نشرت مجلة «هيستوري إكسترا»، التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» تقريرًا تحدَّثت فيه عن سيدات لامعات ظَهْرَنَ على مسرح التاريخ وتميَّزْنَ بمواهب مختلفة، ولكنَّ شهرة أشقائهن الذكور حَالتْ دون أن يكرِّمهن العالم على نحو يليق بقدراتهن الفذَّة.

استهلت المجلة تقريرها بالقول: تزامنًا مع إصدار فيلم «إينولا هولمز» في سبتمبر (أيلول) الماضي، الذي يصوِّر مغامرات الأخت الصغرى لشارلوك هولمز (شخصية خيالية لمحقق يتخذ من مدينة لندن مقرًا له، ويساعد رجال الشرطة والمحققين عندما لا يجدون حلولًا للجرائم التي تواجههم)، شيَّدت «نتفليكس» تماثيل لسيِّدات مميزات من تاريخ المملكة المتحدة غطَّت الشهرة الكبيرة لأشقائهن على مواهبهن. وتشاركنا المؤرخة فيرن ريدل بالتعريف بأماكن هذه التماثيل، وما الذي تمتَّعت به تلك السيدات ليُصبحن مستحقات لهذا الاحتفال والتكريم. 

يتساءل التقرير: لماذا تجد الشقيقات أنفسهن غالبًا يعشن في كنف إخوانهن الذكور؟ يأتي هذا السؤال في صميم فيلم «نتفليكس» «إينولا هولمز». والفيلم مُقتبس من سلسلة روايات لنانسي سبرينجر نُشرِت لأول مرة في عام 2006، ويصوِّر الفيلم مغامرات إينولا، الشقيقة الصغرى لشارلوك هولمز، وأدت شخصيتها الممثلة ميلي بوبي براون. ويُجسد الفيلم الأفراح والصعوبات التي تواجهها أي امرأة شابة في إنجلترا أيام العصر الفيكتوري. 

والآن إليك قائمة بالسيدات اللاتي تحتفي بهن «نتفليكس»:

1- فرانسيس إليزابيث ديكنز «فاني»

وُلدت «فاني» عام 1810 وتوفيت عام 1848 واشتهرت بكونها موسيقية محترفة. و«فاني» هي الشقيقة الكبرى للكاتب الإنجليزي المعروف تشارلز ديكنز، وقد وُضِع تمثالها في ساحة جيلدهول بمدينة بورتسموث (مسقط رأس ديكنز)، وسيكون مُواجهًا لتمثال آخر لأحد أكثر مؤلفي بريطانيا شهرة، تشارلز ديكنز. وكانت «فاني»، كما كانت تُعرف بهذا الاسم في عائلتها، موسيقيَّة موهوبة وقضى تشارلز كثيرًا من سنوات عمره الأولى في كنفها. 

وعندما كانت «فاني» بعمر الثالثة عشرة وفي عام 1823، فازت بمقعد في «الأكاديمية الملكية للموسيقى (RAM)» المُفتتحة حديثًا آنذاك في لندن. وهناك درست على يد إسحاق إجناز موشيليس، صديق مندلسون وبيتهوفن. وتعلمت الغناء والبيانو، وسرعان ما تفوَّقت على كل أقرانها، وكان ذلك قبل أن يفكر شقيقها في الإمساك بالقلم والكتابة بوقتٍ طويل.

Embed from Getty Images

كان كثير من أفراد عائلة «فاني» يعتقد أن موهبتها، وليس مواهب أشقائها الأصغر، هي التي ستُمكِّن العائلة من حيازة ثروة مالية. وسرعان ما أصبحت «فاني» معلمة في الأكاديمية الملكية، إضافة إلى كونها موسيقية محترفة، ولكن في عام 1837 تزوجت «فاني» من أحد التلاميذ السابقين في الأكاديمية، هنري بورنيت، وكما كان متوقعًا من زوجة وأم في ذلك الوقت، تركت «فاني» حياتها المهنية على أعتاب الكنيسة التي عقَدت فيها قِرانَها. 

وواصلت «فاني» تأثيرها على عائلتها، وكان ابنها هنري، الذي كان يعاني من حالة صحية سيئة، هو المصدر الذي ألهم تشارلز لرسم شخصية «تايني تيم» في مسرحيته الشهيرة «ترنيمة عيد الميلاد». وكان المرض للأسف ضاربًا بجذوره في عائلة ديكنز، فتوفيت «فاني» بمرض السل وعمرها 38 عامًا تاركةً أخاها الصغير مدمَّرًا إثر وفاتها.

2- ماري هاردي

يلفت التقرير إلى سيدة أخرى هي ماري هاردي التي وُلدت عام 1841، وتوفيت عام 1915، وامْتَهنت التدريس. وأخوها الأكثر شهرة منها هو توماس هاردي، وقد وُضِع تمثالها في مدينة دورتشيستر. وفي دورشيستر، انضم تمثالها إلى التمثال الشهير لتوماس هاردي، مؤلف كتاب «بعيدًا عن صخب الناس». ومع أنها ليست مؤلفة مشهورة، إلا أنها كانت تجمعها رابطة حب عميقة مع الكلمات، وصنعت لنفسها حياة بوصفها امرأة مستقلة أصبحت معلِّمة في العصر الفيكتوري.

ربما لا تبدو هذه المهنة مُفاجِئة بالنسبة لنا، إلا أن خلفية عائلة هاردي هي التي تجعل إنجاز كلا الشقيقين فريدًا من نوعه. وُلدت ماري في قرية صغيرة في بلدية دورست، وكان والدها عامل بناء. أما والدتها، جميما، فكانت طاهية في منزل النائب المحلي. وكانت جميما صاحبة التأثير الأكبر على حياة أطفالها؛ إذ كانت تعتقد أن التعليم، وليس الزواج، هو الذي يجب أن يكون هدفًا لأبنائها. وكان هذا هو ما أشعل حب التدريس في قلب ماري طوال حياتها. وفي عام 1862 كتبت لأخيها رسالة عن وظيفتها الجديدة قائلة: «الراتب 40 جنيهًا إسترلينيًّا في العام، ومنزل مفروش جزئيًّا، ويضم حديقة. ويجب أن أعزف على الأرغن في الكنيسة». 

3- الأميرة هيلينا أوغستا فيكتوريا

وُلدت الأميرة هيلينا عام 1846، وتوفيت عام 1923، وعُرفت بتنظيمها حملات من أجل التمريض. وهي أخت الملك إدوارد السابع، ملك المملكة المتحدة، وقد وُضِع تمثالها في مدينة برمنجهام.

يوضح التقرير أن بهارج العائلة الملكية لم تساعد الأميرة هيلينا كثيرًا لكيلا تطغى شهرة أخيها على شهرتها. وكونها الطفلة الخامسة للملكة فيكتوريا، والملك ألبرت، كانت هيلينا بعيدة جدًّا عن أن تصبح ذات أهمية في سلسلة خلافة العرش الملكي. ولكن في برمنجهام، ومقابل تمثال شقيقها الملك إدوارد السابع، يمكننا لفت انتباه العالم إلى حياتها وعملها الدؤوب في الحملات التي نظَّمتها من أجل الممرضات البريطانيات. 

Embed from Getty Images

وبالإضافة إلى كونها أحد الأعضاء المؤسسين في جمعية الصليب الأحمر الطبية، كانت الأميرة هيلينا رئيسًا مؤسسًا لـ«جمعية تمريض دار العمل» و«الجمعية الملكية الإنجليزية للممرضات (RBNA)». وأثناء الحرب الفرنسية البروسية، أدَّت هيلينا دورًا كبيرًا في تجنيد الممرضات وتنظيم إمدادات الإغاثة للجبهة الأمامية. 

وينوِّه التقرير إلى أن حملتها الحازمة التي نظَّمتها باسم الجمعية الملكية للممرضات بعد الحرب هي التي وضعتها في مواجهة غير متوقعة مع إحدى أشهر ممرضات بريطانيا، فلورنس نايتنجيل (تُعرف برائدة التمريض الحديث). وفي ذلك الوقت لم يكن هناك سجل رسمي للممرضات في المملكة المتحدة، ولا توجد منظمة محددة تنظر في مسائل تدريبهن ومؤهلاتهن. وهذا يعني أن التمريض لم يكن يُعد مهنة نبيلة أو شريفة، بل مهنة معرَّضة للخداع والمغالطات. وفي ذلك الوقت اعتقدت الأميرة أن أحد أهم الأشياء التي يمكنها القيام به هو تقديم الدعم من أجل إنشاء سجل رسمي «لتحسين مستوى تعليم الممرضات ومكانتهن؛ لأنهن المتفانيات اللاتي ضحَّين بأنفسهن، وكرَّسن حياتهن بالكامل لرعاية المرضى، والذين يتجرعون آلام المرض، والذين يحتضرون على فراش الموت». 

إلا أن فلورنس نايتنجيل جادلت بأن هذا الأمر سيستثني سيدات الطبقة العاملة اللاتي لن يستطعن اجتياز الامتحان الكتابي اللازم لإدراج أسمائهن في السجل. ولكن في عام 1919، وبعد عقود من الحملات المتواصلة، شهدت الأميرة تمرير قانون سجل الممرضات، وهو ما شكّل المهنة على الهيئة التي هي عليها اليوم. 

4- ماريا آنا «نانريل» موزارت

وُلدت ماريا عام 1751، وتوفيت عام 1829، وعرفت بموهبتها الموسيقية. وماريا هي أخت فولفغانغ موتسارت، وقد وُضِع تمثالها في مدينة باث. وفي حدائق باريد بمدينة باث، يقع نصب تذكاري صغير للشاب فولفغانغ أماديوس موتسارت، وسينضم إليه الآن تمثال أخته عازفة الهاربسكورد (آلة موسيقية تُعد أحد مراحل تطور البيانو) الموهوبة ماريا آنا «نانيرل» موتسارت.

يذكر التقرير أن نانيرل تكبر فولفغانغ بأربع سنوات، ودُربت منذ سنوات عمرها الأولى لتصبح معجزة موسيقية. إذ طاف بها والدها ليوبولد أنحاء أوروبا كلها، وحتى عندما انضم إليها شقيقها الصغير، كانت نانيرل هي من تتلقى الأجر الأعلى على مدى سنوات، وليس موتسارت. وفي عام 1763 عندما كانت نانيرل تبلغ من العمر 12 عامًا كتب والدها ملحوظة تقول: «إنها تعزف بمهارة لدرجة أبهرت العالم وجعلتها حديث الجميع». 

Embed from Getty Images

وكانت علاقة نانيرل بأخيها موتسارت علاقة بهجة وارتباط عظيمين. فعندما كانوا أطفالًا ابتدعوا عالمًا سريًّا خاصًا بهما أطلقا عليه «مملكة العودة» وحكماه سويًّا. وبينما كانت موهبة موتسارت تنمو، كتب عددًا من الأعمال لأخته لتؤديها بما فيها مقطوعة «Prelude and Fugue 1782 in C,K.394». 

ولكن سرعان ما سُرِقت النجومية من نانيرل؛ إذ مضى قطار عُمْرها في طريقه، ولم يعد الناس ينظرون إليها على أنها طفلة معجزة، بل امرأة. وكانت الفكرة السائدة عن المرأة التي تكسب المال من عملها في الموسيقى معيبة للغاية (كان عليها أن تعزف مجانًا كي تكسب احترام الناس، ولكنها حينئذٍ لن تستطيع كسب المال من أجل أبيها). وهناك بعض الإشارات الغامضة من موتسارت نفسه تشير إلى أن نانيرل بدأت بتأليف موسيقاها الخاصة، لكن للأسف لم يبقَ منها شيء، ونُسِي إرثها الموسيقي مع صعود نجم أخيها عاليًّا في سماء النجومية.

5- إينولا هولمز

وتختم المجلة البريطانية تقريرها مع الأخت الصغرى لشارلوك هولمز، وأقيم لها تمثالًا بجانب شقيقها المحقق الموقَّر في شارع بيكر في لندن. ومع أنها لا تعدو كونها شخصية خيالية في عمل روائي، إلا أن إينولا واحدة من سلسلة طويلة من المحقِّقات اللاتي ربما نسيهن التاريخ.

لم تكن بعض الروايات البوليسية الأولى في الماضي تتحدث عن شارلوك والمحققين الذكور، بل عن أقرانهم من السيدات. فروايات مثل: المحققة الأنثى (The female detective) وتجلِّيات السيدة المحققة (Revelations of a lady detective) التي نُشرت عام 1864 كانت مليئة بقصص المكائد والتحقيقات التي قدَّمتها المحققات في السابق. 

ولم تكن المحققات موجودات على صفحات الأعمال الروائية فحسب، فكثيرًا ما كانت الصحف الفيكتورية تنقل تقارير عن محققات خاصات وُظِّفن لحل قضايا جنائية، حتى من جانب شرطة العاصمة، سكوتلاند يارد، نفسها. لذا فإن لدى إينولا الكثير لتفي به مع بداية رحلة ألغازها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد