يقول نجيب محفوظ، الأديب المصري الحاصل على جائزة نوبل في الأدب، في رواية «خمارة القط الأسود»: «إما أنَ الذاكرة خدَّاعة كاذبة تختلق ما لا أصل له. و إما أنَّ الدنيا تتغير بقوةٍ لا ترحم الذكريات». لم يدرس محفوظ علم النفس والإدراك، لكنَّه خاض في تجارب الحياة وبحور الثقافة ما يكفي ليتوصَّل إلى استنتاجٍ بالغ الدقة كهذا. وهو استنتاجٌ يتَّفق في جزءٍ منه مع رؤية ديفيد روبسون، الصحفي بهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، الذي يسرد في السطور التالية ستة حقائقَ غريبة عن ذاكرة الإنسان. فحاول أن تتذكَّرها جيدًا:

 

1- يستحيل استعادة ذكريات سنواتك الأولى.. لكنَّ الكثيرين يظنون أنَّ بإمكانهم ذلك

Embed from Getty Images

 

يشير روبسون إلى ما كتبه الفنان الإسباني سلفادور دالي في مذكراته: «أفترض أنَّ قُرَّائي لا يتذكَّرون على الإطلاق، أو يمتلكون ذكرياتٍ مُشوَّشة، عن تلك الفترة بالغة الأهمية من وجودهم، وهي الفترة التي سبقت ولادتهم وتجلَّت في أرحام أمهاتهم. لكنَّني أتذكَّر تلك الفترة، نعم، وكأنَّها كانت البارحة».

 

كان دالي يأمل أن تُساعد ذكرياته الخاصة عن «الجنة الإلهية» غيره من الناس على استعادة تلك اللحظات المفقودة من حياتهم قبل ولادتهم.

 

مترجم: وداعًا للبصماتِ وكلمات المرور.. أفكار دماغك شفرة المستقبل

 

في الواقع، كانت ذكريات دالي في مُجملها ناتجةً عن خياله الخصب. ويرى العلماء اليوم أنَّه من المستحيل استعادة ذكريات السنوات الأولى من حياتك، وكذلك ذكرياتك عن الوقت الذي قضيته قبل ميلادك. إذ أنَّ كثيرًا من البنى الضرورية للذاكرة في المخ لم تكن قد نضجت بعد في ذلك الوقت، مما يعني أنَّه من المستحيل فسيولوجيًا أن تحتفظ الذاكرة بالأحداث الشخصية من الطفولة المبكرة وحتى مرحلة البلوغ. وعوضًا عن ذلك، فإنَّ أي ذكرياتٍ من ذلك الوقت هي وهميةٌ أو «ذكرياتٌ زائفة»، مكونة من أجزاء من الخبرات والمعارف الأخرى التي اكتسبناها في وقتٍ لاحقٍ من حياتنا.

 

2- ذاكرتك قد تعتمد على درجة حرارتك

 

Embed from Getty Images

 

يذكر مقال «بي بي سي» أنَّ علماء النفس يقولون إنَّ الذاكرة البشرية «تعتمد على السياق». ولفهم معنى ذلك، تخيَّل تجربةً تطلب من المشاركين فيها وضع أيديهم داخل دلوٍ من الماء المُثلَّج، وهي تجربةٌ غير مُريحةٍ إلى حدٍ كبير، ثم حفظ قائمة كلماتٍ عن ظهر قلب. وفي وقتٍ لاحق، إثر إجراء العديد من الاختبارات، وجد الباحثون أنَّ ذاكرة المشاركين تتحسَّن إذا وضعوا أيديهم في دلوٍ آخر مليء بالثلج.

 

أظهرت الدراسة أنَّنا نتذكر الحقائق بصورةٍ أفضل حين نُعيد خلق إشاراتٍ بيئيةٍ وفسيولوجيةٍ بسيطة تُذكِّرنا بالوقت الذي حُفِظَت الذكريات خلاله، حتى لو كانت تلك الإشارات لا صلة لها بالذكريات.

 

ويرى روبسون أنَّ هذا هو أحد أسباب قدرتنا على تَذَكُّر أحداث ليلةٍ قضيناها مخمورين بسهولةٍ حين نتناول بعض أكواب الجعة، لكن يصعب تَذَكُّر تلك الأحداث ونحن مُتَّزِنين. ويُمكن أن تُحاول استغلال تلك الإشارات الفسيولوجية في صالحك. إذ يُمكن للأشخاص الذين يلوكون العلكة أو يشربون القهوة أثناء المذاكرة أن يتذكَّروا ما حفظوه بصورةٍ أفضل إذا فعلوا نفس الأشياء في وقت الاختبار. والروائح يُمكن أن تكون مُثيرةً للذكريات أيضًا: لذا حاول أثناء الاختبار أن تضع عطرًا مُميَّزًا يرتبط بمراجعتك قبل الاختبار.

3- التسلسل الزمني لعقلك مُشوَّه

 

Embed from Getty Images

 

يطلب روبسون من القراء أن يأخذوا لحظةً ويحاولوا تخمين الشهور والسنوات التي وقعت فيها الأحداث التالية:

أ- وفاة مايكل جاكسون.

ب- إصدار ألبوم Lemonade لبيونسيه.

ج- لحظة الارتباك الشهيرة في حفل توزيع جوائز الأوسكار، حين حصل فيلم La La Land على جائزة أفضل فيلمٍ بطريق الخطأ.

د- إعلان أنجيلا ميركل أنَّها ستتخلى عن منصب المستشارة الألمانية عام 2021.

 

ويوضح أنَّ إجاباتهم ستأتي على الأغلب بعيدةً كل البعد عن الإجابة الصحيحة، وربما تتبع كلها نمطًا واحدًا في الوصول للإجابة؛ إلَّا إذا كانوا متابعين نهمين للأخبار.

 

مترجم: لهذه الأسباب عليكَ أن لا تكترث لاختبار الذكاء «IQ»

 

إذ أظهرت الأبحاث أنَّنا عادةً ما نُقلِّل من حجم الوقت الذي مضى منذ وقوع الأحداث البعيدة (مثل وفاة مايكل جاكسون) ونُبالغ في حجم الوقت الذي مضى منذ وقوع الأحداث الأخيرة (مثل إعلان أنجيلا ميركل). وتُعرَفُ هذه الظاهرة باسم «الإزاحة الزمنية» أو «temporal displacement». وهي تقضي بأنَّ التسلسل الزمني لعقلك مُشوَّه ولا يتوافق مع التسلسل الزمني الطبيعي.

 

4- هناك فوائد للذكريات المبهمة

 

Embed from Getty Images

 

يطلب المقال منك أن تحاول رسم صورةٍ لصديقك المفضل من الذاكرة. أو وصفه بأدق تفصيلٍ ممكنٍ دون النظر إلى صورته. ستجد أنَّك نجحت على الأغلب في وصف الملامح العامة، إلَّا إذا كنت تُعاني من عمى تمييز الوجوه، لكنَّ بعض الملامح المُحدَّدة، حتى الرئيسية منها مثل لون العين، ستجد أنَّه من الصعب تحديدها.

 

وهذا مثالٌ على كيفية تذكُّرنا لجوهر الأشياء، عوضًا عن تفاصيلها الدقيقة. ولا يُعَدُّ هذا عيبًا بالضرورة. إذ تتغيَّر تفاصيل الوجه الدقيقة عادةً من يومٍ لآخر، لكنَّ الانطباع العام أو الجوهر يظل ثابتًا، مما يعني أنَّك ستتعرَّف إلى صديقك تحت إضاءةٍ مختلفةٍ أو بتصفيفة شعرٍ أخرى. (وبالمناسبة، حتى ذاكرتنا عن مظهرنا الشخصي ليست دقيقةً تمامًا، ونميل إلى تَذَكُّر وجوهنا على أنَّها أكثر جاذبيةً من الواقع).

 

5- ثقتك الزائدة في دقة ذاكرتك لها تكلفةٌ مالية

 

Embed from Getty Images

 

يوضح روبسون أنَّه في حال حاولت رسم أو وصف وجهك، ستظُنُّ أنَّك تتذكر تفاصيله أكثر من الواقع بكثير. وكشفت عدَّة دراساتٍ أنَّ غالبية الناس يعتقدون أنَّ ذاكرتهم أفضل من المتوسط، في حين أنَّ ذلك مستحيلٌ إحصائيًا بالطبع.

 

إذ يبدو أنَّنا نميل لرفض ونسيان الأوقات التي خذلتنا فيها الذاكرة، ونُفضِّل استرجاع الأوقات التي نصرتنا فيها، وبالتالي نفترض رجاحتها حين نحتاج للحكم على دقتها. وهذه أزمةٌ كُبرى بالنسبة لضباط الشرطة مثلًا، الذين يُؤمنون بدقة ذكرياتهم لدرجةٍ قد تُؤثِّر على قضيةٍ جنائية. ويُمكن أن يكون ذلك الأمر سببًا لفشل العديد من الطلاب، الذين يُبالغون بتفاؤلٍ في تقدير حجم ما تعلَّموه.

 

ويُشير المقال إلى أنَّنا نُبالغ في الثقة بـ«ذاكرتنا المستقبلية»، وهي قدرتنا على تَذَكُّر فعل شيءٍ في المستقبل. وهذا قد ينطوي على تكلفةٍ مالية. ففي حالة خدمات الاشتراك مثلًا، تستغل الشركات هذه الحقيقة بتقديم نسخةٍ تجريبيةٍ مجانيةٍ لفترةٍ محدودة، تُقتطع بعدها قيمة الاشتراك تلقائيًا من حسابك. ونظرًا للثقة الزائدة في ذاكرتهم المستقبلية، ينسى أغلب الناس إلغاء اشتراكهم بحلول نهاية النسخة التجريبية المجانية.

 

6- ربما تُعاني من فقدان الذاكرة الرقمي

 

 

يُتابع روبسون بالإشارة إلى أنَّ الانتشار الواسع للهواتف الذكية شَكَّل نعمةً كبيرةً لعقولنا. فكِّر فقط في جميع الأحداث المُخزَّنة داخل منشوراتك على فيس بوك وإنستجرام، والتي تمنحنا أرشيفًا ضخمًا من المُحفِّزات على استعادة ذكريات الماضي. لكنَّ الشبكات الاجتماعية تمتلك القدرة على تشويه ذكرياتنا عن الأحداث الماضية. ويعود ذلك إلى الظاهرة التي تُعرف باسم «النسيان الناتج عن استرجاع الذاكرة». فالذكريات تُصبح «متقلبةً» و«هشةً» حين نستعيدها إلى وعينا، فضلًا عن أنها تُعرِّض الذكريات المُرتبطة بها للتشويه. ونتيجةً لذلك، فإن تَذَكُّر عنصرٍ واحدٍ من حدثٍ ما قد يُقوِّي ذاكرتنا بشأن ذلك العنصر، لكنَّه يقودنا على الأغلب إلى نسيان المعلومات المرتبطة به التي لم نتذكرها بفاعلية.

 

ومن السهل أن نرى تطبيقًا عمليًا لذلك على الشبكات الاجتماعية. إذ أنَّ إشعار فيسبوك الذي يلفت انتباهك إلى صورةٍ بعينها من حفل زفاف ربما يقودك إلى نسيان بقية جوانب اليوم. وهذا أمرٌ إشكاليٌ على وجه التحديد، بالنظر إلى أنَّ صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية مصممة لتُقدِّم لنا رؤيةً غير واقعيةٍ لأنفسنا.

 

ويختتم روبسون بتعليقٍ لجوليا شو، أستاذة علم النفس بجامعة لندن البحثية: «بسماحنا للشبكات الاجتماعية أن تُملي علينا التجارب التي يُمكن اعتبارها الأكثر أهميةً في حياتنا، تقوم تلك الشبكات بالتخلص من الذكريات الأقل قيمةً من حيث المشاركة حسب رؤيتها. وفي الوقت ذاته، تفرض علينا الذكريات التي أجمع الناس على كونها الأفضل، وبهذا تجعل تلك الذكريات تبدو أكثر أهميةً وبروزًا مما هي عليه في الواقع».

مترجم: هل تنسى كثيرًا؟ 5 خطوات ستساعدك على تطوير قدراتك الذهنية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد