قال تقرير نشرته وكالة «أسوشيتد برس» الإخبارية، إن الاقتصاد المصري يعاني ضعفًا غير مسبوق على مدار الأعوام الخمسين الماضية؛ العملة المصرية مستمرة في الانخفاض، معدلات البطالة كبيرة، والتضخم يتزايد باستمرار. في العادة تخشى الشركات الخاصة تحمل عواقب استثمارات كبيرة في اقتصاد متردٍ كهذا، ربما هذا من الأسباب التي تجعل السيسي يضع على عاتق الجيش مهمة النهوض باقتصاد مصر في مجالات كثيرة.

يحاول السيسي أن يدير مصر كما تدار الجيوش؛ إذ لا نقاشات أو سياسة أو شفافية، فقط أوامر تطاع. خلال عامين من حكمه أشرك السيسي الجيش في مشاريع كثيرة؛ محاولًا الوصول بمصر إلى درجة من الانضباط تنهي أعوام الفوضى. في هذا التقرير، يعرض الكاتب «حمزة هنداوي» تأثيرات تبني الجيش للعديد من المشاريع في البلاد.

لا تقتصر نشاطات الجيش على مجال واحد؛ فنشاطاته تتنوع بين المشاريع الضخمة، وبناء الطرق، وحتى توفير الطعام للفقراء. يشارك الجيش الشركات الخاصة في بناء مشاريع سكنية بتكلفة منخفضة. كما تعمل وحدات القوات المسلحة في مشاريع أخرى على ضمان الالتزام بمواعيد التسليم المحددة وتسريع مدة الانتهاء. أيضًا، بعد زيادة التضخم، وبلوغه نسبة 12.3% أضاف الجيش نشاطًا آخر لنشاطاته؛ إذ قام بافتتاح منافذ لبيع المواد الغذائية بأسعار مخفضة. تولى الجيش مهمة توزيع المساعدات للفقراء، وتطوير المستشفيات، كما سمح للمزيد من المدنيين باستخدام المستشفيات العسكرية.

سرية عسكرية.. وحكم البلاد كجيش كبير

ربما أدت مشاركة الجيش إلى أن لا تسوء الأوضاع في الأوقات العصيبة، لكن ثمة جانب آخر، يتعامل الجيش مع مشاريعه كمهام سرية، وهو ما لا تتطلبه طبيعة السياسة، يحاول السيسي باستمرار فرض السرية على  كل ما يفعله، في يونيو «حزيران» الماضي قال إن بعض مشاريعه لا يمكن الإعلان عنها، ولم يضف تفاصيل أخرى. عندما تحدث وزير الكهرباء في بث تلفزيوني مباشر عن خروج السد العالي من الخدمة، قاطعه السيسي غاضبًا، وطلب منه ألا يعلن هذه التفاصيل. عندما عرض وزير البترول في بث تلفزيوني مباشر آخر خارطة لخط مقترح لأنابيب البترول طالب السيسي بحذفها. قرار هام مثل التخلي عن جزيرتي «تيران» و«صنافير» اتخذ خلف الأبواب المغلقة لـ «تجنب اهتمام الإعلام» كما قال السيسي. في لقاء تلفزيوني طلب السيسي ألا يحدث مزيد من النقاش في هذا الأمر، عندما أراد نائب مناقشته رد قائلًا «اعذرني، لم أسمح لأحد بالحديث».

منذ الانقلاب العسكري الذي وقع عام 1952 تُحكم مصر من قبل قادة عسكريين، 64 عامًا إذن من سيطرة الجيش، لم يتخللها سوى فترة قصيرة، مدتها عام واحد، حكم فيها رئيس مدني البلاد، أطيح به بانقلاب عسكري آخر. منذ عام 1952 وحتى اليوم يبني الجيش إمبراطوريته الاقتصادية التي تتوغل في جميع نواحي الحياة المصرية تقريبًا. أثناء حكم الديكتاتور السابق «حسني مبارك» كان لرجال الأعمال أيضًا استثماراتهم التي جعلت لهم سلطة سياسية قوية، حتى لو كانت ضد رغبة رجال الجيش. بعد انقلاب عام 2013، عندما استعاد الجيش سيطرته على البلاد، وعد السيسي باستعادة الأمن والرخاء.

يقول المحلل السياسي «هشام قاسم» إن السيسي طلب في البداية مشورة الخبراء الاقتصاديين، لكنه قرر بعدها أنهم «يتحدثون كثيرًا ويفعلون قليلًا»؛ فاستعان بالجيش. يحاول السيسي إقناع المصريين أن طريقته هي الوحيدة للوصول بمصر إلى بر الأمان، وإخراجها من حال الفوضى، وإصلاح بنيتها التحتية وتلبية احتياجات سكانها الذين يبلغ عددهم 91 مليون نسمة. تتضمن «طريقته» المطالبة المستمرة للمصريين بالتضحية، خطاباته العاطفية تشمل دائمًا جملًا من قبيل «يعني ما ناكلشي؟ آه ما ناكلشي، يعني ماننامشي؟ آه ما ننامشي، لاجل هيا تاخد مكانها الحقيقي».

بناء تفريعة جديدة لقناة السويس يظهر طريقة السيسي في العمل، كان من المقرر للخطة أن يستغرق تنفيذها 36 شهرًا، لكن السيسي أمر بإنهاء العمل خلال سنة واحدة، وتم له ما أراد بمساعدة الجيش، ثم افتتحت التفريعة الجديدة وسط ضجة كبيرة. يقول «مهاب مميش»، رئيس هيئة قناة السويس، إن من في الجيش يعرفون أنه حين يصلهم أمر من رتبة أعلى يقولون «أفندم». الآثار السلبية لطريقة «أفندم» كانت جلية بعد الانتهاء من القناة التي تجاوزت تكلفتها 8 مليارات دولار، وتساءل الكثيرون عن كونها ذات جدوى أصلًا. بعد كل هذا ظلت عائدات القناة كما هي أو انخفضت بسبب التباطؤ في حركة التجارة العالمية، على الرغم من وعود المسئولين بأن التفريعة الجديدة ستنهمر على مصر بالأرباح.

هل يتمكن الجيش من تحسين الأوضاع بشكل ملحوظ؟

في فبراير (شباط) الماضي أعلن السيسي أن 6000 كيلومتر من الطرق، 113 جسر وثلاثة مطارات بنيت منذ تسلم الإدارة. كما نجح السيسي في خفض معدلات انقطاع الكهرباء، بعد أن أنفق ما يقدر بـ 16.5 مليار دولار على شبكات الكهرباء في مصر. أيضًا تمكن الرجل من رفع الدعم جزئيًا عن المحروقات، دون أن يتسبب في احتجاجات وفوضى. تقدم الدولة دعمًا كبيرًا في مجالات أخرى مما يثقل ميزانيتها، لكن الحكومة مازالت قلقة من رفع الدعم كله.

يرى خبراء اقتصاديون أن الجيش قبل المخاطرة في الوقت الذي كانت شركات القطاع الخاص خائفة فيه، وأن المشاريع التي يقودها الجيش توفر فرص عمل وتحفز الاقتصاد على النمو، لكن خبيرًا اقتصاديًا من دولة غربية تحدث للكاتب، يقول «لا أحد يتعامل حقًا مع  المشكلة، إنهم فقط يحلون أزمة هنا وأزمة هناك، كما لا يعرف أحد من يشير على الرئيس بخصوص الاقتصاد، وهذه مشكلة حقيقية».

على كل حال بقي التأثير الحقيقي لما يفعله الجيش محدودًا نظرًا للأضرار الجسيمة الواقعة على الاقتصاد أصلًا. تراجعت السياحة والتحويلات المالية، جفت الاستثمارات الأجنبية، على الرغم من أنها بدأت تعود تدريجيًا، وتراجع الجنيه المصري بدرجة كبيرة. البنك المركزي اضطر في مارس «أذار» الماضي إلى تخفيض قيمة الجنيه، لكن الخبراء يرون أن قيمته الحقيقية مازالت أقل من ذلك.

مع هذا، تصر الحكومة على إبقاء خططها للتعامل مع الوضع سرية،  مبررة هذا بالحاجة للحفاظ على الأمن الوطني، في حديث تلفزيوني له تحدث السيسي عن «الأشرار» الذين يتآمرون ضد مصر. تواجه البلاد تمردًا مستمرًا من متشددين إسلاميين. يقول «هـ.أ. هيلير» وهو زميل بارز بالمجلس الأطلسي والمعهد الملكي للخدمات المتحدة أن مصر «تواجه تهديدات أمنية كثيرة، تطلب مناقشات أقل وقوة أكثر، سواء وافق المجتمع على هذا أم لم يفعل»، ربما عملًا بهذه النظرية يتخذ النظام إجراءات قمعية صارمة ضد معارضيه ويعتقل الآلاف سواء كانوا إسلاميين أم دعاة للديمقراطية.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد