يواجه نظام السيسي تهديدًا من ناحية مُواليه؛ مختلفًا قليلًا عن خطر الإسلاميين والحركات الثورية، ولكنَّه هام بدرجةٍ مساويةٍ لهما. لكي نستفيض في الحديث عن هذا الموضوع، علينا التأمُّل في حاشية السيسي التي يمكن تقسيمها إلى معسكرين؛ يشمل المعسكر الأول مؤسَّسات الدولة النظامية مثل الهيئات الأمنية والقضاء والسلك الدبلوماسي والجيش بالطبع، بينما يتكوَّن المعسكر الآخر من رموز الحزب الوطني الديمقراطي السابقة بالإضافة إلى زعماء رجال الأعمال الذين يتحكَّمون في التأثير الإعلامي في مصر. على الرغم من تضمُّن كلٍ من هذين المعسكرين، وربما كلٍ من تلك المؤسَّسات بعض الخلافات والنزاعات الداخلية بين أجنحتها القوية على العديد من القضايا، إلَّا أنَّهم ما زالوا يُشكِّلون سويًّا في تناغمٍ دعامةً لنظام السيسي.

إنَّ الديناميكيات التي صنعت تلك المؤسَّسات ما تزال ثابتةً تقريبًا منذ انقلاب 1952 بالرغم من بعض التغيُّرات الصغيرة التي تفرضها أساليب القيادة السياسية المتلاحقة المختلفة. تعمل مؤسَّسات الدولة من جانبٍ على تأمين النظام الحاكم، بينما يقوم الإعلام الخاص من الجانب الآخر بالدعاية اللازمة لدعم قراراته والترويج للحكومة بغض النظر عن جودة أدائها.

يشمل المعسكر الأول مؤسَّسات الدولة العجوز التي لا تعمل مُقيَّدةً فقط بالفساد المتفشِّي، ولكن كذلك بالعقليات الجزيرية المنعزلة التي أعاقت تطوُّر التفكير الإبداعي والتنمية الهيكلية التي كان يمكنها أن تساعد تلك المؤسَّسات على الازدهار والنمو. وبالتالي جعلت حالة الركود تلك المؤسَّسات غير مؤهلة ومتعنتة وغير قادرة على التعامل مع التحديات الحالية.

أصبحت الدولة منذ 25 من يناير 2011 مُجبَرة على التعامل مع تحديات صعبة تعتمد على تكنولوجيا متطوِّرة، ولكنَّها لم تستطِع معالجة الأحداث التي تتكشَّف أمامها لأن القوى العاملة بها غير مُدرَّبة ولا مستعدة. لم يكُن الأمر في الحقيقة مُجرَّد عدم القدرة على معالجة الأمور، ولكن الموظفين عجائز ومتعنتون للغاية لدرجة أنَّهم لم يكونوا حتى واعين بضرورة تحسين طرقهم العتيقة لكي يجاروا العالم الخارجي.

تكشف حقيقة استخدام المجلس العسكري حلولًا عتيقة للتعامل مع انقلاب 3 من يوليو عن «عقلية الجزيرة» التي تتَّسم بها مؤسَّسات الدولة. كانت من الممارسات الشائعة لديكتاتوريي مصر المتتاليين في أوقات الأزمات إذاعة أغانٍ وطنية على مدار الساعة، ونشر تصريحات مؤيِّدة للجيش على لسان المشاهير، والأهم من ذلك إشاعة الأساطير حول دور جنرالات الجيش في إنقاذ مصر من هلاكٍ خفي. استُخدِمَت الطرق ذاتها منذ 1952 وحتى الآن مرارًا وتكرارًا مع تغييرات بسيطة، ممَّا تسبَّب في تراجعٍ غير مسبوق.

أخضعت هذه العقلية المنطقَ لها وقاومت التطوُّر والإصلاح، وقوبِلَت حتى المحاولات القليلة لتطبيق حلولٍ تقدُّمية حديثة في المراتب العُليا في تلك المؤسَّسات بالرفض والمقاومة، مثل تعيين العالم المصري البارز د.عصام حجي مستشارًا لرئيس مصر المؤقت. تصادف تعيين د.حجي مع الفضيحة العلمية في الجيش المصري الذي ادَّعى امتلاكه اختراعًا طبيًا (كاذبًا) لعلاج الإيدز والتهاب الكبد الوبائي (فيروس سي)، وهو ما كان من المفترض أن يُحسِّن من صورة السيسي على المستوى المحلي والدولي. انتقد د.حجي الاختراع المُخزي بشدة، ونتيجةً لذلك اتُّهِم من قبل تلك المؤسَّسات بأنَّه جاسوس أمريكي وعضو بجماعة الإخوان المسلمين وبالإضرار بأمن مصر القومي.

لقد اقترحت هذه العقلية نفسها على الأرجح قطع الإنترنت في مصر يوم 28 من يناير 2011 بافتراض أنَّ هذا سيهزم المتظاهرين، وكانت على الأرجح أيضًا هي التي أشارت على السيسي باصطحاب مجموعة من المشاهير المحليين معه إلى ألمانيا بافتراض أنَّ هذا سيُغيِّر من الرأي العام الألماني حول الفظائع التي تُرتكَب في مصر.

أطلق هذا الانحراف المؤسَّسي لهيئات الدولة العنان في انتهاك القوانين واللوائح طالما تتبع المعايير المؤسَّسية التقليدية. سيتمتَّع ضابط الشرطة بالحرية والتأييد في اعتقال طفل في السابعة عشر من العمر على أساس اتهامات بالإضرار بالأمن الوطني، وسيُصدِّق المُدَّعي العام على القضية، وأخيرًا سيضع القاضي ملحًا على الجرح بالحُكم على الطفل بعقوبة الإعدام. هذه قصة حقيقية حدثت لأحمد زغلول؛ وهو طفل حُكِم عليه بالإعدام في المنيا بصعيد مصر.

يشمل المعسكر الثاني أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي السابقين وزعماء رجال الأعمال الذين يتحكَّمون في الإعلام. لا يعاني الإعلام المصري – على عكس مؤسَّسات الدولة – من البيروقراطية العقيمة ولا من أسلوب العمل القديم، ولكنه يعاني من الصلات بين مصالح الحكومة ومصالح زعماء رجال الأعمال، والتي تُلزم الصحفيين بتغطية أشخاص معينين بتعاطفٍ على حساب آخرين.

من الواضح انحياز الإعلام للتوجه السياسي الخاص بداعميه والمُتبرِّعين له وسيعمل – بطريقةٍ أو بأخرى – لصالحهم، ولكن المشكلة في مصر هي اللاعقلانية واللامنطقية التي سيطرت على إعلامها، إذ يتسابق المذيعون في الهراء، فقال أحمد موسى؛ المذيع التليفزيوني المعروف بتأييده للسيسي إنَّ الإخوان المسلمين دفعوا للإعلام الألماني لانتقاد السيسي.
[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://youtu.be/Wqx6xIFl6GQ” width=”650″ height=”450″ ]

وقال المذيع التليفزيوني تامر أمين مخاطبًا أولئك الذين يشكون ارتفاع الأسعار والبطالة إنَّ عليهم مغادرة البلاد إذا كانت لديهم مشكلة في المعيشة بها.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://youtu.be/N7VMb3xqBSs” width=”650″ height=”450″ ]
لم تعُد هذه النماذج من المذيعين تحتاج إلى تعليمات أو توصيات من نظام السيسي، فنظامهم الدعائي الخاص الذي قد يكون رخيصًا جدًا ومثيرًا للشفقة في العديد من الحالات يُرضي غرور السيسي، ولكَّنه لا يُعبِّر بالضرورة عن رؤية العالم له.

يُلخِّص مشهد زيارة السيسي إلى ألمانيا في يونيو 2015 السريالي أفضل إنتاج جهود المعسكرين من أجل تنقية صورة السيسي العالمية، فأنتجت الطرق العتيقة؛ المُدعَّمة بالدعاية الإعلامية التي لا تتمتَّع بمصداقية على الإطلاق، هذا المشهد الغريب. لم يأمر السيسي بنفسه كل فردٍ بإثبات ولائه له بالقيام بأفعال لا عقلانية بالضرورة، ولكن السيسي – مثله مثل أي ديكتاتور آخر – يسعد بالحجم المتزايد للحاشية المؤيِّدة له. والأرضية المُشترَكة هنا بين المعسكرين هي استخدامهما للطرق التي لا تعجب الجمهور المحلي ولا الدولي، ومع ذلك يستمر المعسكران في استخدامها.

كانت تعمل هذه المؤسَّسات في الماضي بأوامر مبارك الذي كان نظامه خبيرًا في التعامل مع سلوكهم، ولكن في حالة السيسي يعمل مستوى التقصير واللاعقلانية الذي يحيط بنظامه في اتجاه مضاد لمصالحه، فهو غير قادر ببساطة على التحكُّم فيهم لعدة أسباب قد تتنوَّع بين انعدام الرغبة وعدم القدرة على إدراك المشكلة نفسها. السيسي نفسه نتاجٌ لتلك المؤسَّسات، فقد نشأ وتعلَّم في هذه المؤسَّسات ويُشكِّل جزءًا مُكمِّلًا لتعاليمها، لذا فاحتمالية أن يدرك خطر تلك العيوب القاتل – دعك من أن يدرك الحاجة إلى إصلاحها – تظل ضئيلة.

باختصار، تعمل المؤسَّسات العتيقة بسهولةٍ على دعم وضع السيسي العالمي بالإضافة إلى مشروعاته المحلية، ولكن أصبح دورها تهديدًا خفيًّا لسُلطة السيسي بسبب العقليات الجزيرية المنعزلة التي تدير تلك المؤسَّسات. يعتقد المسؤولون في مصر أنَّ بإمكانهم خداع العالم في عام 2015 عبر الترويج لعلمٍ زائفٍ باستخدام نفس الطرق التي استخدمها سابقوهم عندما حكموا تلك المؤسَّسات في الخمسينيات من القرن الماضي! لن يدرك نظام السيسي هذا الخطر القاتل سوى عندما يُخفِّض المجتمع الدولي من وضعه أكثر وعندما ينفد صبر المصريين ويدركون أنَّه لم يتحقَّق أي تطور في أي مجال بما في ذلك الأمن؛ وهو السبب الرئيس لانتخاب الناس للسيسي. عندما يحدث ذلك، سيكون الأوان بالطبع قد فات على الإصلاح.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد