جنينة حاليًا منصب رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، وهو قاض سابق بمحكمة استئناف القاهرة، عيّنه مرسي لفترة مدتها أربع سنوات باعبتاره قيصر مكافحة الفساد. يبدو أن جنينة هو المستهدف بقانون أصدره السيسي في وقت سابق من هذا الشهر، والذي يسمح لمكتب الرئاسة بإقالة مسؤولي الهيئات الحكومية «المستقلة»، من كبار المسؤولين لصغار الموظفين؛ ما يمثل تحدّيا من السيسي لدستور بلاده. منذ الانقلاب العسكري والإطاحة بمرسي، كان جنينة صارمًا بشكل يستحق التقدير في حربه ضد الفساد، متهمًا بعض أقوى الشخصيات في البلاد بإهدار مليارات الدولارات من عائدات الدولة. في بعض الحالات لديه أدلة موثقة، لكن ربما لن نراها أبدًا.

للمزيد عن الفساد المالي في مصر: السيسي والأربعون حرامي

تحقيقات جنينة ضد الفساد سرية بشكل كبير؛ وتتم مراجعتها فقط من قبل مكتب الرئاسة. تجنب جنينة مؤسستي الرئاسة والجيش في تحقيقاته، مع ذلك فقد كان عليه أن يظهر في الإعلام ليشرح كيف تمت عرقلته تمامًا من قبل المحاكم. هو الآن متورط في نزاع مرير مع أحمد الزند، وزير العدل المعين مؤخرًا من قبل السيسي، بسبب مزاعم بأن الزند وقضاة آخرون كانوا قد تورطوا في بيع أراضي الدولة بسعر أقل من قيمتها. بعد صدور القانون، قال الزند إنها مسألة وقت فقط قبل أن تتم إقالة جنينة.

في الوقت ذاته ادعى جنينة أن لديه أدلة على الفساد في جميع الوزارات التي قام بالتحقيق فيها، فساد تصل قيمته إلى ملايين وحتى مليارات الدولارات. يعتزم جنينة مواصلة تحقيقاته، مهما كانت الصعوبات. يقول جنينة إنه قدم حتى الآن ملفات تخص 933 حالة إلى الهيئات القضائية والتنظيمية؛ كلها أهملت ويغطيها التراب الآن. في مقابلة مع صحيفة الأهرام المملوكة للدولة قال جنينة إنه في السنة المالية الأولى من حكم السيسي تم تهريب 70 مليار جنيهًا من أموال الدولة. من الممكن جدًا أن تتم عرقلة جنينة والإساءة إلى سمعته، لكن قد يكون لديه المزيد ليقوله قبل الإطاحة به.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد