يبدو أن حزب «العدالة والتنمية» المغربي الإسلامي المعتدل فقدَ السيطرة على البرلمان المغربي، بحسب النتائج الأولية لانتخابات المغرب، وهو ما يمكن وصفه بأحدث الهزائم التي يُمنَى بها الإسلاميون في المنطقة.

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا أعدَّته عايدة علمي، مراسلة الصحيفة في العاصمة المغربية الرباط، ونيكولاس كيسي، مدير مكتب الصحيفة في العاصمة الإسبانية مدريد، سلَّطا فيه الضوء على نتائج الانتخابات المغربية التي أُجريت يوم الأربعاء وأسفرت عن خسارة حزب «العدالة والتنمية» الإسلامي عددًا كبيرًا من المقاعد البرلمانية، ونوَّه المراسلان إلى أن هذه الهزيمة تُعد الأحدث التي يتعرض لها الإسلاميون في منطقة الشرق الأوسط.

هزيمة مدوية وموجعة

في مستهل التقرير، يُشير المراسلان إلى أن حزب «العدالة والتنمية» المغربي الإسلامي المعتدل تعرَّض لخسائر فادحة في الانتخابات البرلمانية التي أُجريت يوم الأربعاء، وهي انتكاسة وهزيمة موجعة تلحق بالإسلاميين في واحدة من الدول التي صعدوا فيها إلى السلطة بعد احتجاجات الربيع العربي. وأدلى المغاربة بأصواتهم في الانتخابات الثلاثية (التشريعية والمحلية والجهوية)، والتي تُعد الأولى في البلاد منذ تفشي جائحة فيروس كورونا.

عربي

منذ 6 شهور
بعد التطبيع والقنب.. أما زال «العدالة والتنمية المغربي» قادرًا على التماسك؟

ويُوضح التقرير أنه على الرغم من أن الأرقام الأولية عن الإقبال على الاقتراع أظهرت أن نصف المغاربة تقريبًا لم يُدلوا بأصواتهم، كانت نتائج الانتخابات واضحة: خسائر حزب «العدالة والتنمية» الإسلامي المعتدل، الذي يتولى زمام السلطة منذ عام 2011، كانت كبيرة في التصويت بدرجة كافية تُفقِده الأغلبية في البرلمان المغربي.

وأظهر فرز معظم الأصوات أن الفائز في الانتخابات المغربية هما حزب «التجمع الوطني للأحرار» (والذي حصل على 97 مقعدًا، بحسب بيانات وزارة الداخلية)، وحزب «الاستقلال» المحافظ، ويُنظر إلى الحزبين على أنهما مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالملك. وأفادت النتائج الأولية أن حزب «العدالة والتنمية» حصل على 12 مقعدًا فقط.

تقلص المساحة المتروكة للإسلاميين

ورجَّح التقرير أن أي تغيير للحرس لن يؤدي إلى حدوث تغييرات كبيرة في سياسات المغرب الذي يتولى فيه القصر الملكي زمام القيادة منذ وقت طويل. تقول سلوى زرهوني، أستاذة العلوم السياسية في جامعة محمد الخامس بالرباط، إنه «بينما يُعد المغرب نظامًا ملكيًّا دستوريًّا رسميًّا، يفتقر البرلمان المغربي إلى صلاحيات الاعتراض على إرادة الملك محمد السادس». 

وأضافت سلوى أن: «القصر الملكي سيواصل السيطرة على الأحزاب السياسية وتقويض سلطات الحكومة والبرلمان، ووضْع نفسه بوصفه المؤسسة السياسية الفعَّالة الوحيدة في البلاد». لكن نتيجة الانتخابات أظهرت شيئًا واحدًا: تناقص الحيز الذي يحظى به الإسلاميون حاليًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

Embed from Getty Images

ويُشير التقرير إلى أن عديدًا من الأحزاب الإسلامية سُمِح لها بالمشاركة في الانتخابات للمنافسة، بعد اندلاع انتفاضات الربيع العربي في عام 2011 والاحتجاجات الداعمة للديمقراطية، وكانت هذه المشاركة، في بعض الحالات، بمثابة التجربة الأولى لبعض هذه الأحزاب. واستطاعت الأحزاب الإسلامية الفوز باكتساح بالمقاعد البرلمانية في بعض الدول، وتمكنت بعضها من الوصول إلى السلطة في دول أخرى، ومنها المغرب، حيث ساعدت الإصلاحات، التي نفَّذها الملك محمد السادس، على تمهيد الطريق أمام حزب «العدالة والتنمية» لتشكيل حكومة ائتلافية.

إسلاميو المغرب وقليل من السلطة الحقيقية

يُنوِّه التقرير إلى أن التيار تحول مؤخرًا ضد الإسلاميين. فقد أطاح انقلاب الجيش المصري حكم جماعة الإخوان المسلمين والرئيس محمد مرسي في عام 2013، مما أفسح المجال في مصر لنظامها الديكتاتوري الحالي. وفي العام الجاري، علَّق الرئيس التونسي قيس سعيد عمل البرلمان، الذي كان يسيطر عليه حزب إسلامي معتدل، وهو ما وصفته دول عديدة بأنه انقلاب على الدستور.

عربي

منذ 4 أسابيع
«نيويورك تايمز»: الرئيس قيس سعيد.. بطل شعبوي أم شخصية ديماجوجية؟

وفي المغرب، لم يحقق الإسلاميون المعتدلون أي تقدم يُذكر في أي برنامج من برامجهم الانتخابية، في ظل سيطرة أحزاب أخرى على الوزارات الأساسية مثل الشؤون الخارجية والصناعة. وعندما قرر ملك المغرب إبرام اتفاقية تطبيع للعلاقات مع إسرائيل في العام الماضي، لم يكن بمقدور الإسلاميين فعل شيء لوقف خطوة يعارضونها بشدة.

وألمح التقرير إلى أنه مع انتشار وباء كوفيد-19، كان يُنظر إلى الملك على أنه المحرك الرئيس في برامج المساعدات. وتقول زرهوني: «معظم القرارات المتعلقة بتخفيف الآثار الاجتماعية والاقتصادية مرتبطة بالسلطة المركزية؛ الملك».

وفي هذا الصدد، أوضح فيش ساكثيفيل، الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة في دراسات الشرق الأوسط بجامعة ييل الأمريكية، إن: «معظم المغاربة، على اختلاف مستواهم التعليمي، كانت يشعرون بقدر لا بأس به من الشك السياسي. ورأوا أن الإسلاميين لا يتمتعون سوى بقليل من السلطة الحقيقية». ومع تفشي جائحة كوفيد-19 في المغرب، كان يُنظر إلى القصر الملكي على أنه المحرك الرئيس لبرامج الإغاثة والمساعدات.

مركزية السلطة في قبضة القصر الملكي

ويستشهد التقرير بما أكّدته سلوى زرهوني أن: «معظم القرارات التي كانت تهدف إلى تخفيف الآثار الاجتماعية والاقتصادية للجائحة كانت مرتبطة بالسلطة المركزية؛ القصر الملكي. بينما ظهرت الأحزاب السياسية والبرلمان في صورة العاجز الذي ينتظر توجيهات الملك».

وعكست نِسَب إقبال الشعب المغربي على الانتخابات السابقة بوضوح حجم انعدام الثقة، بما في ذلك الجولات الانتخابية الثلاثة الأخيرة، والتي بلغ متوسط ​​نسبة المشاركة فيها 42% فقط. وفي جولة الانتخابات الحالية، أدَّت القيود المفروضة بسبب الجائحة إلى لجوء معظم الحملات الانتخابية إلى الإنترنت، وهو ما أدَّى إلى استبعاد شريحة كبيرة من الناخبين لا تتوافر لديهم خدمة الإنترنت.

Embed from Getty Images

ويُلفت التقرير إلى أن المغرب عدَّل قانون الانتخابات في مارس (آذار)، مما صعَّب المهمة أمام أي حزب يسعى للحصول على عدد كبير من المقاعد للسيطرة على البرلمان. ويتعين على الحزب صاحب الأصوات الأكبر في البرلمان تشكيل حكومة ائتلافية تجمع بين عدة أحزاب ذات أيديولوجيات مختلفة.

ويرى كثير من المغاربة أن هذه الإجراءات تستهدف تقليص سلطة الأحزاب وإضعاف قدرتها على الحكم وتقوية قبضة الملك وتوسيع سلطته، وهذا ما دفع بعض المغاربة إلى الإحجام تمامًا عن المشاركة في الانتخابات يوم الأربعاء. يقول أمين زاري، البالغ من العمر 51 عامًا، والذي يعمل في صناعة السياحة في الدار البيضاء ولم يشارك في التصويت، إن: «المساحة المتوافرة للمواطنين للتعبير عن مظالمهم تقلَّصت حتى أصبحت طريقة التعبير الوحيدة المأمونة العواقب هي الامتناع عن التصويت، لأن النظام المغربي يهتم بنسبة المشاركة».

هل نشهد بوعزيزي جديدًا في المغرب؟

وأبرز التقرير أن كثيرًا من المواطنين المغاربة أشاروا إلى أن حقيقة الانتخابات في المغرب لم تتغير إلا قليلًا خلال العقد الماضي. ولا تزال حالات الاحتجاج بإزهاق الأرواح (الانتحار) تتصدر عناوين الأخبار في المغرب، مما يستدعي إلى الأذهان الحادثة التي أشعلت الاضطرابات الأولى في الربيع العربي عندما أضرم بائع فاكهة في تونس النار في نفسه في عام 2010 احتجاجًا على معاملة الشرطة. ولا تزال حالات ضرب ضباط الشرطة للمواطنين تتكرر.

عربي

منذ شهرين
«نيويورك تايمز»: الصحافيين في المغرب.. بين الإضراب عن الطعام والاتهامات الملفقة

وأشار التقرير إلى الاحتجاجات التي شهدها المغرب في عام 2017، التي واجهتها الشرطة المغربية بالقمع. واستهدفت الحكومة الصحافيين الذين سلَّطوا الضوء على ممارسات الاضطهاد. تُوضح منى عفاسي، البالغة من العمر 29 عامًا، وهي سيدة أعمال في الرباط، قائلة: «شعرتُ بغصة حقيقية في حلقي بسبب إدراكي أن هذه الأحداث حدثت ورأيتها بعيني من قبل. وأعرف هذا الشعور بالأمل جيدًا، فقد سمحوا لنا، خلال السنوات الخمس الماضية، بالبحث عن القوة لتصديق ما يحدث قبل أن نتلقَّى صفعةً جديدة». 

وأضافت منى: «أريد التوقف عن التفكير في الرحيل من المغرب لكي أمنح ابنتي الحياة التي تمنيتها لها».

الركود السياسي والإحجام عن المشاركة في التصويت

يؤكد التقرير أن التحديات تجلت بوضوح يوم السبت الماضي، عندما نظم متطوعون جولة انتخابية في حي سكني في الرباط، على الرغم من القيود المفروضة على الحملات الانتخابية بسبب الجائحة. إذ اجتمع أعضاء فيدرالية اليسار الديمقراطي الموحد، وهو تحالف من أحزاب مختلفة، في مكتب صغير، لمحاولة بذل مزيد من الجهود لزيادة نسب المشاركة في التصويت وتعزيز حظوظهم الانتخابية.

Embed from Getty Images

وفي السياق ذاته، تحدث نضال عكاشة، البالغ من العمر 27 عامًا، مدير إحدى الحملات الانتخابية إلى أحد المتطوعين في الحملة قائلًا: «ينبغي عليك أن تُظهر للمواطنين أنهم مثلك. ونريد أن نقول للناس إن التغيير ممكن في المغرب». لكن فريق الحملة الانتخابية، الذي ذهب في جولته على الدراجات يجوب جميع الأحياء في المنطقة، لم يجد عناءً في إبلاغ الرسالة، لأن كثيرًا من الناس لم يكونوا في منازلهم، وكان البعض الآخر قد اتخذوا قرارهم بالفعل بعدم المشاركة في التصويت. ولم يستمع إليهم سوى عدد قليل من الناخبين المحتملين، لكن لم يكن واضحًا في نهاية الأمر هل سيشاركون في التصويت أم لا.

وفي ختام التقرير، يستشهد المراسلان بما قالته ليلى إدريسي، البالغة من العمر 59 عامًا، وهي أخصائية علاج طبيعي وعضو سياسي في حزب الاستقلال الوطني، إنه: «يجب على المغاربة ألا يتخلوا عن التصويت في الانتخابات، حتى لو كانوا يشعرون بالإحباط من الركود السياسي الذي تعاني منه البلاد. وكثيرٌ من الوعود لم تُنفَّذ، خاصة في السنوات الثمانية الماضية. لكني أقول للشباب إنهم إذا لم يُصوتوا، فإنهم يسمحون للأشخاص غير الأكفاء أو أصحاب النوايا السيئة باتخاذ القرارات نيابةً عنهم. وينبغي على الشباب أن يكونوا مسؤولين عن مستقبلهم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد